اتّضحت ملامح غياب الوعي التاريخي البديل، ولم يتمكّن العرب بعدُ من ولوج باب الكونية والأممية ولوجا ترافقه مُدركات قيّمة للعقل والعقلانية في مقارعة أيديولوجية جادّة، ارتأت أن تكون سمة إنسانية تاريخيّة لا مفرّ منها، علما بأنّ الحاجة لاستيعاب درس العقل والتقنية المتواصلين باتت ملحّة للعقل العربي، الذي أربكه منهاج الحداثة من طريق الصّراع مع مطالب الذّات العربية من جهة، والصّراع مع مطالب المؤثّرات الفكريّة الأجنبية من جهة ثانية.
ويبدو أنّ عصر الأنوار المشعل القوي والمتوهّج إلى اليوم، الذي حقّق بامتياز طفرة علميّة اختصرت مسافات زمنية وأنتجت موجة التقدّم والتقانة والتكنولوجيا المتطورة ضمن معطيات حداثية مادية وفكرية في آن، يدفع وُجُوبا باتّجاه استلهام أسباب التقدّم. فالغرب كان متديّنا بشكل متشدّد جدّا ولم تتشكّل الحداثة لديه في القرنين الماضيين إلّا بعد صراع مرير خاضته حركة الإصلاح الدينية، التي انتهت إلى الخروج من أوهام الكنيسة وظلاميتها، رغم أن مثل هذا الصراع أعاق الفكر وأخّر من إمكانيات التقدم وإمكانات الاسهام في الدفع بالمشترك الانساني.
هذا المبدأ المهم الذي عرف تأصيلا عمليا في الغرب، مازال قيد الطرح النظري عربيا، وهو متقلّص في حدود بعض الشخصيات الفكرية التي تحاول استيعاب الدرس الابستيمولوجي في كلّيته وشموليته، وتعاملت جيّدا مع المنجز النصّي واستلهمت بعقلانية البحث مُنتجات الدرس النقدي، وأصبحت مساهمة فيه، لذلك كان خطابها عقلانيا مؤهّلا للتكافؤ العلمي مع النموذج الغربي الجاد البعيد عن النمط الاستشراقي الأصولي، وهي ضمن مطلب المقارعة العلمية تسعى جاهدة إلى دحر استمرارية حضور المتخيّل والخيالي والميثي في بنية المجتمعات العربية المعاصرة. ولكن حضورها فاتر يُقصَى عمدا في أحيان كثيرة عن الحضور الجمعي، ويمنع شيوع مفهوماته أو ذيوع مؤثّراته في الزمان والمكان.
هكذا يستعيد الموضوع العربي لحظته الأولى فكرا وثقافة وسياسة لتكون اللّحظة الحضارية جديرة بتذكير مختلف الأفراد وعناصر الشعوب العربية بأسئلة الفكر والهوية والآخر والوجود، هل تجاوزنا أكوام الأسئلة القديمة؟ أم مازلنا مراوحين قابعين في أماكننا؟ هل خرجنا من إطار القلق على مستقبل وجودنا كأمّة؟ هل نتنفس اليوم ضمن مناخ ساهمنا في تنقية شوائبه؟ أم أنّ العقل العربي مازال تائها لا قرار له عاجزا عن امتلاك أيّ إمكانية للالتحاق بمغامرة التاريخ ضمن سياقاته المعاصرة. وهل أدركنا معطيات العولمة وامتلكنا لأجل ذلك استراتيجية لمواجهة أخطارها واستثمار فوائدها في الآن نفسه؟ «لا» تلك هي التّرسيمة الأكثر إقناعا في ما يبدو، أمّا تعبيرات تغييب النهضة العربية فتتجلّى في الاستقطاب الأيديولوجي المتواصل من جهة التنازع والنزاع بين القديم والجديد، والصراع بين المنازع التراثية ومناحي التّحديث. وبالمحصّلة لا الفكر السلفي بكل مطلقاته استطاع أن يتقدّم بهاته الأقطار ولا المشروع القومي الوحدوي الغائب والمُغيّب ولا الاشتراكي العلمي، ولا الفكر الليبرالي الانتقائي الذي سقط في مصيدة التبعية وكان ممثّلوه ضحية إغراء الغرب، بتعبير مالرو، إن لم يكونوا اليوم عبيدا للغرب بشكل تام وعلى جميع الأصعدة.
وضمن مسار الخطابات الإصلاحية المنخرطة في مشروع النهضة المنشود، نحيل إحالة تاريخية أنّه تحت عنوان فتاوى كبار الكتاّب والأدباء «نشرت مجلة الهلال المصري عام 1923 استفتاء شارك فيه أشهر المفكّرين والكتاّب العرب آنذاك أمثال طه حسين وجبران خليل جبران وجميل صدقي الزهاوي وميخائيل نعيمة والمستشرق وليم وريل ومصطفى صادق الرافعي ومعروف الرصافي وسلامة موسى….الخ. وهي أسماء تحيل إلى مرجعيات نظرية فكرية مختلفة جعلت طروحاتهم تنجذب بين ما هو ليبرالي وعلماني وإسلامي.
أمّا الأسئلة التي وجّهت لهؤلاء فتدور أساسا في كنف الوجود والآخر والهوية وتُعبّر عن هموم شغلت العرب في تلك الفترة التي بدت ترسم فيها بعض ملامح القرن العشرين. وكانت كالآتي: هل تعتقدون أن نهضة الأقطار العربية قائمة على أساس وطيد يضمن لها البقاء؟ أم هي فوران وقتي لا يلبث أن يخمد؟ هل تعتقدون بإمكان تضامن هذه الأقطار وتآلفها؟ ومتى؟ وبأيّ العوامل وما شأن اللغة في ذلك؟ هل ينبغي لأهل الأقطار العربية اقتباس عناصر النهضة المدنية الغربية وبأيّ قدر؟ وعند أيّ حدّ يجب أن يقف الاقتباس
في النظامات السياسية الحديثة؟ في العادات الاجتماعية؟ أم في التربية والتعليم؟
من المؤكّد فيما يبدو أنّ قارئ هذه الأسئلة سوف لن يشعر بغربتها في الزمان ولا في المكان، بل سيحسّ بحيوتها النابضة، لأنّها ببساطة أسئلة مازالت ترافقنا كمجموعة عربية، تُؤرق خيارنا الوجودي، وتشعرنا إلى الآن بفجيعتنا في التاريخ، أين نهضتنا؟ أين هويتنا ضمن الأمم؟ وأين نحن من مغامرة التاريخ؟ حالنا عروبتنا والغرب؟ هذا الغرب الذي خرج من ظلمات التاريخ ومضايق وحدود الجغرافيا، ليكون غرب بشرية رافقها طموح الاستيلاء على سائر البسيطة، فحقّ لأوروبا – الغرب أن تتحدّث عن آسيا النائمة والشرق المنحطّ وتركيا المريضة، وعن عالم ثالث مستهلك غير منتج. وتنسى الحديث عن أنّ الغرب المُتّخم بالعقلانية هو نفسه الذي أنتج الكولونيالية والفاشية والحربين العالميتين وما تلاهما من حصاد تدميري وتخريبي. اختلفت وجهات نظر كبار الكتاب والأدباء السابق ذكرهم في استفتاء مجلة الهلال حول السبل المؤدّية إلى النهضة العربية، والمؤلم في ذلك أنّ هذه الترسيمة- ترسيمة الهوة والتباين تواصلت إلى أيامنا في خطاب بعض المفكرين العرب، وكأنّ الجذب للعربة بحصانين مختلفي الوجهة سبيل لبقاء الأسئلة القديمة ذاتها قابلة لإعادة الطرح في الألفية الثالثة. وكأننا لم نستلهم بعد جدلية «الزمان والمكان» فكنّا نسير طوال هذه السنين وعلى امتداد قرن كامل في المكان نفسه ولم نحدّد بعدُ وجهة العربة. والجدير بالذّكر أنّ ما طُرح على هؤلاء مازال قابلا للطرح بشدة اليوم، رغم المدّة الزمنية الفاصلة بين هذا الاستفتاء والرّاهن المرحلي، فالهموم الفكرية والحضارية مازالت قائمة، مشكلة الهوية وطبيعة علاقتنا بالآخر ضمن معطى الكونية، تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الأمن القومي وحماية الخصوصية الثقافية، بالإضافة إلى غياب سياسات التعبئة للقدرات المتاحة قطريا وعربيا للالتحاق بالثورة التكنولوجية والتقنية في موجتها الأحدث.
لقد طرح العرب على أنفسهم بعد احتكاكهم بالغرب سؤال: لماذا تقدّم الغرب وتأخّرنا رغم كفره وإيماننا؟ واعتقدوا أنّهم مرّوا إلى أسئلة أخرى من قبيل: كيف نحقّق الثورة ونُفعّل أهدافها؟ ومن ثمّة كيف يمكننا أن نُحقّق حلم دولة الوحدة والتحرّر؟ وصولا إلى إحراج سؤال النقد الذاتي بعد الهزيمة الذي خاض فيه كثيرون. ولكن في تقديري أن انتقال الدولة العربية من الاستعمار إلى التبعية الى خطر زوال الكيانات العربية نتيجة سياسة الاحتواء الغربي الإمبريالي إنّما هي مسارات تدفع باتّجاه طرح أسئلة أكثر عمقا وأبلغ مقصدا خاصّة والحالة العربية تشهد تردّد صانعي القرار داخلها وتشتّت الرأي العام وصراع التيارات الفكرية بشأن خيارات المستقبل.
أليس من الضروري حينها طرح أسئلة حول كيفيّة الارتقاء بآليات التأقلم الايجابي مع مخاطر العولمة، وكيفيّة الإسراع بخطى تعظيم القدرة التنافسية على مستوى مشروعات الأعمال على أن تكون فاعلة اقتصاديا واجتماعيا، وكيف يمكن للأمة العربية امتلاك رؤية استراتيجية في زمن العولمة وأيديولوجيا الليبرالية المفرطة التي يتعامل بها الغرب مع المنطقة…
متعدّدة هي عوائق النهضة العربية وكثيرة هي المشكلات النوعية التي تعانيها المجتمعات العربية ويبدو أن معضلتنا ليست في خطابنا مع الآخر الغربي فقط بل ضمن طروحاتنا العربية نفسها، فالجدل والمفارقة كبيران، والهوة والتشرذم الفكري احتدما بقوة. والمقارعة فيما بين الفكر الديني والفكر النقدي مازالت مطروحة بقوة والمشروع الذي خاضته الانتلجنسيا الإسلامية على امتداد القرن العشرين خير دليل على جهد التأصيل النظري المرجو من الطروحات العقلانية النقدية على اختلافها. في المقابل هناك مفاهيم عديدة مازالت ملتبسة وصعوبات التاريخ تتضاعف، فحول التباس مفهوم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتدابير الحكم السوي طرح الكثير وقيل الكثير، ولكنّها اجتهادات في القول والنظر جلّها احتمت في منحاها التنظيري بإطارين مرجعيين رئيسيين هما مفاهيم السياسة الشرعية ومفاهيم الفكر السياسي الليبرالي – الإسلام والليبرالية.
لا بديل حينئذ عن فضاء علمي عقلاني تعيد فيه الذات العربية النظر في المشاريع الثقافية التكاملية، وتُهندس وعيا بديلا أساسه الأخلاق والعلم وعماده المراجعة والنقد والتعديل بحثا عن إصلاح حياة الإنسان العربي بالتّمييز بين مطالبها وشروط بقائها المادّية والمعنوية. وهو ضرب من المصالحة مع الذات وهويتها باعتبار أنّ وعي الذات هو المدخل الرئيس إلى وعي العالم واستيعاب الآخر ضمن الحضور الذاتي والثقافي. ولكن هذا المطلب الحضاري والتاريخي الذي نتطلّع فيه إلى عصر أنوار عربي يفترض إزاحة النخب المهترئة والعاجزة والشقيّة التي اكتفت بتعطيل مسيرة النسق الفكري والمادّي، وشجبت الحلم العربي ومنعت الاستفاقة الحقيقية.
وعلى هذا الأساس فالنّخب والمؤسسات التي تآكلت أقنعتها وأفلست معطى ونتيجة لا يرجى منها تغيير في السلوك أو ابداع في العمل، ولذلك تقتضي المرحلة التاريخية الراهنة عقولا أخرى تلغي خطاب الذات التّابعة والمستهلكة وتجتهد قسرا لا منّة في تأسيس المشروع النهضوي العربي في الفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة من داخل تاريخ العالم وتفاعلاته وحاضر المرحلة ومقتضياتها.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي