إسرائيل، ربما بسبب اغتيال رابين، ربما بسبب الكسل، عالقة في التسعينيات. هي تعتمد على تعريفات مر زمانها. يسار ويمين، معسكر السلام والمعسكر الوطني. هذا مريح للصحافة التي تحتاج إلى مظهر المعسكرين، كي يكون هناك من يواجه به الواحد بالاخر. هذا مريح للسياسيين، الذين يضطرون إلى تمييز أنفسهم بحدة عن الخصم. ولعله مريح ايضا للجمهور الذي اعتادت لوحة حاسوبه على الشعارات الممجوجة، ولماذا يتعين عليه أن يغير.
ليس ثمة واجب لمثل هذا التقسيم، وليس فيه الكثير من المنفعة. كان من الافضل تجربة سبل اخرى لفهم واقعنا السياسي. فمثلا، وهذه فقط امكانية واحدة من بين عدة امكانيات، كان يمكن محاولة تقسيمنا مثلما يقسم الأمريكيون احيانا كتلهم إلى «واقعيين» و «مثاليين». هذا ايضا تقسيم له نواقصه، بالطبع، فأحد لا يريد أن يعترف بانه واقعي تعوزه المثالية، واحد لا يريد أن يعترف بانه مثالي تعوزه القدرة على التحليل الواعي للواقع.
ومع ذلك، فقد اعتدنا على واقع يكون فيه من هو مستعد أن يكون «وطنيا» وكأنه لا يريد السلام، وهناك من هو مستعد لان يكون «سلاما»، وكأنه تنازل عن الوطنية. وبالتالي لماذا لا نعتاد على تقسيم آخر؟.
نظرة إلى المجتمع الإسرائيلي وكأنه ينقسم بين واقعيين ومثاليين سيهز حتى الاساس غريزة المعسكر المقبولة هنا. وهي ستضع زهافا غلئون ونفتالي بينيت في معسكر واحد، وتضع تسيبي لفني وموشيه يعلون في المعسكر الاخر. ستربط تسيبي حوتوبيلي بدوف حنين في معسكر واحد وتضع بنيامين نتنياهو وعمير بيرتس في معسكر آخر. المثاليون هم من يفهمون بان العالم هو مكان يستدعي المناورة الحذرة؛ يحذرون من الاوهام حول قدرتهم على تغيير الواقع بقوة هذه المبادرة أو تلك، سياسية أم عسكرية؛ مستعدون للمساومة على امور، حتى وان كانت هامة، من أجل الحفاظ على ما هو أهم: إسرائيل وأمنها. اما المثاليون فيؤمنون بانه سيكون خير وانه مرغوب فيه اخذ مخاطر كبيرة من أجل جبل البيت أو من أجل السلام.
البروفيسور وولتر راسل ميد، من الخبراء الهامين والمشوقين في السياسة الخارجية الأمريكية، طرح ذات مرة أربعة انماط من الزعماء (الأمريكيين)، الذين يعكسون أربعة مناهج متنافسة: توماس جيفرسون ـ باسم الانعزالة، الكسندر هملتون ـ باسم الاقتصاد، آندرو جاكسون ـ رجل العظمة والقوة، وودرو ولسون ـ رئيس المثالية.
أما إسرائيل، على أي حال، يمكنها ان تكتفي باثنين: البيغنيين والبن غوريين. ولكن خلافا لما يخيل للكثيرين، فان كل رؤساء وزراء إسرائيل حتى اليوم، باستثناء مناحيم بيغن، مالوا للقطب البن غوريوني، إلى هذا الحد أو ذاك. بمعنى: مالوا إلى الافعال عديمة العواطف وتفضيل الاعتبارات المصلحية لإسرائيل على الاعتبارات القيمية العليا.
لقد ارتكبت إسرائيل بالطبع الكثير من الاخطاء على مدى الطريق، واتخذ زعماؤها قرارات مغلوطة ـ التوقع من الزعماء أن يكونوا معصومين عن الخطأ، بما في ذلك الاخطاء الجسيمة، لا يناسب إلا الواقع الافتراض في الشبكات الاجتماعية ـ ولكن قاعدة سياستها كانت ولا تزال باردة ومنفعية. ولهذا فقد قررت إسرائيل قبول أموال التعويضات من ألمانيا؛ ولهذا فانها تمتنع على مدى السنين عن الاعتراف بكارثة الارمن؛ ولهذا فانها تبقي على وضع راهن اشكالي في الحرم؛ ولهذا فانها، بقدر كبير، تواصل احتلال المناطق. حساب الكلفة مقابل المنفعة، فحص واع للبدائل. سياسة شكاكة ممن يعرف بان مساحة الخطأ لديه صغيرة، والمخاطر كبيرة.
لقد احتاجت أمريكا لكل الانماط القيادية الاربعة فيها. وكان التوتر بين هذه الانماط عظيما. إسرائيل هي الاخرى بحاجة لنمطيها. فهي تحتاج لموشيه يعلون وبنيامين نتنياهو كي يشخصا بان هذا ليس الزمن لافعال رمزية كبرى في البلدة القديمة؛ ولكنها تحتاج ايضا إلى اوري ارئيل وحوتوبيلي كي يكون هناك من يذكر بان جبل البيت ليس مجرد عقار آخر يمكن المتاجرة به.
تحتاج إلى بوجي هرتسوغ ويئير لبيد كي يعرضا بديلا حذرا وبالحد الادنى للسياسة الحالية للحكومة؛ وبحاجة ايضا إلى غلئون وحنين، وربما حتى لاحمد طيبي كي يذكروا بان استمرار حرمان الحقوق السياسية عن ملايين الفلسطينيين ليس عملا تافها.
تحتاج إسرائيل إلى الواقعيين، وتحتاج إلى المثاليين. تحتاج إلى معسكرين يمكنهما ان يتحدثا، يصطدما، يشدا الحبل. وحتى في الاسبوع الذي تحد فيه إسرائيل على اسحق رابين لا تحتاج فيه إلى الخوف من الخلاف. فالخلاف هو شيء جيد.
معاريف 29/10/2015
شموئيل روزنر