مشروع بريكست في مهب الريح

حجم الخط
0

«أسبوع في السياسة يعني دهرا» هكذا قال رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون الراحل. ولكن أسبوع رئيسة الوزراء تيريزا ماي كان من جهنم. فقد بدأ باستقالات عدد من وزرائها احتجاجا على استراتيجيتها التي توصلت إليها في اجتماع مع فريقها الوزاري في مقرها الريفي «تشيكرز» وحددت فيه معالم حل المشكلة التي تبدو مستعصية ومحلا للتمردات داخل الحكومة والحزب الحاكم وحيرة المواطن البريطاني من «بريكست» أي الطلاق من الاتحاد الأوروبي الذي صوت عليه البريطانيون في حزيران (يونيو) 2016 بهامش قليل ضد دعاة البقاء في المنظومة الأوروبية.
ووجه معضلة ماي أنها تخلت حسب المتمردين عن استراتيجية الخروج الصعب مقابل خروج لين يبقي على بعض العلاقات القانونية والجمركية مع الاتحاد الأوروبي ولا يطلق بريطانيا من عقال القيد الأوروبي الذي بشر به دعاة الخروج مثل وزير الخارجية المستقيل بوريس جونسون.

الضيف الكريه

ولم تتوقف مصاعب ماي عند التمرد داخل وزارتها، بل زادت عليها زيارة ضيف غير مرغوب فيه وهو الرئيس دونالد ترامب الذي حل على بيت السفير الأمريكي في لندن واختفى عن أنظار العامة، في وقت انشغلت فيه المؤسسة البريطانية بفرش البساط الأحمر وفتحت له قصورها من بلينام وساندهيرست وتشيكرز وويندسور، حيث التقى الملكة إليزابيث الثانية وتناول معها الشاي. ولكنه لم يوفر جهده في إهانة المضيفين له والهجوم على ماي ومديح الوزير المستقيل جونسون قائلا إنه مؤهل لتولي الحكومة أفضل من ماي. وهاجم الأخيرة في صحيفة معادية للمشروع الأوروبي «ذا صن» يملكها التايكون روبرت مردوخ حيث زعم «رجل الصفقات الكبرى» أنه كان قادرا على صناعة صفقة مع أوروبا أفضل وأنه حذرها ولم تستمع إليه. وكعادة الرئيس الذي يكذب بالطبيعة نفى كل أقواله وحمل المسؤولية للإعلام «الزائف». وفعل ترامب ما فعل مع القادة الأوروبيين الذين ناقضوا كل ما قاله أثناء قمة الناتو في بروكسيل لكن بريطانيا الغنمة «القاصية» كانت صيدا جيدا لترامب وحول حياة ماي لجحيم حقيقي أو كما وصفت صحيفة «الغارديان» (13/7/2018) كانت زيارة من جهنم، مشيرة إلى أن ترامب هو عدو للاستقرار وعلى رئيسة الوزراء الآن التعلم من أخطائها. فقد فتحت أبواب بلادها متجاهلة شخصية ترامب ومشروعه الشرير، فبعد بلطجته على قادة الناتو جاء وزرع قنبلة في الجدال الجاري حول بريكست. وتعلق «الغارديان» ان الوقاحة التي تميزت بها تصرفات ترامب ليست مهمة في حد ذاتها، بل من ناحية آثارها على علاقة أمريكا مع أوروبا وبريطانيا خاصة، فقد أثبتت الزيارة أن أمريكا لم تعد حليفا يمكن الاعتماد عليه للدفاع عن القيم الليبرالية، وهذا تغير تاريخي. وكان يمكن لماي تجنب هذه الزيارة الكارثية لو لم تسارع ومستشاريها إلى واشنطن في كانون الثاني (يناير) 2017 وهي حاملة دعوة لرئيس لم يمض على دخوله البيت الأبيض سوى أيام ولم يتم التأكد من مصداقيته كحليف بعد. وعليه كان تعجل ماي بمثابة «حماقة مخجلة» وظهر من خلال مواقف الرأي العام حيث أثبتت أحداث الأسبوع الماضي أنه ما كان لزيارة ترامب أن تتم. وكان على ماي أن تفهم منذ البداية أن ترامب ليس حليفا عندما يتعلق الأمر ببريكست. فهو يريد تدمير المنظمات الدولية مثل الناتو والاتحاد الأوروبي ودعم مشروع بريكست على هذا الأساس. ورأى فيه عودة إلى السياسات الأهلية غير الليبرالية والقومية العنصرية. وفهم قادة أوروبا هذه النزعة الميالة لليمين عند ترامب خاصة المستشارة الألمانية انغيلا ميركل ولكن ماي أصابها العمى. ورغم محاولة ماي الاحتفاظ بعلاقة قريبة مع أوروبا وهو ما أدى إلى مواجهة حافلة مع وزرائها من دعاة الخروج المطلق والنهائي في «تشيكرز» إلا أن ترامب مكرس لخراب الاتحاد الأوروبي أكثر من تطلع بريطانيا لازدهاره. وكانت مقابلته مع «ذا صن» تعبيرا عن كراهيته للاتحاد ودعمه للخروج الصعب واحتقاره ماي واحتفائه بجونسون وعدم استعداده لعقد صفقة تجارية مع بريطانيا وعدائه للمهاجرين. وكان توقيت المقابلة وحقيقة منحها لصحيفة تابعة لمردوخ بمثابة طعنة في الظهر لماي التي تقاتل كي تعيد الاستقرار لحزبها وحكومتها. ولهذا فهو ليس حليفا لبريطانيا بل هو معاد «لمصالحنا وقيمنا» و «تهديد مادي» على حد قول «الغارديان». لأن الرئيس الحقيقي هو الذي لا يحتقر مضيفه وهو في بيته كما يرى ديفيد ليونارد في «نيويورك تايمز» (13/7/2018) فقد خرق كل المعايير الدبلوماسية وتفاخر أنه يستطيع الحصول على صفقة أحسن من أوروبا وهو يعرف أنه لا توجد هناك صفقة حقيقية.

بين بريكست وأوباما كير

وقارن بين هجوم ترامب على بريكست واستراتيجية الجمهوريين للقضاء على مشروع التأمين الصحي أو «أوباما كير» حيث ظلوا يزعمون أن لديهم مشروعا أفضل وأرخص منه بدون أن يقدموا التفاصيل. وهذا ما فعله دعاة الخروج من الاتحاد الأوروبي حيث قاموا أثناء التحضير للاستفتاء عام 2016 ببيع الشعب البريطاني الوهم: أي الحفاظ على منافع التجارة مع القارة الأوروبية والتخلص في الوقت نفسه من القوانين المجحفة لبريطانيا. وكذب دعاة بريكست وبالغوا في تصويرهم لسلبيات البقاء مع أوروبا. ونجحت الاستراتيجية بتصويت نصف البريطانيين أو أكثر على المشروع تماما كما نجح الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس وانتخاب ترامب بناء على رفض «أوباما كير» ولكن عندما حان وقت الجد لم يكن لدى دعاة الخروج استراتيجية طويلة الأمد مثلما لم يكن لدى الجمهوريين برنامج صحي بديل.

آثام الحكومة

إلا أن ترامب ليس مسؤولا عن معضلة بريطانيا قدر ما وجد ماء عكرا ليصطاد فيه ونيرانا ليذكيها بطريقته المعهودة، الكذب ثم التراجع وتجاوز كل الأعراف والتقاليد. فالمشكلة هي من صنع حكومة قررت وضع موضوع العلاقة مع أوروبا ـ وهو في النهاية موضوع أصيل لحزب المحافظين ـ وتحويله لأجندة وطنية من خلال الاستفتاء وتم كل هذا بدون استراتيجية خروج جاهزة قبل الشروع بالأمر كما ترى مجلة «إيكونوميست» (12/7/2018) وواصلت الحكومة البريطانية ارتكاب الأخطاء عندما أعلنت عن استراتيجية الخروج «الورقة البيضاء» بعدما استنفدت ثلاثة أرباع الوقت المخصص لها للتفاوض مع بروكسيل. وكان خروج كل من ديفيد ديفيز مسؤول ملف بريكست وجونسون تعبيرا على حد قول الأخير عن «موت حلم» الخروج نظرا لميل ماي الآن نحو علاقة اقتصادية وقانونية من نوع ما مع الاتحاد الأوروبي. ويبدو ان ماي وفريقها الداعم لخطوتها اكتشفوا ولو متأخرين ضرورة الحصول على صفقة واقعية لكن المشاكل تنتظرهم والمهمة أمامها والاتحاد الأوروبي هو أن لا ينزلق مشروع بريكست نحو الفوضى. ويعد موقف ماي الجديد تحولا جذريا عن السابق الذي استبعدت فيه عضوية في سوق موحدة وحرية حركة العمالة وعدم الانصياع للقضاة الأجانب. وخطتها الجديدة تقوم على البقاء في السوق المشتركة للبضائع ونظام مفتوح للخدمات يعترف به الطرفان. واقترحت مقابل حصولها على هذا أن لا تضارب على المعايير البيئية والاجتماعية للاتحاد ولا دعم الدولة. وتقترح آلية فض نزاعات في المحكمة الأوروبية للعدل وتوافق على بقاء بريطانيا في نظام الجمارك الأوروبية حتى يتم التوصل إلى آلية ذكية لجمع الضريبة (أي البقاء الدائم). وخطة ماي واقعية تعترف بصعوبة المفاوضات مع أن قادة الاتحاد سيدفعون باتجاه تنازلات أخرى، مثل موضوع الحدود مع ايرلندا التي يريدون تسويتها قبل توقيع الاتفاقية. وسيطلب من بريطانيا الموافقة على بقية الشروط المتعلقة بالبقاء في السوق المشتركة مثل السماح بحرية العمالة، كما وسيطلب منها المساهمة في ميزانية الاتحاد. وبهذه الطريقة ستكون النتيجة بريكست لا يلبي طموحات الداعين والرافضين له. ويرفض المتشددون مثل جونسون مقترحات كهذه لأنها تعني موافقة بريطانيا على قوانين الاتحاد دونما أن يكون لها رأي فيها. وهذا صحيح ما سيؤدي إلى مزيد من الاستقالات في الحكومة ولتمرد داخل نواب الصفوف الخلفية في البرلمان. ولا يشعر دعاة البقاء بالفرح، لأن الخطة لن تؤدي لوضع مثل حالة النرويج التي ترتبط بالاتحاد الأوروبي بدون أن يكون لها رأي في طريقة عمله. وستجد ماي صعوبة في تمرير الخطة داخل البرلمان رغم تفضيل معظم النواب الخروج السهل. وربما ساعدها دعاة البقاء والخروج البراغماتيين إلا أن المتشددين قد يحاولون الوقوف أمام الخطة على أمل الحصول على صفقة جديدة أو وقف بريكست بشكل كامل. ويعقد من مهمتها زعيم العمال جيرمي كوربن الذي لم يتقدم بخطته القوية والواضحة للخروج من الاتحاد. والسؤال هو في أي طريق تسير بريطانيا وكيف الخروج من معضلة بريكست؟ وللإجابة على هذا لا تنظر أبدا لمن ورطوا البلد في كل هذا «دعاة الخروج» فلم يتقدموا حتى الآن بخطة حول كيفية الخروج من الاتحاد مع حفاظ بريطانيا على علاقاتها التجارية مع القارة التي تعد أكبر سوق للمنتجات البريطانية. ولم يذكر جونسون ايرلندا في رسالة استقالته، ويبدو أنه وبقية المتشددين قضوا وقتهم في معارضة الاتحاد ونسوا كتابة عقد الطلاق وشروطه. وهنا تحتاج ماي مساعدة من الاتحاد الأوروبي كما تقول «إيكونوميست» ومنحها الغطاء لتسويق خطتها وإلا ستكون التداعيات خطيرة على أوروبا وخارجها في وقت تلوح فيه أمريكا بالتوقف عن دعم الناتو وتقوم فيه روسيا بإثارة المشاكل على حدود القارة. من المفهوم أن بيروقراطيي بروكسيل لا يريدون التنازل لبريطانيا خشية فتح الباب أمام محاولات خروج أخرى، لكن فشل بريكست سيترك آثاره الخطيرة على التعاون الأمني والعسكري والدور البريطاني الواضح فيه. ورغم صعوبة التلاعب بقوانين حرية حركة العمالة إلا أن الاتحاد يمكنه منح ماي «إطار تنقل» وهو الشيء نفسه مثل حرية حركة العمالة. ويجب أن يكون الاتحاد مستعدا لمنح بريطانيا الوقت لكي تخرج بصفقة حال فشلت خطة ماي بالحصول على الأصوات. وقد تلجأ ماي للخروج من مأزق البرلمان للشعب من خلال انتخابات أو استفتاء جديد باستراتيجية واضحة بدلا من الوعود الغامضة المتناقضة التي وضعت أمام الناخب البريطاني.
بدأ الطريق للخروج لكن الأشواك والمعوقات كثيرة. فلو نجت ماي من أي تحد سياسي وهو المقصود من استقالة جونسون الذي اتهم أن دفاعه عن بريكست لم يكن إلا عجلة لمكاسب سياسية شخصية، فقد يجد العمال صعوبة في الحفاظ على مناطقهم الانتخابية وبعد انخفاض الغالبية المطلقة في البرلمان أصبح كل شيء محلا للتكهن حول مصير الخطة الجديدة. وكان هذا واضحا من كلام جيرمي هانت، الذي حل محل جونسون الذي حذر من «شلل بريكست وسيكون مضرا». وأمام تشدد المتمردين ومطالب الاتحاد الأوروبي التي علق أحد مسؤوليه ضاحكا ان الورقة البيضاء، 92 صفحة ليست إلا طلب انضمام لا خروج، تعيش ماي دوامة الخروج وكما يقال «بين حانة ومانة ضاعت لحانا».

11HAD

مشروع بريكست في مهب الريح
ورطة ماي: بين قنابل ترامب واستقالات الوزراء
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية