مشعل حرائق في محطة الإطفاء

حجم الخط
0

ثلاثة محافل صبت الوقود على شعلة الحرم، والرابع وقف جانبا. عن احدها جرى حديث كثير في الاسابيع الاخيرة: رائد صلاح، زعيم الجناح الإسرائيلي لحركة الاخوان المسلمين، اطلق قبل سنوات حملة تدعي انقاذ العالم الإسلامي من السيطرة اليهودية على الحرم. وقد نجحت الحملة. فالفلسطينيون على جانبي نهر ال]ردن، والمسلمون بصفتهم هذه، اقتنعوا بانه يوجد خطير حقيقي على احد الاماكن الاكثر قدسية للإسلام.
تدفق مال كثير من كل العالم إلى صندوق الشيخ من ام الفحم، وترجم المال إلى افعال صبت المزيد من الوقود على الشعلة. باصات محملة بالنشطاء والنشيطات، تطوعا وبالأجر، انطلقت يوميا من بلدات عربية في إسرائيل متجهة إلى الحرم. وكان الهدف استفزاز اليهود الذين يزورون الحرم وافراد الشرطة المرابطين هناك. وبزعم الشرطة، تدفق المال سرا ايضا إلى جيوب حراس الاوقاف. فقد ضاعف المال بضعفين وبثلاثة اضعاف الاجر الذي يتلقونه من الحكومة الاردنية.
لقد نجح الشيخ صلاح في أن يجرف إلى حملته وسائل الإعلام في العالم العربي، الشبكات الاجتماعية، الحكومة الاردنية والسلطة الفلسطينية. وقد اضطروا جميعهم إلى تبني حملته، بمن في ذلك النواب العرب، اعداؤه السياسيين.
وبين الحين والاخر كان الشيخ يعتقل، ولكن بالاجمال تمتع هو وحركته بحرية العمل، تحت مظلة حرية التعبير التي وفرتها محكمة العدل العليا. يقال ان الوطنية هي الملجأ الاخير للنذل. وحرية التعبير هي الملجأ الاخير للمحرض. محكمة العدل العليا هي البطل الثاني، البطل المأساوي، في قصة الحرم. فالوزن الهائل الذي اعطته في قراراتها للحفاظ على حرية التعبير ولد من نوايا طيبة ومن حرص حقيقي على قواعد اللعبة الديمقراطية وحق الاقليات في الكفاح في سبيل ارائها. ولكن في حالة الحرم كانت المخاطرة اكبر مما ينبغي، والثمن باهظا. حرية التعبير ازاء التحريض: بشكل عام، عندما يوضع الاثنان على كفتي الميزان، ينبغي لحرية التعبير أن ترجح. الحرم هو احد الاماكن القليلة التي تفترض ترجيحا آخر. ما يقربنا من المساهم الثالث في اشعال النار على الحرم. ما تغير في الحرم، اضافة إلى حملة تحريض الشيخ، كان التواجد المتزايد لليهود الذين ينتمون للصهيونية الدينية. وكان الدافع قوميا متطرفا، وليس دينيا. فالتحريم الذي فرضه الحاخام كوك، وفرضه حاخامون كثيرون آخرون، تبدد امام الفرصة لاظهار السيادة، للاحتكاك، لصناعة العناوين الرئيسة. اوري ارئيل، الوزير في حكومة إسرائيل حج بين الحين والاخر إلى الحرم وصلى هناك. وخدمت زياراته الشيخ رائد: لن يصدق اي فلسطيني تعهد حكومة إسرائيل بالحفاظ على الوضع الراهن عندما يخرق وزير في الحكومة الوضع الراهن ويخرج نظيفا.
لا يوجد مصوتون كثيرون لاوري ارئيل، ولا حتى بين المستوطنين، ولكن من خلفه يقف بعض الحاخامين الأكثر تطرفا في الوسط الديني ـ القومي، بينهم من شارك مشاركة فاعلة في حملة التحريض التي سبقت اغتيال رابين. وتظهر اسماء هؤلاء الحاخامين في رسالة التأييد لزيارات اوري ارئيل إلى الحرم ونشرت في الايام الاخيرة.
ويجدر بنا أن نذكر الاسماء: كل واحد منهم هو قنبلة متكتكة. دوف ليئور، جدعون بيرل، الياكيم ليفانون، اسحق شيلات، دافيد دودكوفتش، حاييم دروكمان، دافيد حي هكوهن، موشيه تسورئيل، بيني كلمنزون، شلومو روزنفيلد، ناحوم رابينوفتش، إسرائيل هرئيل، شموئيل دافيد، دانييل شيلو، اسحق ليفي. الويل للدولة التي تدفع رواتب قارعي طبول الحروب الدموية هؤلاء، الويل لحزب البيت اليهودي الذي يعيش في خوف دائم من لعناتهم.
بالفعل، كان العنوان على الحائط. رأيته، مثل كثيرين آخرين، حين زرت الحرم عندما برزت بوادر الاشتعال الاولى. كان يمكن لنتنياهو ان يضبط وزير الزراعة في حكومته. لم يفعل هذا. سياسيون آخرون، من الليكود ومن البيت اليهودي لم يكن بوسعهم ان يتركوا كل هالة المجد لارئيل: فقد حجوا إلى الحرم بعده واطلقوا تصريحات سعت إلى تغيير الوضع الراهن. نتنياهو أغمض عينيه.
ان الاضرار التي الحقها اوري ارئيل في السنوات الاخيرة لأمن الدولة وبعلاقاتها الخارجية بالغة الاثارة للانطباع. وفي كل مرة حاول فيها نتنياهو الوصول إلى تفاهمات مع الادارة الأمريكية او استضاف هنا كبار مسؤوليها، عرف ارئيل كيف ينتج خطط الاستيطان، الحقيقية أو الوهمية، التي خلقت أزمة. عندما عمل وزير الخارجية الأمريكي كيري على مبادرته، حج ارئيل إلى الحرم للصلاة. ليس ثمة في الحكومة استفزازي اكثر كفاءة منه، اكثر وصولا منه، اكثر خطرا منه. فهو مشعل للنار في محطة الاطفائية.

يديعوت 26/10/2015

ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية