إسطنبول ـ «القدس العربي»: يحمل كل متهم وهو مكبل اليدين ملف الاتهام الخاص به، يقتاد كل واحد منهم جنديان من قوات الدرك (الجاندرما) واحدا من كل جانب، وإلى جانب كل متهم أيضاً جندي ثالث مدجج بالسلاح، بهذا الشكل يتم جلب آلاف المتهمين بالمشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة إلى قاعة المحكمة في الجلسات التي تشهد تسارعاً خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي مشهد يحمل الكثير من الرهبة، يتم اقتياد مئات المتهمين بهذا «البروتوكول» في طابور واحد إلى قاعة المحاكمة وبدرجة عالية جداً من التنظيم، في طريقة يراد منها إظهار هيبة الدولة والأمن والقضاء وفي نفس الوقت إظهار حجم «الذل والانكسار» الذي يعيشه الانقلابيين، حسب وصف الإعلام التركي.
هذا البروتوكول رأت فيه شريحة واسعة من الشعب التركي أنه يراد منه إذلال المتهمين وجعلهم يشعرون بالانكسار والندم وإظهار ذلك إلى الشعب لهدف أكبر يتعلق بتدمير الروح المعنوية لأي نزعة انقلابية مستقبلية يمكن أن تتوارد لأي مدني أو عسكري في البلاد التي اشتهرت بالانقلابات العسكرية على مدى العقود الماضية.
وتجري المحاكمات في قاعات خاصة ضخمة تم تخصيصها وبعضها جرى استحداثها لكي تستوعب الأعداد الكبيرة من المتهمين في الجلسة الواحدة، وعلى سبيل المثال شملت المحاكمة المتواصلة في العاصمة أنقرة منذ الثلاثاء إحضار قرابة 500 متهم في جلسة واحدة في القضية المتعلقة بكبار قادة المحاولة الانقلابية وقاعدة أكينجي التي استخدمت كمقر للقيادة.
وجرت أبرز المحاكمات في قاعات ضخمة جرى تخصيصها على أطراف المدن لا سيما في أنقرة واسطنبول وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، شملت نشر آلاف رجال الأمن والقوات الخاصة والقناصة على أسطح المباني المجاورة، كما جرى نشر عربات مصفحة وكلاب بوليسية والعديد من الإجراءات الأمنية المشددة.
وفي جميع الجلسات السابقة، تساهلت الجهات المسؤولة في إفساح المجال للمتظاهرين من أهالي قتلى وجرحى محاولة الانقلاب للاقتراب من المتهمين أثناء جلبهم لقاعات المحاكمة من أجل توجيه الشتائم لهم وترديد شعارات تطالبهم بإيقاع أقسى العقوبات بحقهم لا سيما المطالبات المتكررة بإيقاع عقوبة الإعدام.
وبينما توفر الحكومات وسائل نقل ومكان لتواجد أهالي الضحايا الذين يزورهم وزراء ومسؤولين بشكل متواصل، يشتكي أهالي المتهمين من منعهم من التواصل مع أبنائهم وقطع رواتبهم، مطالبين الحكومة بسرعة الحاكمات للتفريق بين الأبرياء ومن يثبت إدانتهم والتفريق بين المدبرين و«المغرر بهم».
وتصاعدت في الأشهر الأخيرة المطالبات بإعادة العمل بعقوبة الإعدام في البلاد، وشدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً على أنه سوف يوافق «فوراً» على القرار إذا قرر البرلمان إعادة العمل بالعقوبة التي جرى تجميدها قبل سنوات تلبية لشروط الاتحاد الأوروبي للتقدم في ملف الانضمام للاتحاد.
وفي ظل عدم وجود هذه العقوبة في القانون التركي، يتوقع أن يتلقى المئات من المتهمين المباشرين بالمشاركة في محاولة الانقلاب أحكام بالسجن المؤبد ومدى الحياة بتهم تتعلق بمحاولة الانقلاب على النظام الدستوري وقصف البرلمان ومقرات أمنية ومدنية ليلة محاولة الانقلاب.
ويرى مراقبون أن سير المحاكمات حتى الآن يُظهر رغبة لدى الحكومة بتبرئة العناصر «المغرر بها» أي من لم يكن لهم علم مسبق بمحاولة الانقلاب ولم يشاركوا في إطلاق النار المباشر على المواطنين، في حين سيجري إنزال أقسى العقوبات بحق مدبر المحاولة والعناصر الذين شاركوا عن علم مسبق بها ومن أطلقوا النار من الطيارين الذين قصفوا مقرات حكومية.
وإلى جانب الإجراءات السابقة، قالت وسائل إعلام تركية إن إدارة السجون وبناءاً على تعليمات الحكومة سوف تقوم بإعداد فيديو خاص عن «أسطورة الشعب التركي في مواجهة الانقلابيين» وستقوم ببرمجته على أجهزة التلفاز في السجون التي يحتجز فيها الانقلابيين وسيكون حضورها إجباريا في كل مرة يقومون فيها بفتح التلفاز.
وكان أردوغان اقترح قبل أيام، فرض لباس موحد على الذين يحاكون بتهمة المشاركة في محاولة الانقلاب على غرار اللباس البرتقالي الموعد الخاص بمعتقلي سجن غوانتنامو، وذلك عقب مثول أحد المتهمين للمحاكمة وهو يرتدي قميصاً كتبت عليه كلمة «بطل» بالإنجليزية.
وفي أكثر من مناسبة شدد كبار المسؤولين الأتراك على أن المحاكمات تجري في إطار القانون والحقوق، متوعدين بأقصى العقوبات «في إطار القانون» نافين وجود أي انتهاكات أو تجاوزات بحق الموقوفين، لكن مراقبين يجمعون على أن معظم هذه الإجراءات تهدف لجعل المتهمين «عبرة» تاريخية لأي شخص يحاول المشاركة في انقلاب مستقبلي في البلاد.
ومنذ محاولة الانقلاب جرى توقيف أكثر من 50 ألف شخص بتهم متعددة تتمحور حول محاولة الانقلاب والولاء لفتح الله غولن المتهم بإدارة محاولة الانقلاب، لكن عدة آلاف منهم سيحاكون بتهمة المشاركة بمحاولة الانقلاب ونسبة أقل منهم بتهمة المشاركة المباشرة في المحاولة، وسط توقعات بأن يجري إنزال عقوبة السجن المؤبد بحق مئات منهم. وأبر الذين يحاكمون حضورياً المتهم العسكري الأول في قيادة محاولة الانقلاب القائد السابق للقوات الجوية أكين أوزتورك، في حين يعتبر فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذي يحاكم غيابياً القائد المدني الأول للمحاولة، وعادل أوكسوز المختفي عن الأنظار القائد المدني الثاني.
إسماعيل جمال