خلال العشريتين الأخيرتين، وخصوصا إثر الهزّة الخطيرة التي تعرّض لها العراق والعالم العربي مع احتلال الأمريكيين (ثم الإيرانيين) لبغداد عام 2003، وبعدها موجة الثورات والثورات المضادة بعد عام 2011، وحالة الاستعصاء التاريخية التي تولّدت من هذه الصراعات غير المحلولة، تحوّل رمضان، شهر المسلمين المقدس الذي نزّل فيه القرآن، إلى شهر تتزايد فيه مجازر ضد الأبرياء من قبل ثنائية: الأنظمة، ومرآتها المقعّرة، تنظيم «الدولة الإسلامية» وأخواته.
غير أن هذه النزاعات القاتلة لم تمنع نشوء ظاهرة أخرى موازية وهي، على ما يظهر، «باقية وتتمدد»، وهي ظاهرة ما يسمى المسلسلات الرمضانية التي تحظى بمتابعة كبيرة من جمهور المشاهدين العرب وتستقطب اهتمامهم ونقاشاتهم، بحيث تتناظر طاحونة الدم العربي الجارية مع محاولات شركات الإنتاج التلفزيوني لتسويق خلطاتها الدرامية المتنوعة لجذب المشاهدين، ومحاولات المحطات الفضائية وشركات التسويق والإعلان لاستغلال هذا الشهر لدرّ الأموال.
نبّهت هذه الظاهرة بعض الحكومات العربية إلى إمكانية استغلال هذه السوق الهائلة أيضا لبيع بضاعتها السياسية والتكسّب منها عبر تمرير رسائل واضحة في أغلب الأحيان، ومشفّرة في بعض الأحيان، للدفاع عن اتجاهات الأنظمة السياسية عبر تهشيم اتجاهات خصومها وأعدائها المفترضين.
تركّز الثقل الإعلاني ومساحة المشاهدة لمسلسلات الدراما في القنوات الخليجية وظهرت، بسبب ذلك، إلى جانب الدراما المصرية القديمة والواسعة الخبرة، الدراما السورية المبدعة والمجددة ومن ثمّ الخليجية التي تحاول تقديم هموم مجتمعاتها، وكان لتشارك هذه المناطق أطوار الإنتاج والإبداع يد كبرى في ظهور ميل واضح في مسلسلاتها لتخديم وجهات نظر الدول والأنظمة والشركات المنتجة، وكثير منها مملوكة لمسؤولين أو لأولاد مسؤولين، فظهرت مسلسلات مصرية وسورية لنقد اتجاهات «الإسلام السياسي»، من دون أن يغفل الجادّ منها، وخلال فترات الراحة السلطوية، نقد بعض مظاهر التغوّل الأمني (مع تحويرات مناسبة لإبعادها عن رأس السلطة وبطانته) وعلاقته الوثيقة مع الفساد والإجرام والدعارة وغيرها.
في المقابل فقد أنتج تهتّك الأوضاع السياسية لبعض الأنظمة العربية الحاجة المتسرعة لإنتاج أعمال ركيكة لا تهدف إلى تقديم الحقائق بقدر ما تنشد إعلاء شأن الكليشيهات واختراع واقع تبسيطي وساذج لتناول قضايا معقّدة بشكل يهين ذكاء المشاهدين ويستغفلهم ويجبرهم على تناول البروباغاندا على أنها دراما، الأمر الذي دفع بعض المشاهدين لاقتراح أن يصوم المشاهدون هذه السنة عن حضور المسلسلات وليس عن الأكل والشرب فقط.
لم يتّعظ المنتجون من تجربة مسلسل كـ«الطريق إلى كابول»، الذي ظهر في رمضان عام 2004، وأراد تقديم المأساة الأفغانية وكان جيد الحبكة لكنه احتوى على بضعة أخطاء تاريخية وجغرافية وسياسية فأوقفت بعض المحطات بثه وانتهى أمره على الرفوف، فقدّموا للمشاهدين هذه السنة مسلسلا عن تنظيم «الدولة الإسلامية» شارك فيه ممثلون سوريون ومصريون ولبنانيون وخليجيون سمّوه «الغرابيب السود»، ويقال إن تكلفته تقدّر بعشرة ملايين دولار.
تعليقات المشاهدين انصبّت على أن الموسيقى والتمثيل والتصوير والتكاليف والموضوع توحي كلّها بأن المسلسل جدّي لكن المشاهد والحوارات والوقائع مركّبة تركيبا يتحدّى المنطق والعقل بشكل يجعل المتابع العاقل يأسى لضياع الأموال والجهود وينتهي للسخرية من الحوارات والإخراج والإنتاج التي لا تقدّم قيمة فنّية وتسيء للأفكار التي تفترض تبنّيها ولعلّها تخدم، بهذه الطريقة، الجماعة التي تفترض أنها تقوم بفضحها.
يقدّم المسلسل «أميرا» افتراضيا لـ«المجـــاهدين» يسأل مساعدة له «منقبّة» عن المتطوّعات الجدد ثم يقترح مشاركتها اغتصابهن!، ويسأل «أمير» متطوعا آخر أين تعلّم الرمي بالبندقية فيجيبه: «في البلاي ستيشن»، وتسأل «مجاهدة» ضمن جمع من النسوة شيخا إن كان «زواج النكاح» يسمح لها بالنوم كل يوم مع رجل فيصادق الشيخ على ذلك ويعتبره جهادا، فيما يظهر أطفال يعبئون «حبات هلوسة» بأكياس شفافة الخ…
هل هذا مسلسل يهدف لمكافحة أسس وأركان تنظيم «الدولة» حقّا أم هو هذيان مريض نفسي يحتاج علاجا عاجلا؟
رأي القدس