مسعود إيغار هو صديقي الودود الذي التقيت ذات صباحٍ قرائي، وقضيت في رحاب عالمه الخاص يوماً كاملاً، مسعود هو ذلك الطفل المنغولي الذي لا يريد أن يكبر، إنه ذلك طفل الإشكالي الذي يزرع في رؤوسنا حلم التمسك بالطفولة، بما تعنيه تلك الطفولة من أمان وسعادة وياسمين يعبق برائحة الوطن.
حكاية مسعود الأثيرة للنفس هي حكاية طفولتنا الهاربة، طفولتنا الشقيّة الغريبة، تقدّمها الأديبة السورية إيغار كنيفاتي في القسم الأول من مجموعتها «مسعود ولياليه العشر»، مفتتحةً السرد بعتبه الإهداء إلى أبيها الغائب الحاضر، وبدءاً من الإهداء تفتح الكاتبة موضوعاتها على إيقاع الغياب الذي يلازم الإحساس بالفقد، ويتجلّى على مساحة النصوص التالية في غياب مجموعة من الشخصيات المحيطة بمسعود (سعيد ونبيلة والأم)؛ ليترك أمام الشخصيات الحاضرة فرصة بيان موقفها النهائي من ذلك الغياب، وها هنا يرحل الراحلون، ويشهد من تبقّى على حكاية وطن عصيّ على الغياب.
في القسم الأول من المجموعة «مسعود ولياليه العشر» تقدّم لنا إيغار كنيفاتي عشرين نصّاً سردياً ملتبس الهوية من حيث الاتصال والانفصال، فهذه النصوص تكاد تنتمي، في حالتها الفردية، إلى القصص القصيرة جداً، ولكنها في اجتماعها تشكّل شبه رواية تنمو فيها شخصية مسعود وحكايته، مترافقة مع الشخصيات التي تحيط بها وتحكي حكاياتها أيضاً، وعلى الرغم من ندرة استخدام الأدب العربي لهذا الشكل السردي، فإننا يمكن أن نشير إلى أنه يحيل بشكل ما إلى تراث الرواية الفلسطينية، وإلى رواية «أم سعد» بالتحديد، حيث يقدّم غسّان كنفاني قصصاً متتابعة عن أم سعد، يكوّن مجموعها تطوراً درامياً يبدأ من غرس دالية في البداية وتبرعمها في النهاية.
ومثل هذا الالتباس البنائي الشكلي في مجموعة إيغار كنيفاتي يبدو لنا شبيهاً بالتباسات الفتى المنغولي مسعود نفسه، إذ كان يتأرجح بين الطفولة والحكمة، وبين الجبن والشجاعة، وبين الهرب والمواجهة، مذكّراً بشخصيتين شهيرتين من شخصيات الأدبين العربي والعالمي؛ فهو يمتاز بعبثية دونكيشوت عند سرفانتس، ووسطية أبي النحس المتشائل عند إميل حبيبي، ويبني لنفسه سريراً طفولياً بينهما، يتقلّب مثلهما على جمر الأحداث، ومثلهما يتابع حياته التي يراها الآخرون بلا معنى، بينما يشتق منها مسعود (المتعوس إلى حد ما) تناقضاته وتناقضات المشهد السوري الذي يحيط به، ويخبز قناعاته على نار الحرب، ويزلزلها برعد الانفجارات المدوّية.
في «مسعود ولياليه العشر» ثمة احتفاء باهر باحتمالات مسعود وتقلباته، فهناك مسعود الخائف من الظلام والرصاص والنجوم والقنابل والضباع والموت، وهناك مسعود الذي يحب أمه ويحب الناس والحلوى والأصدقاء والحشرات، وهناك مسعود الشجاع العائد الذي يعطي الآخرين درساً في الوطنية والإقدام: «توقف فجأة وقرر أن يعود إلى حارته (…) توقف الجميع.. نظروا إلى بعضهم بعضا وبتصميم وعزم قرروا أن يعودوا مع مسعود حتى و لو كلفهم هذا حياتهم..».
