سكبت قطرات المطر على نافذتي خطوطا تائهة كتلك التي يخطّها الدمع حين ألم، نظرت إليها متأملة جريانها بغزارة كل ما جاد الغيم بالمطر،والتفت لمدفأتي أرقب وهج النار فيها وهي محتفية بإسعار اللّهب، مخترقة قطع الخشب الملقى فيها..
في غمرة تأملي تلك، للقطر والنار، دقّت صاحبتي زجاج نافذتي، فقمت لها مسرعة كعادتي، فهي شديدة «الزعل» ولا طاقة لي على زعلها، فتحت لها النافذة، فحلّقت في سماء الغرفة وحطّت قرب المدفأة تنفض ريشها المبلّل…
بادرتها بالسلاّم والسؤال معا، ماهذا الغياب؟ نظرت إليّ بطرف عينها التي لا يتجاوز حجمها حبّة قمح، وقالت : كم طرقت بابك…؟ لكن عبثا حاولت، لامجيب…
آ.. لم أكن موجودة في البيت الفترة الماضية، قالت: لقد عزمت مقاطعتك لكنّي عدلت عن الأمر،لأجل الخبزو الملح الذي بيننا…ماذا أفعل لهذا القلب الرقيق الذي أودعه الخالق فيّ، قالتها منتشية،كأنها إنتهت لتوها من إلتهام قطعة «شوكولا»، مدّت عنقها في خيلاء ذكّرتني بالطاووس بالرغم من صغر حجمها، كتمت لذّة ضحكتي على عجبها بحالها كي لا تطير وتتركني.
أعتذر منك ياعصفورة، وأعدك أني سأفعل كل ما بوسعي كي لا يطول إنتظارك، هيّا يا حنونة، دعي الملامة جانبا وأخبريني، كيف حال «أديما»؟
سمعت أنّ المسارح فتحت أبوابها على مصراعيها هذه المرّة..
قالت نعم لقد إفتتحت السيّدة حياة صاحبة فستان الف لون ولون مسارحها العملاقة، تعرفين… قامتها السامقة وبشرتها النضرة وكذا عيونها الرمادية عدا لسانها الذي يسكب عسلا، جعلت الكل يهوى تجربة المسرح.
مدينة أديما تعجّ بالمسارح، وأهلها يعشقون التمثيل، ولن تجد أحدا من سكانها إلاّ وقد أدّى دورا ما فيها ولو «كومبارس»،لكن للأمانة، أكثر مسارحها بهاء وزخما هو المسرح الوسيط.
لماذا؟ قالت المسرح الوسيط يقع في قلب مدينة أديما، بناؤه شاهق خلاّب دائري الشكل، تعتليه قبّة ذهبية صنعت من الذهب الخالص، خطّت على جدرانه كل مامرّ على مدينة أديما من حروف آرامية وآكادية وسريانية وعربية، مزيّن بالأهلّة والصلبان، تجري بالقرب منه أنهار من ماء لا تتوقف عن الجريان صيفا أو شتاء.
هذا المسرح لا تهدأ الحركة داخله، الجميع يحب تأدية الأدوار فيه وإستعراض مواهبه التمثيلية، لتوفّر كل أدوات الخير والشر داخله..؟
منذ أيام بدأ العرض الأضخم على الإطلاق، والكل يتنافس لتقديم العروض فيه، كي يفوز بعقد احتكارالمسرح الوسيط لسنين طويلة آتية… سواء أهل الشمال أو أهل الجنوب، ويقال في المدينة إنّ هذا العرض لا يضاهيه إلاّ عرض ثمانية وأربعون..قاطعتها، وماذا عن عرض الثلاثة بعد الألفين..؟
قالت: لا ذاك لم يكن أكثر من «بروفا»، هذا هو العرض الحقيقي، ويبدو أن القوم أعدّوا العدّة جيدا لنيل المراد.
من القوم… جلّهم من الشمال وقلّة من الجنوب، إلاّ ملاّك المسرح الحقيقيون طبعا..
ماذا؟ كيف..؟
السيدة حياة تشرف على المسارح تسيّرها وفق مقاييسها «المتعارف عليها» وتوثقها أيا كانت النتائج أو النوايا…
ومن دهر تنازل ملاّك المسرح الوسيط عنه مرغمين، إذ باع باشاواتهم واشتروا كراسيهم به..
لكن الجديد هذه المرّة أنّ ملاّكه الأصيلين دخلوا المسرح بإصرار وهم عازمون على إسترجاعه والفوز به مهما كان الثمن الذي سيدفعونه..
وهل سينجحون ياعصفورة؟ الم يتأخّروا؟ أليس الكل متحالفا ضدّهم؟ المهمة صعبة للغاية ومعقّدة.
لا أعلم عزيزتي، لا أملك إجابة ولا أقرأ الغيب، لكني سمعت أحد أبنائها البررة يقول:
ليس سؤالا تجيب عنه وتمضي..
إنّه حياتك وقضيّتك معا..
وهم على فكرة..يؤمنون بما يقول جدا.
كاتبة من الجزائر
منى مقراني