في الحديث عن المذبحة الأخيرة في غزة لاحظنا من سارع في الغرب للتقليل من «مسيرات العودة» باعتبارها محاولة من حركة حماس التي تسيطر على القطاع وأنها محاولة لخرق السياج الحدودي. ومجرد ذكر حماس التي تسيطر على القطاع فإننا أمام تجمع إرهابي يهدف للمضي باتجاه المدن الإسرائيلية وسكانها المسالمين.
أما الخطاب الآخر فهو العربي الذي حاول دعم الاحتجاجات رغم ما شابه من وعظ شوفيني تمارسه بعض الدول العربية باسم محاربة الخطر الإيراني وسيطرة طهران على أربع عواصم عربية، ولم يمنع هذا عقد اجتماع للجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية شجب فيه ممثل كل دولة التصرفات الإسرائيلية وقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. ومثلما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» (17/5/2018) عن مسؤول أمريكي فالغضب البادي من الدول العربية سيخفت وستعود الأمور إلى طبيعتها، ويتمكن بعد ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقدم بخطته السرية لتسوية «القرن» بين الإسرائيليين والفلسطينيين، باستثناء أن الإعلان عنها سيتأخر إلى ما بعد رمضان.
ومع أن هناك مقاربة و»شاشة منقسمة» أكدت التقارير عليها في إشارة إلى افتتاح السفارة بصفته «يوما عظيما للسلام» بعبارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومذبحة غزة التي قتل فيها الجيش الإسرائيلي 63 فلسطينيا وجرح أكثر من 3.000 آخرين معظمهم برصاص القناصة الذين صوبوا بنادقهم على المتظاهرين السلميين، إلا أن مسيرات العودة الكبرى تجري منذ 30 آذار (مارس) وهي محاولة من الفلسطينيين الذي يعيشون بضعة أمتار عن قراهم وبلداتهم التي احتلتها إسرائيل عام 1948 تذكير العالم الذي نسيهم بنكبتهم التي مضى عليها سبعون عاما. وعندما يقتل الفلسطينيون يتم التركيز على معركة العلاقات العامة حيث يتم اختصار المطالب الفلسطينية بطريقة تغطية وسائل الإعلام الغربية وأن الطريقة التي يثيرون فيها انتباه العالم هي العنف. فغزة التي تسيطر عليها حماس التي تصنفها الولايات المتحدة كحركة إرهابية، قضية منسية ينحرف انتباه العالم إليها عندما ينفجر العنف وعادة ما تلام الضحية عليه.
ولاحظ المعلق المعروف روبرت فيسك في صحيفة «اندبندنت» (17/5/2015) أن العالم لا يزال يعامل الفلسطينيين باعتبارهم «ليسوا شعبا»، ففي يوم واحد قتل الإسرائيليون 60 فلسطينيا وماذا لو قتلوا 600 في أسبوع أو 6.000 في الشهر. ولو عكسنا الصورة كما كتب جوناثان ستيل في صحيفة «الغارديان» (15/5/2018) وقتل الفلسطينيون 60 إسرائيليا في يوم واحد فماذا كان رد العالم ووصفه لـ «الإرهاب» الفلسطيني؟ ويتساءل فيسك عن مبررات القتل وهي رمي الحجارة «متى أصبح رمي الحجارة عملا إجراميا في بلد متحضر» و «عندما تموت طفلة عمرها 8 أشهر فماذا كان يعمل والداها عندما جاءا للمسيرة؟». ففي قلب المسألة أن الضحية هي مذنبة وهو ما كان على الفلسطينيين تحمله طوال السبعين عاما الماضية، فقد تم لومهم لأنهم خرجوا من ديارهم بعدما استمعوا للإذاعات العربية التي طالبتهم بالخروج والعودة بعد هزيمة اليهود في إسرائيل و «رميهم في البحر» ولم يكن هناك شيء من هذا القبيل بل كانت محاولة من الدعاية الصهيونية لتأكيد روايتها عن خلو الأرض/فلسطين من سكانها. وبين التغطيات الكثيرة التي حاولت تبرر للجاني وأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون اختراق السياج اتسمت تغطيات «هآرتس» الإسرائيلية و»نيويورك تايمز» الأمريكية و «الغارديان» البريطانية بنوع من الحيادية والدعوة لفهم دوافع الغزيين للاحتجاج أمام جدار مغلق.
كانت احتجاجات غزة تعبيرا عن الحصار الذي يعيشه مليوني نسمة منذ عام 2007 تحول فيها القطاع الذي يعد أكثر مناطق الكرة الأرضية كثافة إلى أكبر سجن مفتوح في العالم. ولو نظرنا للسياج الحدودي فقد بنيت أجزاء منه بالإسمنت وركبت عليها رشاشات تعمل بالريموت كونترول وفي أجزاء أخرى مجرد أسلاك شائكة. وقال أحد المشاركين لمجلة «إيكونوميست» (17/5/2018) «جاء الناس لمراقبة الآخرين». وترى المجلة أن الرد على المسيرة «كان كارثة علاقات عامة لإسرائيل» التي بالغت في الرد حسب بعض الدول، وكان معظم المحتجين عزلا من السلاح، ومن كانوا يحملون قنابل المولوتوف أو المقاليع، لم يكونوا يشكلون خطرا على الجنود الواقفين على بعد 100 متر. وتقول المجلة إن بعض المصابين لم يكونوا يحاولون الوصول للسياج بل كانوا يسيرون بموازاته وعلى بعد مئة متر منه. وعلى المستوى الفردي لم يمثل المحتجون تهديدا لإسرائيل التي ردت بعنف نظرا لانكسار حاجز الخوف، فقد تعود الجيش الإسرائيلي على إدارة الحدود بإثارة الخوف في نفوس الفلسطينيين. ومجرد اقتراب عشرات الألوف منه يمثل تهديدا جديدا. فقد تحدث الكثير من الشباب عن اقترابهم من السياج لأول مرة في حياتهم. وأدى اللجوء إلى الرصاص واستخدامه بكثافة إلى إعادة الوضع وردع المحتجين، لكن على المدى القريب لن يحل المشكلة المتقيحة التي أرسلت المتظاهرين إلى السياج الحدودي، وبالتأكيد سيحاولون تنظيم احتجاجات مرة أخرى. وتقول «إيكونوميست» أن اندلاع موجات العنف مثل أحداث 14 أيار(مايو) جعلت غزة ساحة حرب، مع أنها في معظم الوقت مكان يدعو للملل، فالسكان يعيشون حصارا فرضته عليهم مصر وإسرائيل. ولا يفتح معبر إيرتس إلا لعدد من رجال الأعمال ومن يحاولون الحصول على عناية طبية. وبالنسبة لمعظم الغزيين فمعبر رفح هو البوابة الوحيدة لهم للعالم. ومنذ عام لم يفتح إلا 129 يوما ودمرت الأنفاق وأصبح الكل عالقا في المكان. وكذا حركة التجارة التي تتحكم إسرائيل فيما يدخل إلى القطاع عبر كرم أبو سالم. وكان الغزيون يرسلون منتجاتهم من الفراولة والمفروشات إلى إسرائيل وتوقف كل هذا وصدأت محركات المصانع بشكل فاقم البطالة التي تصل إلى 42 في المئة وهي الأعلى في العالم. وأدى القصف المتواصل وتدمير إسرائيل البنى التحتية وعدم معالجة مياه الصرف الصحية إلى تخزينها في أماكن مفتوحة أو رميها بالبحر بحيث تسربت إلى المياه الجوفية ولم تعد المياه صالحة للشرب. وكذا الكهرباء المنقطعة طوال الوقت. وأصبح عادة لدى الغزيين الاستيقاظ في منتصف الليل لغسل ملابسهم وشحن هواتفهم المحمولة، فيما يحضر التلاميذ وظائفهم على ضوء الشموع. ودفع اليأس الكثيرين للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى باعتبارها شيئا جديدا، فهم عالقون بين حصار مصر وإسرائيل لهم بل وأصبحوا ضحايا النزاعات الإقليمية، فبعد حرب 2014 تبرعت دولة قطر بمليار دولار لإصلاح الطرق وبناء البيوت المدمرة، إلا أن الدوحة نفسها تعيش حالة حصار من أربع دول تتهمها بدعم الإرهاب، وهو ما تنفيه وأثر هذا بشكل كبير على غزة خاصة أن حماس هي من تعارض الدول هذه دعم قطر لها.
