مسلسل حارة اليهود : هل هو دعوة مبطنة للتطبيع مع إسرائيل؟

حجم الخط
3

مهما حسنت نوايا الذين قاموا على صنع مسلسل «حارة اليهود»، فإنهم يقدمون ولا شك خدمة مجانية لا تقدر بثمن للكيان الصهيوني، من حيث يعون أو لا يعون. فالصهاينة سيفرحون حتما وهم يجدون من يقدم لهم مبررات تسوغ اندفاعهم في أربعينيات القرن الماضي لدعم كيانهم المتطفل المزعوم الذي قام على أشلاء الفلسطينيين والهجرة إليه، وذلك بعد أن ذاقوا الأمرين، كما يصور المسلسل، على أيدي العرب في مصر وغيرها، وتحديدا على يد جماعة الإخوان.
من حيث المبدأ، أظن أن من حقنا أن نتساءل: هل انتهت كل الموضوعات والمشكلات التي تختنق بها الساحة العربية والتي يمكن معالجتها درامياً حتى يعمد صناع المسلسل إلى التورط في إنتاج هذا العمل المريب، وبخاصة في هذه الفترة العصيبة المضطربة من تاريخ مصر، التي تشهد تقاربا حميما معلنا بين قيادات الانقلاب العسكري في مصر، وقيادات الكيان الصهيوني في «تل أبيب»؟ ولا أدري في هذا السياق إذا كان الأمر من باب الصدفة أن يكون السيسي، قائد الانقلاب العسكري، قد ولد وتربى في حارة اليهود التي حملت اسم المسلسل.
لا يمكن النظر إلى المسلسل الذي يستثير التعاطف مع اليهود إلا كدعوة مبطنة للتطبيع مع الكيان الصهيوني الذي لا ينفصل في واقع الأمر عن سكانه اليهود. فالبلاد العربية تخلو اليوم بصورة شبه كلية من اليهود، باستثناء أعداد بسيطة للغاية في هذا القطر العربي أو ذاك. ومن ثم فإن المسلسل يتناول ويسهم في تعديل النظرة السلبية نحو يهود اليوم، وهؤلاء هم من الصهاينة المغتصبين في أغلبيتهم الساحقة، ويختلفون حتما عن اليهود «الطيبين» الذين عاشوا ذات يوم على أرض مصر، إذا ما افترضنا جدلا وجود هؤلاء. بالمناسبة، يقال إن المجرم موشيه ديان كان يعيش في حارة اليهود في القاهرة؛ ما يشكك تماما في أمر الطيبة المزعومة المنسوبة لبعض اليهود الذين سكنوا مصر. فمستوى إجرام ديان وعدائه للعرب، هو والكثير من اليهود الشرقيين الذين ولدوا او عاشوا طفولتهم في مصر وغيرها من البلدان العربية، يوحي بأن الأسر التي نشأوا فيها كانت أسراً خبيثة تعتمد منهج التقية وتضمر الحقد ضد العرب والمسلمين، وتنتظر الفرصة المواتية للانقضاض عليهم والفتك فيهم، وهو ما حدث بالفعل، وهو ما يحاول المسلسل أن ينفيه بشكل أو بآخر، عن طريق الادعاء بأن تطرف بعض العرب، وعلى رأسهم الجماعات الإسلامية، هو الذي حوّل الكثير من اليهود إلى أعداء!
المتابع لحوارات وجهود وأعمال الإخوة «العدل» في السنوات الأخيرة التي اعقبت تنحي مبارك، وهم الذين تقف مؤسستهم الإنتاجية خلف كتابة وإنتاج وإخراج العمل الذي نتحدث عنه، يلاحظ بوضوح أنهم قد جندوا كل إمكانياتهم لمحاربة الحركات الإسلامية، بغض النظر عن درجة اعتدالها، عبر بث قيم ومفاهيم تزعم أنها تعبر عن الإسلام الصحيح، مع ما يترافق ذلك من ترويج أفكار وتفسيرات قد لا تعبر بالضرورة عن الوقائع والحقائق الدينية والتاريخية. فالمسلسل، بما يذكّر بمسلسل «الداعية» الذي أنتجوه قبل عامين تقريبا، يريد أن يلصق بالإخوان المسلمين المزيد من التهم التي تسعى إلى تكريس الصورة النمطية السلبية التي يحاول نظام الانقلاب الوريث المخلص لنظام مبارك تكريسها عنهم. فهو يرسخ التهمة التي تلاحقهم اليوم من أنهم، ومنذ قيام تنظيمهم، يتاجرون بالدين، بل إنه يتهمهم بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية لمصالحهم السياسية الخاصة. علما بأن مصادر تاريخية كثيرة محايدة تؤكد أنهم أبلوا أحسن البلاء في حرب فلسطين وقدموا من التضحيات ربما ما لم يقدمه الجيش المصري نفسه، الذي تسبب مع غيره من الجيوش العربية العتيدة، التي كانت وما تزال تأتمر بإمرة قوى غربية خارجية، في ضياع فلسطين. وعلى كل حال، وقبل أن يرجع الإخوة العدل بالتاريخ إلى الوراء عدة عقود ليحرضوا ضد جماعة الإخوان المسلمين المنكوبة وبلوموها بتهمة التقصير في الدفاع عن فلسطين والمتاجرة بقضيتها، فإن عليهم أن يلوموا من باب أولى نظام الانقلاب الحالي الذي يتملقونه، الذي يتحالف جهارا نهارا مع الصهاينة للقضاء على حركة حماس، المتفرعة بدورها عن حركة الإخوان المسلمين، وآخر معاقل الدفاع الجدي الذي يتجاوز الشعارات الفارغة عن فلسطين وعن خيار المقاومة من أجل تحريرها.
الملهى الليلي، الذي بات بمحض الصدفة البريئة جدا يمثل القاسم المشترك الأعظم في معظم المسلسلات المصرية، هو أحد الأمكنة الأساسية التي يجري فيها تصوير الكثير من المشاهد في مسلسل حارة اليهود. ولحرص صناع العمل على تصوير الواقع نجد في المشاهد المأخوذة هناك ما يمكن توقع مشاهدته من أشكال العري والتهتك الأخلاقي في مثل ذلك المكان، التي تتعارض على الأقل مع قداسة شهر رمضان الفضيل. ولكن لا أدري لم لا يحرص صناع العمل على التمسك بنفس الدرجة من الواقعية، عندما يصورون مثلا الضابط علي، بطل المسلسل، وقد نبتت له ذقن مشذبة بمنتهى العناية بعد عدة أسابيع من اعتقاله وتعذيبه! إن صناع العمل يسوقون الهبل على الشيطنة كما يقال في المحكية المصرية، فهم يقدمون حكاية تاريخية في الأساس، ولكن إذا ما اتهمتهم بأنهم لا يعكسون الحقائق التاريخية بصدق وأمانة، أجابوك بأنه مجرد عمل فني درامي متخيل، وليس بالتوثيقي أو التأريخي. مع أنهم يعلمون علم اليقين أن المعلومات الزائفة التي يقدمونها، ستنطبع في أذهان الملايين من المشاهدين من محدودي الثقافة التاريخية والسياسية بوصفها حقائق ثابتة تستقر في وعيهم ولا وعيهم، ويتم توظيفها لدعم الصور النمطية المغرضة المسبقة التي يشتغل الإعلام الانقلابي بدأب على تسويقها.
من المؤسف حقا أن تدفع الخصومة الإيديولوجية لأهل الفن مع الإسلاميين، حتى لا أقول الإسلاموفوبيا التي يعانون منها، إلى مثل هذا المستوى المتدني من التنازل عن المبادئ والقيم التي قتلونا لعقود وهم يتشدقون بالحديث عنها. فأكثرهم كما ظهر كانوا وما زالوا من المدافعين عن نظام مبارك الفاسد، الذي لم يسقط عمليا. أما الذين وقفوا إلى جانب حراك الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، على قلتهم، فإنهم سرعان ما آثروا الارتماء في أحضان انقلاب عسكري دموي ضد أولئك الذين وصلوا إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، بعد أن عجزوا هم وممثلوهم عن مقارعتهم عبر صناديق الاقتراع. وليتهم اكتفوا بذلك، بل تحولوا في أفضل الأحوال إلى شياطين خرس، لا يجرؤون على قول كلمة واحدة ضد مجازر نظام الانقلاب وجرائمه واستبداده غير المسبوق، بعد أن كانوا يستأسدون على الإخوان. هذا إن لم يتحولوا إلى أبواق لا تتردد في تزييف الحقائق وتزوير التاريخ وتضليل وعي الناس، وترويج نسخة مشوهة مبتذلة عما يسمونه بالإسلام «المعتدل»، لا تختلف عن تلك النسخة الممسوخة التي يحبذها الغرب، وتشكل المعادل الموضوعي المقابل للصورة المشوهة التي يتبناها بعض الحركات الدينية المتزمتة. حتى وصل الأمر بممثلات وراقصات اشتهرن بأدوار الإغراء إلى التصريح بالقول إنهن سيتولين تعليم الناس ما هو الإسلام، بعد أن كلفهن بتلك المهمة الفذة قائد الانقلاب، الذي يتماهى موقفه من الإسلام مع موقف بعض غلاة المستشرقين الذين يدعون إلى «تطهير» الإسلام مما فيه من عنف وتطرف!

د. خالد سليمان – أكاديمي عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية