مشاركون في ندوة حقوق الإنسان اعتبروا مسودة مشروع القانون الجنائي المغربية: تراجعا خطيرا للحقوق والحريات

حجم الخط
1

الرباط – «القدس العربي»: تبذل وزارة العدل والحريات المغربية جهودا لايصال مسودة مشروع القانون الجنائي إلى البرلمان بأقل ما يمكن من التعديلات التي تسعى لادخالها والملاحظات والانتقادات التي أبدتها جهات متعددة منذ نشرها على موقع الوزارة لإبداء الرأي فيها من قبل الرأي العام، قبل الأخذ بعين الإعتبار ملاحظات كل المتدخلين والمهتمين.
ونظمت الوزارة ندوة وطنية حول مستجدات المسودة فيما نظمت الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء والجمعية الديمقراطية للنساء ندوة مماثلة في «سياق متابعتهما للإصلاحات التشريعية بالمغرب من منطلق رصد ملاءمتها للمقتضيات الدستورية وللإلتزامات الدولية للمغرب بشأن إقرار الحقوق الإنسانية للنساء بهدف تعميق النقاش حول مدى استجابة هذه المسودة لمسار الحركة الحقوقية وخاصة النسائية منها وانسجامها مع دستور 2011 والتزامات المغرب الدولية، خاصة فيما يتعلق بإحترام الحقوق الإنسانية والحريات الشخصية للأفراد دون تمييز بين النساء والرجال.
إلا ان الندوة التي لقيت إهتماما أكبر كانت تلك التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي قرأت البعد السياسي والقانوني والإجتماعي لمسودة مشروع القانون الجنائي، أهم وثيقة قانونية بعد الدستور قدمتها وزارة العدل في إطار إصلاح العدالة في المغرب وارتباط هذا الاصلاح بالحريات السياسية والفردية وتعاليم الدين الإسلامي وأمن الدولة.
وشدد المشروع العقوبات في قضايا الإرهاب ومحاولة الالتحاق بالمنظمات ذات العلاقة به، أو الترويج لها، وتلقي تدريب أو تكوين خارج المغرب أو فقط محاولة ذلك، بقصد ارتكاب أحد الأفعال الإرهابية داخل المملكة أو خارجها، وسواء وقع أو لم يقع، بالإضافة إلى التجنيد بأي وسيلة من أجل الالتحاق بهكذا كيانات وفيما يتعلق بالتعذيب، وضع عقوبة حبس وغرامة مالية لكل موظف عمومي مارس التعذيب أو حرض أو وافق أو سكت عن ممارسته على شخص، لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف أو لمعاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر.

عقوبة الإعدام باقية

واعتبر القانون أن الإختفاء القسري، هو كل إعتقال أو احتجاز أو اختطاف أو أي شكل من الأشكال السالبة للحرية، يرتكبه موظفون عموميون أو أشخاص يتصرفون بموافقة الدولة أو بإذنها أو بدعم منها، ويتبعه رفض الاعتراف بحرمان الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من الحماية التي يكفلها القانون له ويعاقب المتورطون في الجرائم التي لها علاقة بالاختفاء القسري، بالسجن والغرامة المالية.
وأبقى المشروع على عقوبة الإعدام بالرغم من الأصوات المنادية بالتراجع عن هذه العقوبة رغم تقليصه لعدد الجرائم الموجبة لعقوبة الإعدام من 36 إلى 10 جرائم، تم حصرها أساسا في الاعتداء على شخص الملك وأفراد أسرته، وبعض حالات الإرهاب ونصت مسودة مشروع القانون على أن الإعتداء على حياة الملك أو شخصه يعاقب بالإعدام، ولا تطبق أبدا الأعذار القانونية، وأن هذه العقوبة تطال كل اعتداء على حياة ولي العهد أو أحد أفراد الأسرة الملكية وكل مرتكب لجناية الخيانة، في وقت الحرب أو السلم، وكل من حمل السلاح ضد المغرب، أو باشر اتصالات مع سلطة أجنبية بقصد حملها على القيام بعدوان ضد المغرب.
وتنص مسودة المشروع على إدانة ازدراء الأديان ومعاقبة مستعملي الإغراءات لـ «زعزعة» عقيدة مسلم أو تحويله لديانة أخرى والمجاهرين بالإفطار في رمضان بدون عذر، من المعروف إسلامهم والتحرش الجنسي.
مسودة وزارة العدل أثارت ولا تزال تثير نقاشات واسعة حيث أعلن حزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة رفضه للعديد مما جاءت به مسودة المشروع لما تضمنته من مقتضيات ذات الحمولة الدينية التي تمس المكتسبات الحقوقية التي وصل إليها المغرب، ويمكن أن تفرق المجتمع عبر اللعب على وتر الدين.
في حين ان المغرب بالنسبة لهذا الحزب المشارك بالحكومة بـ 5 حقائب حكومية يحتاج إلى قانون جنائي حداثي يضمن الحريات ويحصن المكتسبات الحقوقية ويستلهم روحه من المحطة التاريخية الحالية التي نبني في إطارها حكامة قوامها توسيع مجال الحريات الديمقراطية في كنف الاستقرار المؤسساتي والسياسي.
وقال نبيل بن عبد الله الأمين العام للحزب ووزير السكنى أن النقاش المتعلق بمسألة حرية المعتقد وإلغاء الإعدام يجب أن يكون مُرتبطا بالنقاش الدستوري وليس في إطار نقاش القانون الجنائي واتهم مُتدخلون في ندوة نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المسودة بـ»تراجعات خطيرة» على مُستوى الحُقوق والحريات وجاءت بمجموعة من الفصول الفضفاضة التي يُمكن تأويلها وتمطيطها، حتى تخدم أجندات إنتقامية ضد المعارضين والحقوقيين.
وعاب محمد الهيني على المُسودة تضمين جريمة «زعزعة» ولاء المواطنين للدولة ووقائع هذه «الجريمة» فضفاضة جدا لدرجة أنه يُمكن إدراج مسألة إنتقاد الإدارة في هذه الخانة وأن الأوجب كان هو مُعاقبة المسؤولين الذين يُزعزعون ولاء المواطنين وثقتهم في مؤسساتهم عبر خرقهم للقانون.
واعتبر الحُقوقي سعيد بنحماني، أن مسودة المشروع تتضمن تراجعات خطيرة وتضييقا على الحريات والحُقوق وأعفت الدولة من المسؤولية الجنائية، وقال أن المادة المتعلقة بالأمر جاءت فضفاضة ولم تحدد بشكل واضح ما المقصود بـ»الدولة» هل الحكومة أم القصر أم الحاكمين أم المؤسسات، وإعفاء الدولة للمسؤولين من المتابعة الجنائية من شأنه تُشجيع انتهاك حُقوق الإنسان.
وقال عبد الرحيم الجامعي، رئيس المرصد المغربي للسجون «إذا كانَ هناك قانون يقتضي أن يحتجّ ضدّه الحقوقيون فهو مسوّدة مشروع القانون الجنائي ويجبُ أن ندعوَ إلى وقْف مسوّدة المشروع، وفتْح حوارٍ ونقاش بشأنه في أفق أنْ نخْلُص إلى قانون متوافَقٍ على مبادئه».

الخلط بين الدين والقانون

وأكد الجامعي أن هذه المسودة غلب عليها الطابع المحافظ، الذي يعتمد على الخلط بين الدين والقانون ولا ينظر لما يجري في العالم «لا يمكن تغييب هذا البعد الإيديولوجي المبني على المدارس الفقهية التي عاشت منذ مئات السنين، بالرغم من أنها اختلفت في العديد من القضايا كقضية الإجهاض».
واوضح أن المغرب لا يحدد الشريعة كمصدر للقانون، على عكس دول عربية أخرى كمصر وموريتانيا، لكن ورغم ذلك فان المجلس العلمي الأعلى يتدخل في كل شيء: في السياسة والاقتصاد وغيرها وقال ان مسودة القانون الجنائي كشفت عن قدرة الدولة على خلط الدين بالسياسة في مجال تبرير الموت بواسطة حكم القضاء. ووجه الجامعي نداءً إلى البرلمانيين لعدم تمرير مشروع القانون بالتوافق «لأنّ التوافق يعني الاستبداد ومحو الديمقراطية»، وإجراء استفتاء بشأنه، على غرار الدستور، «باعتبار أنّ القانون الجنائي هو الثاني في التراتبية بعد الدستور».
وقال القاضي محمد الهيني إنَّ الإبقاء على عقوبة الإعدام مخالفة للدستور، وتحديدا للفصل الـ20 منه، والذي ينصّ على أنّ الحقّ في الحياة هو أوّل الحقوق لكلّ إنسان، وعلى الرغم من تخفيض عدد الحالات التي يُطبّق فيها الإعدام إلّا أنّ الهيني اعتبر أنّ ذلك لا يلبّي الحاجات المجتمعية والدولية لإلغاء عقوبة الإعدام، وأضاف «التشبّث بهذه العقوبة يعكس نفاقا تشريعيا، لأنّ العقوبة أصلا توقّف تنفيذها».
وقالَ سعيد بن حماني «لا يعقل أنْ يُحتفظ بعقوبة الإعدام في مشروع القانون الجنائي، في حينِ أنّ المنظمات الحقوقية تطالبُ بإلغاء هذه العقوبة نهائيا» محذرا من أنّ الإبقاء على عقوبة الإعدام «قدْ يُستغلّ من طرف الدولة لتصفية معارضي النظام أو تصفية حسابات ضدّ جهاتٍ معيّنة».
وأفاد تقرير منظمة العفو الدولية، أن المغرب لم يطبق عقوبة الاعدام خلال منذ 1993 إلا أن المحاكم المغربية أصدرت تسعة أحكام بالإعدام خلال العام الماضي دون تنفيذها.
وانتقدَ النقيب عبد الرحيم الجامعي بشدّة واضعي مسوّدة القانون الجنائي، في ما يتعلّق بعقوبة الإعدام، وتساءل عن السبب الذي جعلَ الجهةَ المشرفة على إعداد المشروع تُضمّن العقوبَة في مشروع القانون الجنائي، في حينِ ارتأتْ تأجيل تضمينه النصوص المتعلقة بالإجهاض إلى حين إنتهاء المشاورات بشأنه، رغم أنّ الإعدام بدوره يُجري بشأنه نقاش عمومي.
وقال «لا نعرفُ لماذا لم يؤجّلوا وضع عقوبة الإعدام كما فعلوا بشأن الإجهاض، وكأنّ الحقّ في الحياة ليْس حسّاسا وخطيرا» حول ما يتعلّق بالمسّ بالملك أو وليّ العهد أو أفراد الأسرة الملكيّة قال «لا نفهم لماذا لجأ واضعو المشروع إلى التمييز بين جهة وأخرى، نحن نقول إنّ حقوق أيّ مواطن لا يجبُ أن تُمسّ، وإذا حدث شيء من ذلك فهناك عقوبات بديلة لعقوبة الإعدام، التي يجبُ أنْ تُلغى كلّيا».
واوضح الجامعي «هذا الاختيار لهُ أسباب سياسية، هدفها وضْعُ كلّ شخص في المكانة اللائقة به، وهذا لا يجوز، لأنّ عقوبة الإعدام يجبُ أنْ تُلغى، أيّا كان الضحيّة، ولا يجبُ الإبقاء عليها بمبرّر سياسي» وذهبَ أبْعد من ذلك وقالَ إنّ الإرهابَ أيضا يجبُ مواجهته بوسائل غير الإعدام، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة التي يتهدّدها خطر الإرهاب.

عقوبات الآداب العامّة والأخلاق

النقطة الثانية التي انتقدها الحقوقيون والقانونيون المشاركون في الندوة تتعلّق بعقوبات الآداب العامّة والأخلاق، ففيما يتعلّق بتجريم الإفطار العلني في رمضان وزعزعة عقيدة مسلم، دعا محمد الهيني إلى رفْع التجريم عنهما، بداعي أنّ التجريم يخالف الحقّ في حرية الاعتقاد كحقّ دستوري وطني ودولي، ولكونها تتضمن تمييزا نحو دين معين بذاته دون باقي الأديان.
وقال بنحماني إنّ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تدعو إلى إلغاء العقوبات المتعلقة بزعزعة عقيدة مسلم، والإفطار العلني في رمضان، وعقوبة السّكر العلني، قائلا «المغربُ يمنح رُخصا لمصنّعي الخمور، ويرخّص باستيرادها من الخارج، ومن غير المنطقي أن يستمرّ القانون الجنائي في الإبقاء على عقوبة السكر العلني»، وأضاف «هناك تناقض صارخ يَسمُ موقف الحاكمين».
وانتقد عبد الرحيم الجامعي بشدّة ما تضمّنه الفصل 219 من مشروع القانون الجنائي، المتعلق بالإساءة إلى الله والأنبياء والرسل، وقال «ما معنى أنْ ينصّ القانون الجنائيّ على ذلك؟ وما معنى هذه الإساءة في حدّ ذاتها؟» وتابع «يُمْكن أن يتمّ تأويل أيّ رأي على أنّه إساءة إلى الله والرسل، وهذا معناه أنّ هذه المسوّدة غريبة الأطوار».
وعلاقة بحماية أمْن الدولة اعتبر سعيد بنحماني أنّ تنصيص مشروع القانون الجنائي على عقوبة زعزعة ولاء المواطنين بالدولة منافٍ لصوْن حماية الحقوق والحريات، وأضاف بنحماني بسخرية جعلتْ قاعة الندوات بمقرّ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والتي كانت غاصّة بالحضور عن آخرها»ماذا يمكن أنْ يُزعزع المواطن في هذه الدولة»، داعيا إلى إسقاط الفصل م مشروع القانون لجنائي.
وطالب القاضي محمد الهيني بإلغاء جريمة زعزعة ولاء المواطنين بالدولة أو بمؤسسات الشعب المغربي المنصوص عليها في المادة 206، «لأنها جريمة عامة وفضفاضة لا حدود لوقائعها ولا لمضمونها وقد تقيد الحق في حرية التعبير والحق في نقد المؤسسات لضمان حكامة جيدة لها تضمن شفافيتها وجودة أدائها وانسجام عملها مع قواعد القانون و المساواة والاستحقاق».
نقاش صاخب لن يتوقف حتى بعد تمرير مسودة المشروع في المؤسسات الدستورية (مجلس حكومي ومجلس زاري وبرلمان) لانه يمس الحياة اليومية للمواطن قد ترتفع وتشتد وتيرته لكنه يشكل ورشا اصلاحيا للعدالة والقضاء وحقوق الإنسان ونشره للنقاش يؤكد على ذهاب المغرب نحو إصلاح حقيقي.

محمود معروف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية