مشاغبو ما قبل الضربة!

حجم الخط
1

 مع انتهاء كل ليلة من تلك الليالي المضطربة الطويلة وسماع آذان الفجر ثم قدوم الصباح وانتشار بواكير أشعة الشمس كانت تنتابني على الدوام رغبة جامحة بأن أغط في نوم عميق خال من الأحلام والكوابيس، نوم يعيد إلى جسمي المتكسر بعضاً من قواه المنهارة.
لكن تحقيق ذلك بدا أمراً شبه مستحيل ففي بلدتنا أطفال يعشقون الحياة، يفيضون نشاطاً وحيوية، لا يعرفون شيئاً اسمه التعب أو الخوف ولا تعرف نفوسهم التشاؤم على الرغم من ذلك الحصار اللاإنساني الطويل الخانق. يفيقون عادة في الصباحات الباكرة ويملأون الدنيا صخباً. أنا شخصياً فكرت وتساءلت كثيراً في أمر هذه الظاهرة ولم أتوصل إلى إجابة مقنعة سوى احتمال أن قوة التحدي تكبر عندهم توازياً مع سلوك الكبار الذين لا يأبهون لما آل إليه حالهم وربما تكون لبطونهم الخاوية دور في كل ذلك لكن بصورة أو بأخرى كان شغبهم فيه تأكيدٌ على أننا لازلنا على قيد الحياة.
مضت ليال كثيرة وأنا أعاني قلة النوم وحتى كلاب البلدة لم تكن تنقطع بدورها عن النباح . كنت أشعر بأن هناك خطرا ما في المحيط القريب من تخومنا وظننت بأن الكلاب أيضاً كانت تحس بالخطر نفسه لذلك كانت قلقلة وتنبح دون انقطاع في كل ليلة تبدأ مع أفول الشمس وحلول الظلام وتستمر حتى بزوغ أولى خيوط الفجر من جديد ويكون التعب قد نال من الجميع، حينها يغفو كل في مكانه في نوم خفيف متقطع شبيه بنوم فترة القيلولة على الرغم من التعب والإرهاق. أنا أيضاً كنت أشعر في الأوقات المتأخرة من تلك الليالي الطويلة بأن قواي قد نفدت تماماً لدرجة أنني لم أكن أتمكن من الانتقال إلى الفراش وبالكاد كنت استطيع سحب الغطاء ليدفئ قدمي الباردتين.
أتكورُ على نفسي وأرفعُ ركبتيّ حتى تلامسا جسدي وضغطُ الوسادة الصغيرة على عظام صدري وكأن أحداً ما يريد أن يسلبني إياها، وحين أصبحُ على وشكِ أنْ أغرقَ في نوم شبهِ عميق يبدأُ صخب الأطفالِ المعتادْ !
الليلة الماضية دون غيرها كان عواء الكلاب فيه شيء من النحيب الحزين وكأن الكارثة واقعة على البلدة لامحالة. استمر النباح طويلاً رتيباً دونما انقطاع، وفي وقت متأخر جداً من تلك الليلة الثقيلة أغمضت عينيّ بعد أن غلبني النعاس! استيقظت على صوت عنيف لطائرات حربية هدرت في سماء بلدتنا على ارتفاع منخفض هزّتْ الأرضَ وأسقطتْ كل ما هو قائم.
وحين ابتعدت خيّم صمتُ مطبقُ على المكانْ . لا أعرف بعد ذلك إن كنت قد غفوت مرةً أُخرى أَم أُغمي عليّ. كل ما أعرفه أن هناك فراغا ما… فسحة من الزمن بين لحظة دويّ تلك المقاتلات ويقظتي الأخيرة. ظننت بداية أنني كنت أحلم وأن كل ما حدث مجرد تخيلات! غريب!! لماذا الكلاب لم تنبح إذاً؟ قلت مناجياً نفسي.
كما أنني لم أسمع صوت إمام الجامع الرخيم وهو ينادي لصلاة الفجر ومن بعدها ولأول مرة منذ زمن بعيد لم أسمع صيحات الأطفال المرتفعة التي كانت توقظني باكراً كل يوم !
حاولت النهوض لكن ركبتيّ خذلتاني. حاولت الصراخ ليأتي من يساعدني لكن صرختي لم تكن سوى حشرجة أبت تخرج على الملأ!! بقيت مستلقياً في فراشي وشيئاً فشيئاً زالت الغشاوة عن عـــــيني.
وعلى مسافةٍ ليست ببعيدة مني رأيت الأَطفال المشاغبين كانوا مستلقين على ظهورهم وأعينهم مفتوحة تحدق بنظرة جامدة لا حياة فيها في اتجاه عرش السماء فيما آثار زبد أصفر كثيف قد سال من أفواههم وأنوفهم الصغيرة!
كانوا صامتين…… جميعاً !
كاتب سوري

 

مشاغبو ما قبل الضربة!

فرمز حسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية