«أفراح القُبّة»، مسلسل نخبوي إلى حد ما.. مأخوذ عن نوفيلا لنجيب محفوظ، مكتوبة في قالب مسرحي. وبتشيكيلة عباراتية شكسبيرية المنزع. كما أن المسلسل يقوم على البينصية، أي تفسير الواقع من خلال المسرح، أو مسرحة الواقع، بالإضافة إلى طريقة الإخراج المدهشة التي اعتمدها محمد ياسين، حيث العبث بالزمن وإعادة تشييد المشاهد بشكل تكراري إلى الأمام للتنويع على وجهات النظر المختلفة ومداخلة الأحداث ضمن رؤية فنية تخرج المسلسل عن الطور المألوف. إلى جانب ثقل العبارات والمفردات التي تكثّف الحمولة الدلالية للنص وتشتق جوهر الرؤية والعبارة المحفوظية، وهي مزايا أدبية تنتقي مشاهدها، وتنتخب متلقيها، على عكس الأعمال الدرامية ذات النص السردي الأفقي الخالية من المفاجآت المحتلة بشخصيات على درجة من العادية وبدون أي عمق نفسي.
لا توجد شخصية في «أفراح القُبّة» عادية، فكل شخصية تمتلك حق سرد مجمل الوقائع وإبداء الرأي، وتمثُّل شكل ومعنى وجودها من خلال سردها اللغوي أو البصري، حتى إن كان حضورها الحياتي هامشياً، إلا أنها في المسلسل قادرة على الحضور والتأثير، حيث يتضخم دور الممثل الخمسيني الهامشي طارق رمضان (إياد نصار) في المسلسل أضعاف ما يؤديه كممثل على خشبة المسرح. كما يتفسر ذلك من خلال عباراته الدالّة «اللعنة على الماضي والحاضر. اللعنة على المسرح والأدوار الثانوية». وهكذا فكل شخصية تؤثر في بقية الشخصيات، ليس بالمعنى التقليدي المعتاد لمن يمثل قيم الخير مقابل من يمثل أبعاد الشر، إنما من واقع الكيمياء البشرية التي يمتزج فيها الشيطاني بالإنساني، فمعظم الشخصيات منحطة ودوافعها للسقوط ناتجة عن طرف موضوعي عام، أشبه ما يكون بالطقس الرديء، الذي يحكم قبضته على أقدار ومصائر تلك الحيوات.
أحداث وشخصيات «أفراح القُبّة» ليست كلها من عنديات نجيب محفوظ. ومن قرأ الرواية يعرف أن دفة السرد قد أسلمها لشخصيات محدودة، إلا أن السيناريست التقط عناوين الرواية، وبموجب مبدأ الاختلاق استولد شخصيات جديدة تدور في صميم العمل. وهكذا فجر الرواية من داخلها ومددها باتجاهات عمودية وأفقية، خصوصاً ضمن عائلة بدرية (سوسن بدر) حيث بالغ في ترذيلها، وذلك لتعرية الطبقة المخملية «أوعي تنخدعي في اللي لابسين بدل دول أوسخ من اللي لابسين جلاليب». وهي ثيمة من ثيمات نجيب محفوظ التي صار يعمقها في معظم رواياته، وهذا التطوير للحدث الروائي بالغوص في أعماق شخصية سرحان الهلالي (جمال سليمان) وتمديد دور تحية عبده (منى زكي) وتصعيد حالة الحب بينها وبين طارق رمضان. وفرد مساحة حضور لدرية نجار (صبا مبارك). وتلهيج العبارات المحفوظية. بالإضافة إلى إضفاء الطابع البوليسي على الرواية. يؤكد على براعة المخرج وعبقرية كاتب السيناريو الذي لم يذكر اسمه في تتر المسلسل حيث تقاسمه محمد أمين راضي ونشوى زايد.
الرواية كما أرادها نجيب محفوظ هي بمثابة مرآة كبيرة وفاضحة، مغروسة بعمق وعلى امتداد واسع قبالة مجتمع آخذ في التفسخ على إيقاع موت الأحلام. وقد نصبها بذكاء على مسافة من الحدث والواقع المصري، ليخدش بايماءات ناعمة من بعيد سلطة الثورة ويعري مظاهرها الخادعة، فالحدث السياسي يلقي ظلاله الرهيفة على خلفية الحدث، دون أي غرغرة خطابية: النكسة، وفاة عبدالناصر، وحرب العبور. الأناشيد التي لم تتغير، والزعيم الذي لم يتغير، والأصوات التي ينبغي لها ألاّ تعلو على صوت المعركة. حيث مارس لعبته المعهودة في تقشير عورات الفرد والمجتمع بلا رحمة، من خلال سرد أقرب ما يكون إلى الواقعية القذرة. وعليه، جاء التركيب الفني للمسلسل من خلال توريط المشاهد في وعي ذاته عبر مونولوجات اعترافية لكل الشخصيات تقريباً، بحيث يتساوى في ذلك البوح أصحاب الياقات مع مسحوقي القاع الاجتماعي، ضمن ميثاق داعر يتغذى فيه كل فصيل على الآخر.
المسرح هو المكان الملعون، المنذور لاغتسال الذوات الآثمة، المهزومة. المسرح الذي تقال على دكته أجمل الكلمات وترتكب في كواليسه الرذائل، حيث يفترض أن يرى كل فرد صورته البشعة كما عاشها. وأن يشاهد اقترافاته كما كتبها عباس كرم يونس (محمد الشرنوبي) بكل قسوة من واقع معرفته بتفاصيل حياتهم التي راقبها منذ طفولته، وبحكم موهبته، بصفته إبن ملقن الفرقة كرم يونس (صبري فواز)، الأمر الذي جعلهم يحتجون على مضمون المسرحية. كما اختصر ذلك الاعتراض طارق رمضان بقوله «كلنا بنعرف أن دي الحقيقية، لا فيه مؤلف، ولا تأليف، ولا مسرحية»، أو كما جاء وصفها بمنطوق الرواية «ما هي بمسرحية. إنها اعتراف. هي الحقيقة. نحن أشخاصها الحقيقيون»، حيث يعمق نجيب محفوظ تخليق المفارقات الصادمة عندما يصف (باب الشعرية) على لسان طارق رمضان بأنه «حي التقوى والخلاعة»، وهكذا أراده محمد ياسين ليشرح بصرياً معنى «زمن المخدرات والإخلاص للغريزة».
الخطيئة مقدمة للكارثة بالمعنى الأرسطي، وعلى هذا الأساس انبنى العمل من الوجهة الدرامية وتشكلت النماذج النسائية وكأنها منحوتة في قالب واحد، إذ لا توجد في المسلسل امرأة سوية بمن في ذلك خياطة الفرقة عفاف، أم هاني (سلوى عثمان) التي تعمل كقوادة للهلالي، وتحاول احتواء طارق رمضان والصرف عليه متنازلة عن كرامتها، لتشبع حاجتها في (ظل حيطة) كذلك درية نجار بطلة الفرقة الجميلة الشريرة، التي تحاول الحفاظ على مكانتها بمواثيق جسدية مع مدير المسرح. أما حليمة الكبش (صابرين) المتبتّلة فهي محل استهزاء زوجها ملقن الفرقة الذي لم يصدق أن مدير الفرقة اغتصبها، بقدر ما يراها مشروع استباحة ذكورية، إلا أن النموذج الأكثر تشوهاً فيتمثل في بدرية وبناتها الثلاث: تحية، وسنية (رانيا يوسف) وعلية (دينا الشربيني). حيث أمّمت أجسادهن لتستثمرهن في تجارة إغوائية خاسرة. وهذا هو ما يفسر النهاية المفجعة لبدرية، أي مشهد احتراقها وكأنها تستقر في جهنم. كما يفسر أيضاً موت تحية المبكر، وتشوه سنية وعلية. بمعنى خسارة رأس المال المستثمر في المكان الخطأ وتذوق طعم الخيبة التي تجيء مع الأفيون.
إن دوافع بدرية وبناتها وبقية السلالة الأنثوية في المسلسل تتشكل على إيقاع محاولات الفرار من القاع الاجتماعي، أي الصعود إلى طبقة أعلى ولو من خلال تنازلات ارتأين أنها وقتية، وهذا هو الوهم الذي تأسست عليه نهاياتهن البائسة، حيث اختصرت سنية هذا البعد في مشهد استحمامها في مغطس معبأ بالمال «انت بتستحمي بالفلوس يا سنية.. آه بحب ريحتها، بتنظفني». وهكذا حضر الجنس كخلية مفسرة لمشاعر ورغبات مجمل الشخصيات، وهو الذي حكم التداخل في الأحداث واشتباك الشخصيات مع بعضها، حيث تشكلت أرضية الفساد الأخلاقي الشاملة، وكأن الرواية/المسلسل يرسم صورة معتمة لمجتمع يتعرض لنكسات متواصلة. كما يغوص عميقاً في نفسية الفرد المهزوم، المثقل بالخيبات الذي وجد نفسه فجأة وسط ماخور كبير لا نجاة منه، وذلك بسبب تراكم الهزائم وموت الأحلام وفساد هرم السلطة الذي يلقي ظلاله على كل تفاصيل الحياة اليومية.
وقد ارتدت هذه الدوافع على الشخصيات الذكورية بالقوة ذاتها، فمنظومة الرذيلة الأنثوية يقابلها طابور من الرجال المتوجين بتاريخ من الخزي والرذائل، حيث يمكن التقاط السمة العامة من خلال عبارات مثل «كل الرجالة كلاب» و»رجالة خرا»، وهكذا يمكن النظر إلى سرحان الهلالي، أي كمقامر وقناص متوحش ومتربص بكل امرأة تضع قدمها في مسرحه أو كما جاء وصفه في الرواية «مجنون نساء ولكنه لا يعرف الحب»، كذلك طارق رمضان الذي «لا ميزة له إلا الفحولة»، ولذلك يقدم نفسه كمشروع حب لكل امرأة يصادفها بدون أي وعود بالزواج، لأنه حسب منطوق درية وتحية «مش بتاع جواز». وكذلك عبده (سيد رجب) اللوطي والمتواطئ مع طليقته بدرية على توظيف أجساد بناته من أجل المال. تماماً كما هو الحال مع أشرف شبندي (أحمد صلاح السعدني) زوج سنية، الذي (يسرح) بها في الملاهي والكباريهات، وأيضاً كرم يونس الذي «يقال إنه مدين في نشأته إلى أم عاهرة»، وكذلك فؤاد شلبي (مصطفى حشيش) رئيس التحرير الذي يتغذى على المؤامرات والفضائح والعلاقات النسائية، حتى أحمد برغل (سامي مغاوري) عامل البوفيه، كان شاهداً على كل المهازل في كواليس المسرح.
كل تلك الشخصيات الآثمة، المغيبة بالجنس والمخدرات والقمار، لا تولد لدى المشاهد أي ردة فعل ساخطة، ولا أي رأي تعقيمي إزاءها، ولا أي موقف هجائي قبالة مواقفها. ربما لأنها تنطرح من منظور الاعتراف والبوح، كما تمتلك كل شخصية فلسفتها الخاصة لعرض طريقة ومبررات سقوطها الأخلاقي، حيث يقدمها المسلسل ككائنات مسلوبة الإرادة ضمن طقس الهزيمة العام. وكأنها كائنات مشوهة متشابهة حد التطابق مع واقع رديء. والأهم أن المسلسل بقدر ما يعطي للرجل الصياد فرصة الحديث عن مغامراته وطرائده، يعطي للمرأة كفريسة حق تأريخ وجودها كضحية. وإن كانت الأدوار تتبدل بين فترة وأخرى ما بين الصياد والفريسة. كما حدث – مثلاً – في حكاية علية وفؤاد شلبي. وهذا هو تكنيك تعدد الأصوات الذي تأسست عليه الرواية واستثمره المخرج محمد ياسين ببراعة، حيث رفع الستار عن بيوت وقلوب وعقول تلك المخلوقات المطرودة من منطقة (الظل الحنون).
«أفراح القُبّة»، عنوان مبهج لواقع ولمروية على درجة من القذارة، يحضر فيها الجنس باعتباره التجسيد الفني للعبة السرد وبصفته باب الحقائق. وهنا مكمن المفارقة التي يلعب بها نجيب محفوظ دائماً، منذ أن وصف ذلك الطفل الذي يبيع الحلوى بأنه يبيع أحلامه. وهنا في الرواية/ المسلسل الخياطة أم هاني تفصل أجمل الملابس لممثلين وممثلات ولكنها لا تتجرأ ولا تمتلك فرصة ارتداء أي منها، وكذلك حليمة الكبش تبيع التذاكر وتجمع المال للفرقة ولكنها لا تدخل في حسابها، وتحية التي تحاول أن تقطع مسافة المليون إحساس ما بين المحبة والكره «لا هُمّه حب ولا هُمّه كرْه». أما طارق رمضان الموهوم بفحولته ودون جوانيته، فقد تكسرت أحلامه بموت (بنت الكلب تحية). وقد كان يظن أنها ملكه (مثل الحذاء) ينهرها ويهينها ويضربها فتعود إليه لأنها لا تطيق الحياة بدونه. وربما كان مشهد الأقنعة ما بين طارق رمضان وسرحان الهلالي أبلغ لحظة من لحظات المكاشفة والاعتراف بالهزيمة ما بين صديقين تعاهدا على الفن لتتحطم أحلامهما على أجساد النساء كمحطات عبور نحو هاوية سقوط لا قاع لها.
٭ ناقد سعودي
محمد العباس