لندن ـ «القدس العربي»: قضت الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، المانيا، روسيا والصين العامين الماضيين في محاولة للتوصل لاتفاق مع إيران حول مشروعها النووي والذي يقضي برفع العقوبات المفروضة على النظام الإيراني في حالة وافقت طهران على القيود التي تحدد من برنامجها النووي وتمنعها من الحصـول على القنبلة النووية.
وسيـؤدي اتفـاق من هـذا لحـل واحـدة من القضايـا الأمنـية المثـيرة التي تؤـثر على مسـار الشـرق الأوسـط لعقـد أو عـقدين مـن الزمـان.
وكان المفاوضون قد توصلوا في نيسان/أبريل من هذا العام لاتفاق مبدئي في لوزان – سويسرا والذي وافقت فيه إيران على وقف ثلثي أجهزة الطرد السريعة التي تستخدم لتخصيب اليورانيوم، أي من 19.000 جهاز إلى 6.104 أجهزة.
وبموجب الاتفاق وافقت طهران على تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم من 7.154 إلى 300 كيلوغرام والامتناع عن بناء منشآت نووية جديدة لمدة 15 عاما.
وترى الولايات المتحدة الأمريكية أن قيودا من هذا النوع إضافة لنظام تفتيش قاس سيمنع إيران من استخدام مواقعها النووية السرية، وبالتالي عدم قدرة إيران على استكمال قنبلتها النووية لأكثر من عقد. وسيسمح لإيران بتخصيب الوقود النـووي ولكـن علـى مستـوى منخفض ولأغراض تجـاريـة ولإنتـاج الطاقـة الكهربـائية.
وسيطلب من إيران تحويل منشأة أراك لهذا الغرض خاصة أنها صممت لإنتاج مادة البلوتونيوم التي يمكن استخدامها في انتاج القنبلة النووية. ومقابل التزام إيران بشروط الاتفاق فستقوم الدول الكبرى برفع العقوبات التي خنقت الاقتصاد الإيراني.
وكان الاتفاق المبدئي قد حل معظم هذه المشاكل لكنه وضع نهاية حزيران/يونيو موعدا لتوقيع الاتفاق النهائي.
وأمل المفاوضون بحل القضايا الأكثر حساسية وتعقيدا مثل المتعلقة بتفتيش المراقبين الدوليين للمنشآت التي يشك في وجودها وطريقة رفع العقوبات، تدريجيا بناء على تصرف إيران كما تريد الولايات المتحدة أم حالة توقيع الاتفاق كما ترغب بهذا إيران.
وتطالب إيران برفع حظر شراء السلاح المفروض عليها منذ عام 2010.
نقاش حول الوثيقة
وبحسب تصريحات المفاوضين وتلك الآتية من واشنطن وطهران فالصفقة قريبة مع أن العقبات موجودة.
فهناك من قال يوم الأحد أن التأخير وهو أكثر من أسبوع عن الموعد المحدد في الاتفاق المبدئي يتعلق بالوثيقة المكونة من 100 صفحة.
ومن هنا فحل المشاكل الأولى والتوافق على القضايا الصعبة يعني أن الاتفاق قريب أو قابل للإنهيار خاصة أن كل طرف يحاول الحصول على تنازلات جديدة. وكان المزاج يوم الأحد، على الأقل، من التصريحات التي صدرت من فيينا حيث يعمل المفاوضون على الوثيقة يشير إلى قرب تحقق الصفقة.
وكان وصول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى فيينا دليلا على قرب الصفقة فيما قال مسؤول شرطة طهران سعيد ماتزر المهدي إن قواته ستوفر الحماية للمحتفلين.
فيما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالصفقة التي عقدتها إدارة بيل كلينتون مع كوريا الشمالية حيث بدأت حكومة بيونيانع بخرقها مباشرة رغم وصف كلينتون للصفقة بالجيدة.
تسويق الوثيقة
وستجد إدارة أوباما صعوبة في تسويق الاتفاقية حالة توقيعها للكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون.
فقد قال زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل، النائب عن ولاية كنتاكي إن الاتفاق من «الصعب بيعه» وقد يقوم مجلس الشيوخ بإصدار قرار ضده.
