الرياض-«القدس العربي»: جاءت مشاركة الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية السابق وسفير المملكة لدى لندن وواشنطن سابقا في مؤتمر حركة «مجاهي خلق» الإيرانية المعارضة، كمؤشر جديد على تنامي النزاع الإيراني السعودي في المنطقة وتحوله إلى صراع تستخدم فيه كل أنواع الأسلحة التي يستطيع أي طرف منهما استخدامها ضد الطرف الآخر.
فالمملكة لم تتعود ان تدعم هكذا وبشكل علني قوى معارضة (لاسيما إذا كانت مسلحة) لأي بلد مهما كانت درجة خلافها ونزاعها معه، حتى حين اختلفت مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر استضافت معارضيه من قيادات الإخوان المسلمين المصريين والسوريين، ولكن لم تسمح لهم بالعمل ضد مصر وعبد الناصر.
ورغم ان السعودية وبعد 6 شهور على اندلاع الثورة في سوريا عام 2012 دعمت عسكريا وماليا فصائل المعارضة السورية وما زالت، إلا انها تعتبر ان ذلك ضد نظام فقد شرعيته.
لأن المملكة دائما ترفع شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى مثلما هي ترفض التدخل في شؤونها الداخلية.
ولكن من المؤكد بعد تولي الملك سلمان الحكم والتغير الكبير في السياسة السعودية وتحولها إلى سياسة المواجهة المباشرة مع الخصوم الذين يهددون مصالحها وأمنها ما أطلق عليها سياسة «الحزم»، أصبح كل شيء متوقعا من السعودية.
ومن هنا فلم يكن مستغربا مشاركة الأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية السنوي الذي عقد في باريس والقائه كلمة رئيسية أكد فيها على «أن نظام ولاية الفقيه سيسقط لا محالة»، منتقد مبدأ تصدير الثورة الذي يسير عليه النظام الإيراني منذ تولي الخميني لمقاليد الحكم في إيران بعد ثورة 1979، متهما إيران بدعم الطائفية من أجل زعزعة الاستقرار في المنطقة.
وتفاوتت ردود الأفعال حول مشاركة الأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية، حيث احتج الرافضون لها بأنها تعزز الحجج والمبررات الإيرانية بالتدخل في الشأن الداخلي السعودي، وتصب الزيت على النار في ظل الأزمة المشتعلة حاليا بين إيران والسعودية، فيما يرد أصحاب وجهة النظر المعارضة على هذا القول بأن إيران بالفعل متدخلة وهي تسعى منذ الثورة إلى إسقاط نظام الحكم في السعودية وأنها لا تنتظر مشاركة الفيصل، حيث أنها جندت خلايا تابعة لها في كل دول مجلس التعاون الخليجي بما فيها السعودية.
كما دافع المؤيدون عن مشاركة الفيصل بالقول أن الفيصل شخصية مرموقة وله تجربة وهو سفير سابق في واشنطن ورئيس المخابرات السابق مما يعطي إضافة رمزية وهامة للمؤتمر، وهي أول مشاركة سعودية في هذه المؤتمرات بشكل واضح وعلني مما قد يربك الحسابات الإيرانية.
لكنه في الوقت نفسه لم تعد له أي صفة رسمية بل هو رئيس مركز أبحاث الملك فيصل وبالتالي لا يمكن لإيران أن تنتقد الموقف الرسمي السعودي، كما أن هناك عددا من الشخصيات الأمريكية الرسمية السابقة شاركت في المؤتمر مثل رئيس الكونغرس الأمريكي السابق، إضافة إلى وفود من دول عربية مثل مصر، ولعل هذا يجافي المنطق المعلوم حيث أن الفيصل لم يكن ليشارك في المؤتمر من دون ضوء أخضر سعودي رسمي، والدليل على ذلك ان الصحف ووسائل الإعلام السعودية أبرزت بشكل كبير هذه المشاركة.
وفقد أثنى العديد من الكتاب السياسيين السعوديين على مشاركة الفيصل في المؤتمر معتبرين أن ذلك يشير إلى امتلاك السعودية لأوراق قوة يمكن أن تضغط من خلالها على الجبهة الداخلية الإيرانية، وبعضهم دعا لدعم المعارضة الإيرانية ودعوة زعمائها إلى الرياض والعواصم الخليجية الأخرى.
أما فيما يتعلق بـ»مجاهدي خلق» فهي أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية، وتأسست عام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين بهدف إسقاط نظام الشاه، ولكنها وصلت إلى مرحلة الصراع مع نظام ما بعد الثورة وتم إعدام عشرات الآلاف من أنصارها وأعضائها. وتعد منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية جزءاً من ائتلاف واسع شامل يسمى بـ»المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» الذي يعمل كبرلمان إيراني في المنفى، ويضم 5 منظمات وأحزاب و550 عضوا بارزا وشهيرا من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والخبراء والفنانين والمثقفين والعلماء والضباط إضافة إلى قادة ما يسمى بـ»جيش التحرير الوطني الإيراني» الذراع المسلح للمنظمة، ويرأس المجلس مريم رجوي التي ألقت الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الأخير.
ومن الجدير بالذكر أن منظمة «مجاهدي خلق» ضعفت كثيرا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومع وجود نظام عراقي موال لإيران.
مشاركة تركي الفيصل في المؤتمر اعتبرتها إيران دعما صريحا للمنظمة التي تعتبرها إرهابية. واتهم مستشار الخارجية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان السعودية بتقديم الدعم المالي والأمني للإرهاب، كما استخدم عبداللهيان نبرة تهديدية عندما أكد أن قضية الأمن في المنطقة مترابطة ولا يمكن استخدام الإرهابيين لزعزعة الأمن في المنطقة والحفاظ على السعودية آمنة. فيما اعتبر مسؤولون إيرانيون أن المشاركة السعودية العلنية في مؤتمر المعارضة الإيرانية هي مشاركة «وقحة».
ورد الفعل الإيراني العنيف في رأينا، ليس خوفا من الدعم السعودي لمنظمة «مجاهدي خلق» بقدر ما هو إثارة ضجة سياسية لتبرر إيران بعد ذلك تصعيد تدخلها في دعم المعارضة الشيعية في البحرين وفي شرق السعودية.
مشاركة الأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس كان واضحا الهدف منه ان الرياض أرادت توجيه رسالة لطهران، مفادها أننا قادرون على التدخل في شؤونكم الداخلية، مثلما انتم تتدخلون في شؤون العالم العربي.
ولكن كان الأجدر بالأمير تركي الفيصل ان لا يستعدي عليه الإخوان المسلمين من خلال مهاجمته في كلمته أمام مؤتمر المعارضة لحركة حماس في غزة واتهامه لها بانها «أداة من أدوات إيران في المنطقة»، لا سيما انه معروف ان الأمير حين كان رئيسا للاستخبارات السعودية كان «راعيا» لحركات الإخوان المسلمين في العالم العربي وكانوا أدواته.
فكان الأولى والأفيد للرياض العمل على احتواء حركة «حماس» وضمها إلى المشروع السعودي المناهض للمشروع الإيراني الساعي للسيطرة على العالم العربي، لا سيما ان الرياض تأمل ان يكون هذا المشروع عربيا.