وكأنّ مسعود ها هنا هو وجه آخر لسورية التي تم اغتيال أمنها، فباتت صبية تخاف الظلام والرعب وتجاهد الأسى، ولكنها تأبى إلا أن تتم طريقها نحو الفجر، وأن تعود إلى رشدها وياسمينها.
وهناك احتمالات وتجليات أخرى يجسدها مسعود في رصد وقائع الأزمة التي عصفت بأمن سورية، تلك الأزمة أعطت كلمات مثل (الجوع والخيمة وربطة الخبز) دلالات تجرح القلب، لأنها وضعت أحلام الناس البسطاء في مواجهة فؤوس قاطعي الرؤوس الذين لا يرحمون أحداً، وهنا تكتسب الكلمات دلالات وارفة، ولكنها طارئة، بمعنى أن القاصة تلتقط من المأساة السورية مفاتيح رمزية، تضعها بين سطورها، أمام متلقٍ لم يعتد على وضع تلك المفاتيح في ذلك السياق.
إنّ الاحتمالات التي رافقتُ فيها تقلبات مسعود، بوصفي متلقياً، منتشياً بفرح طفولته لم تتركني لليأس، رغم فظاعة حكايات الألم التي ترويها، بل راحت ترسم الأمل من خلال رموزه المختلفة، خاصة من خلال رمز الأمل الأبهى، وهو المطر؛ إذ يحفظ هذا (المنغولي) درس أمّه/ وطنه جيداً، فحين يقرع المطر زجاج نافذته يفتح عينيه: «تذكر كلمات أمه وهي تواسيه: غداً سيهطل المطر وسأملأ لك برميلاً من الماء.. ركض مسعود إلى المطبخ بحث عن البرميل لم يجده.. فحمل (طنجرة) الطبخ وسارع إلى خارج البيت ووضعها على الأرض وما أن تمتلئ قليلاً حتى يسارع ليشرب. شعر مسعود بفرح كبير فأمه كانت هنا».
ها هنا تفيد إيغار كنيفاتي من رمز المطر، وتعيدنا إلى السيّاب من جديد، وهكذا يصرّ مسعود وتصرّ إيغار على ألا يتركانا من غير أمل، قبل أن يتنقل السرد منه إلى حكايات تشبه التمرينات الذهنية، وتنتمي للواقع حيناً والفانتازيا حيناً آخر، وتنعى فيها الكاتبةُ الكرامة والحب، وتصوّر القهر والاغتصاب والقتل المجاني، وتفضي بعد ذلك إلى مجموعة نصوص بعنوان تضاريس، تبدو أقرب إلى الخواطر منها إلى القصص.
كنت أودّ أن أشير إلى حكبات غير مقنعة لبعض الحكايات، ولكنني وجدت الوقائع التي تجري على الأرض أقلّ إقناعاً وأكثر غرابة.. كنت أودّ أن أشير إلى حكايات وجدتها ذهنية، خاصة في «إحدى عشرة ليلة باردة لهم»؛ حيث تولد الفكرة قبل الحكاية، وتتحكم بها، من دون أن تتطور بشكل طبيعي إنساني، ولكنني وجدتني أتجاوز ذلك، لأنّ الواقع السوري المؤلم، ولدت فيه أفكار لا أب لها ولا أم، وتحولت إلى حكايات للرعب والموت..
في هذه المجموعة القصصية فتحت إيغار كنيفاتي نافذة القلب على ألم جديد وأمل لا يخبو، وأبدعت شخصية يمكن أن تكون مادة غنية جداً لأعمال سردية مقبلة، فطوبى لمسعود ذلك المنغولي المتميّز الذي لم يكن في خيالي كائناً من حروف وكلمات، بل طفلاً تكبر أحلامه ويبقى بنقاء طفولته شخصية خالدة عصية على النسيان، وطوبى لهما مجتمعين، مسعود وإيغار، لأنهما لم يفقدا الأمل، على الرغم من الدم والخراب.
ها أنا ذا، أسمع، مثلما سمع مسعود، صوت المطر يقرع زجاج النافذة..
كاتب فلسطيني
يوسف حطيني