ويلوم أهل غزة قيادتهم الفلسطينية وفشلها في تحقيق المصالحة بعد ست جولات كانت آخرها العام الماضي. فحماس ترفض تسليم سلاحها فيما قطعت السلطة الوطنية الرواتب ورفضت دفع فواتير الكهرباء وعاقبت الأطفال بمنع وصول الحليب والأدوية الضرورية. وأمام عجز القيادة وضعفها فإسرائيل، الطرف القوي هي الملامة، فرغم تعللهم أن مشكلة غزة ليست مشكلتهم فجيشها يسيطر على الجو والبحر وهو من يقرر المسافة التي يتوغل فيها الصيادون في البحر. وتسمح للغزيين استخدام فور جي على هواتفهم المحمولة حسب رغبتها. وتقوم بتسجيل السكان وتحصي كل مولود يولد في مستشفى بالقطاع. واقترح المسؤولون الإسرائيليون خلال السنوات الماضية عددا من الخطوات لتخفيف أزمة غزة ولكنها لم تلق اهتماما من نتنياهو وحكومته المتطرفة. ومن هنا فرفع الحصار سيخفف بالتأكيد من المعاناة لكن الغزيين سيظلون بلا دولة. وحماس رغم قوتها لا تستطيع هزيمة أقوى جيش في المنطقة. وتخشى في الوقت نفسه فقدان هويتها إن تخلت عن سلاحها، حيث ستتحول لنسخة عن فتح ولكن بـ»لحى». ويتذمر الغزيون من توقف حماس عن المقاومة وعدم استخدام سلاحها حيث بدأت في الأشهر الأخيرة بدعم المقاومة السلمية، وهي خطوة كبيرة لجماعة ملتزمة بخيار المقاومة. ولكنها دعمت جهود ناشطين محليين حلموا بالفكرة.
في النهاية فمسيرة العودة الكبرى هي جزء من تاريخ غزة وتشكلها الحديث بالعلاقة مع دولة إسرائيل التي قامت منذ نشوئها بشن 12 حربا عليها ودائما باسم مكافحة «التسلل». فمن خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم كانت غزة، وهي ليست دولة بالضرورة، ضحية الهجمات الإسرائيلية التي قتلت آلافا من الفلسطينيين. ومن هنا فالتحدي والتهديد الذي يمثله القطاع يظل وجوديا من ناحية حق العودة التي تحاول إسرائيل وبدعم الإدارة الحالية شطبه عن طاولة المفاوضات ولأن المسيرة في حد ذاتها تمثل تحولا في السياسة الفلسطينية ويمكن أن تتجاوز الإنقسام وتوحيد الفلسطينيين حول رسالة واحدة- العودة. وظل الرد الإسرائيلي واحدا وهو اللجوء إلى القوة المفرطة، هذا صحيح من 1953 حيث أرسلت كتيبة جفعاتي الخامسة تحذيرا لأهل غزة إلى أمر إسحق رابين بتكسير أيدي وأرجل الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى إلى قتل المشاركين في مسيرة العودة الكبرى. وعلى مدار قرن من الزمان تظاهر الفلسطينيون مطالبين بحقوقهم وكانت النتيجة دموية مثلما هو الحال في شاربرفيل – جنوب افريقيا وسيلما في الولايات المتحدة. ومع ذلك تظل قوة الحركة من كونها نابعة من جماعات العمل المدني، سواء كانت في غزة أو الضفة الغربية أو القدس الشرقية. وفي الوقت الحالي تستطيع إسرائيل تحمل الشجب الدولي لأن هناك إدارة في البيت الأبيض مؤيدة لها بل وأدمنت على منح الهدايا دونما مقابل. وماذا على المدى البعيد، عندما يرحل ترامب؟ إسرائيل جيدة في الحلول القصيرة المدى لكن رؤيتها للمستقبل مغلفة دائما بالغطرسة وضيق النظر.
11HAD
إبراهيم درويش