فيما عبر مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، بوب كروكر النائب عن ولاية تينسي عن مخاوفه من مخادعة إيران بطريقة حتى تثير ردود فعل تؤدي لاستئناف العقوبات. وسيكون لدى الكونغرس 60 يوما للتصويت على الصفقة التي تجد معارضة في الكونغرس مما يعني استخدام أوباما الفيتو، وتعتقد الإدارة أن المعارضين لن تكون لديهم الأصوات الكافية لمواجهة فيتو الرئيس، ما يعني ثبوت الصفقة التي يتوقع أن تكون الموضوع الرئيسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016 والتي تعهد كل مرشح جمهوري يأمل بترشيح من حزبه بأن يلغي الاتفاقية.
وفي حالة تم تجاوز المعارضة في الكونغرس فسيتم تقنين وتضمين الاتفاق في قرار يصدر عن مجلس الأمن والذي سيرفع العقوبات المفروضة عن إيران حالة اتخذت الأخيرة الإجراءات الضرورية لتخفيض البنية التحتية للمشروع النووي.
وبعد ذلك ستقوم إيران بوقف أجهزة الطرد المركزي وستراقب الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخطوات وستوافق عليها. وفي الوقت نفسه سيقوم الرئيس أوباما بإصدار قرار يتخلى فيه عن العقوبات المالية والاقتصادية وسيتخذ الاتحاد الأوروبي الخطوة نفسها.
وترتبط هذه الخطوات مع تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام إيران بتعهداتها. وفي المرحلة الأخيرة، وربما بنهاية العام الحالي سيتم رفع العقوبات المالية والاقتصادية عن إيران ومعه سيقوم المفتشون الدوليون بفرض نظام معزز من التفتيش على المنشآت النووية.
معارضة دول الإقليم
ولا تقف المعارضة للاتفاق على الكونغرس تحديدا فكما أشرنا فإسرائيل تقف بشكل كامل ضده وكذا السعودية ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي التي حاول الرئيس أوباما في شهر أيار/مايو طمأنتها في قمة غاب عنها معظم قادة المجلس عقدها في كامب ديفيد، وجاءت موافقة قادة الخليج على الصفقة النووية مشروطة بكبح جماح طهران وردعها عن التدخل في شؤون دول المنطقة خاصة في سوريا واليمن.
وتدافع الإدارة ومن يقف معها عن الصفقة بكونها ستعطي واشنطن القدرة على محاسبة إيران على سياستها الخبيثة في المنطقة.
ويرى ري تاكيه من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أيام أن الاتفاق يتعامل مع إيران بثقة ويجعل من حكومة الملالي حارسة للبرنامج النووي الذي سيصل إلى درجة عالية من التقنية، خاصة أن اتفاقية أوباما مع إيران تترك جزءا من البرنامج النووي في حالة سليمة وفاعلا.
ويعتقد تاكيه أن الاتفاق لن يؤدي إلا لإضفاء الشرعية على البرنامج النووي وفيه اعتراف بهيمنة طهران على المنطقة.
ويقول الكاتب إن اتفاقات التحكم بالأسلحة وانفراج العلاقات أمران متداخلان في الخيال الأمريكي وليس غريبا أن يطالب البعض بعد توقيع الاتفاقية بالتقارب بين البلدين والتعاون في موضوعات ذات اهتمام مشترك مثل مواجهة صعود تنظيم الدولة الإسلامية وإنهاء الحرب الأهلية في سوريا.
وليس غريبا أن تلتفت قوة عظمى بدأت تشعر بالتعب من مشاكل العالم العربي إلى ما يبدو أنه شريك مسؤول لتحقيق الإستقرار.
ويقول إن الولايات المتحدة لو أصرت على مواجهة إيران في ظل الاتفاق النووي فلن تكون لديها القوة القسرية المناسبة. لأن واشنطن ردت وخلال العقود الماضية على الإرهاب الإيراني وعدوانها على دول الإقليم بفرض عقوبات ستخفف بموجب الصفقة الحالية.
ففي الوقت الذي عزلت فيه العقوبات عن العالم وأثرت على اقتصادها فإن تخفيف أو رفع العقوبات سيؤدي إلى خسارة واشنطن أداة قوية مما يعني اضطرار الإدارات الأمريكية المقبلة للتعايش مع إيران برغم أفعالها.
ويضيف أن الجمهورية الإسلامية على خلاف أمريكا دخلت المفاوضات كوسيلة لتأكيد قوتها. ويذكر الكاتب بالحرب الباردة وعقد السبعينات من القرن الماضي ومحاولات التحكم بالأسلحة حيث استفاد الاتحاد السوفييتي من الوضع لدعم الجماعات الوكيلة عنه في كل دول العالم الثالث.
واستطاعت موسكو كجزء من تفاهمات هلنسكي الحصول على اعتراف أمريكي بمجال تأثيرها في أوروبا الشرقية.
وانتهى هذا العقد بغزو الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان. ويعتقد الكاتب أن إيران تتعامل مع الولايات المتحدة كإمبريالية متعبة تريد التخلص من الإرث الغربي.
ويرد في خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي حديث متكرر عن تراجع قوة أمريكا في المنطقة مما يقترح أن الولايات المتحدة هي التي تسعى للتحكم بالسلاح النووي كوسيلة للخروج من الشرق الأوسط.
وفي المقابل تستعد إيران للمضي في برنامج إمبريالي توسعي. ومن هنا فالنتيجة الوحيدة للإتفاق النووي حسب الكاتب هي أن إيران ستكون مهيمنة على المنطقة.
وهذه الهيمنة ستكون اقتصادية خاصة بعد رفع العقوبات مع أن بعض التقارير أن الاموال المفاجئة التي ستحصل عليها إيران لن تغير من النمط الاقتصادي الذي نشاْ في ظل العقوبات.
فقد كانت الحكومة قادرة على الوفاء بالحاجيات للسكان من ناحية نظام المعاشات والسكن وغير ذلك من ملامح الاقتصاد.
وقال باتريك كلاوسون مدير البحث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن حروب إيران الخارجية غير مكلفة على الميزانية.
فالنفقات على الإرهاب والحرب الإلكترونية قد لا تصل إلى أكثر من مليار دولار سنويا. أما بالنسبة إلى البرنامج النووي فالميزانية الرسمية لـ «منظمة الطاقة الذرية» الإيرانية بلغت حوالي 300 مليون دولار سنويا، ومن المرجح أن التكلفة المالية المباشرة للبرنامج لا تتعدى 1 إلى 2 مليار دولار سنويا.
وفيما يتعلق بالدعم الإيراني للميليشيات الطائفية في العراق وسوريا، فربما وصلت في أعلى التقديرات إلى 2 مليار دولار سنويا.
ولا يتطلب دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد إلا بضعة مليارات من الدولارات سنويا، ولكن حيزا كبيرا من التمويل الإيراني لم يأتِ نقدا حتى الآن بل على شكل نفط لم يكن بإمكان طهران على خلاف ذلك بيعه بسهولة (بسبب العقوبات وظروف السوق السيئة).
ويرى كلاوسون أن لا علاقة قوية بين قرارات إيران الخارجية والتدخل في دول الجوار والجانب الاقتصادي وقد تجد نفسها مندفعة بعد رفع العقوبات للانفاق على مغامراتها في الخارج إلا أن العوامل التي تحدد نطاق هذه النفقات ستظل سياسية وليست اقتصادية.
الإنفاق العسكري
ومن القضايا التي تم طرحها في هذا السياق استخدام إيران قوتها الاقتصادية المفاجئة بعد الاتفاق للإنفاق على برامجها العسكرية، لكن تريتا بارسي وتيلر كاليس من «فورين بوليسي» يناقشان أن معدلات الإنفاق بين إيران ودول الخليج ستظل على ما هي بعقوبات أو بدونها. ويشير الكاتبان أولا إلى ما كتبه ري تاكيه والذي أشرنا إليه أعلاه وتحدث عن مشروع إمبريالي في المنطقة.
ويرى الكاتبان في هذه النظرة تشددا. لكن السؤال يظل قائما فإذا استطاعت إيران تأكيد تأثيرها على 4 عواصم عربية وهي محاصرة فماذا ستفعل لو تحررت من العقوبات؟
وتظل الإجابة على هذا السؤال رهن الاتفاقية وإن نصت على رفع للعقوبات عن شراء الأسلحة، حيث ترى إيران ومعها كل من الصين وروسيا أن اتفاقا حول المشروع النووي سيؤدي إلى إلغاء إلحظر المفروض على شراء الأسلحة التقليدية.
وبالنسبة للولايات المتحدة فرفع الحظر عن شراء الأسلحة ستكون خطوة بعيدة في ظل محاولات الإدارة تخفيف قلق الدول العربية، خاصة السعودية التي تهدد بإفشال الصفقة. ويرى الكاتبان أن هناك مبالغة لدى بعض الدوائر في واشنطن والتي تحذر من صعود إيران في ظل الاتفاق النووي.
ويعتقدان أن الواقع يخالف هذه النظرة. فخلافا للرأي الذي يقول إن إيران دولة مهمينة تقوم بإخضاع منافسيها الإقليميين إلا أن إيران بلد يتمتع بموقع ثابت في معادلة المنطقة. فيما يقبل منافسوها على شراء أنظمة للدفاع تجعلهم عرضة للخطر.
ويشيران إلى أي تقييم نوعي وكمي يظهر أن منافسي إيران لا يحاولون مواجهتها بل التنافس معها. فبحسب تقرير أصدره في نيسان/أبريل مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية وفحص الأرقام المتعلقة بوضع التسلح حيث أظهرت «الأرقام بشكل مطلق أن دول الخليج لديها الميزة على إيران من ناحية الإنفاق العسكري والقدرة للحصول على السلاح الحديث».
فمن الناحية الكمية تراجع إنفاق إيران العسكري إلى أقل من منافسيها الخليجيين. فبحسب معهد أبحاث السلام العالمي باستوكهولم وجد أن نسبة 25% من ميزانية السعودية في عام 2014 ذهبت للإنفاق العسكري أي بقيمة 80 مليار دولار.
وأنفقت الإمارات العربية 23 مليار دولار. وتمثل الدولتان جزءا من مبلغ 173 مليار أنفقتها دول الشرق الأوسط في ذلك العام.
وبالمقارنة مع هذه الدول فقد أنفقت إيران 15 مليار دولار وهو ما يشكل 9% من مجموع الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط.
وهي جزء بسيط من الإنفاق السعودي وثلثي ما تنفقه الإمارات العربية المتحدة. ولهذا فقد تفوقت دول مجلس التعاون الخليجي على إيران بهذا المجال بفارق كبير.
وعدم التوازن هذا ليس ظاهرة جديدة بل وقبل فرض الحظر على إيران في عام 2010 فقد زاد الإنفاق السعودي على السلاح بواقع الضعفين أو ثلاثة أضعاف مما خصصته إيران لهذا الغرض.
ومن هنا فالفكرة ليست تجاوز السعودية إيران بل زيادة حجم الإنفاق السعودي بشكل مذهل منذ عام 2005.
ومن الناحية النوعية فالقصة هي نفسها. فبحسب تقرير مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية فقد حصلت دول الخليج على أفضل الأسلحة المتقدمة فيما أجبرت إيران على العيش في الماضي واعتمدت في الغالب على منظوـمات حصلـت عليها إيـران في عهـد الشـاه».
وضمت الأسلحة التي اشترتها دول الخليج أنظمة متقدمة ومقاتلات من بيونع ولوكهيد مارتن وطائرات بدون طيار ومروحيات أباتشي ونظام باتريوت. واعتمدت في المقابل إيران على أسلحة قديمة ومهجورة من عهد الشاه وعلى قاعدتها الصناعية ووسعت من اسلحتها المتقدمة بحيث أصبحت أكبر دولة تملك صواريخ باليستية في المنطقة.
ورغم كل هذا يرى خبراء أن إيران ظلت في موقع أقل من منافسيها من ناحية الإنفاق أو عدد الأسلحة. وبناء على هذا الوضع فلن يتغير حجم الإنفاق العسكري الإيراني بعد توقيع الاتفاقية النووية.
فبحسب أرقام معهد السلام الدولي في استوكهولم فالإنفاق الإيراني ظل بنسبة 3% من الدخل القومي العام.
qal
إبراهيم درويش