مشكلة تونس… في الجار أم في الدار؟

■ كيف تبدو العلاقة بين البلدين، وهل هي الآن في أفضل حالاتها، أم أنها مازالت على جمودها وبرودها الملحوظ ؟ سؤال فرضته زيارة رئيس الحكومة التونسية في العاشر من الشهر الجاري إلى الرباط.
وما عجل بطرحه بعيدا عن بريق الاعلام والحديث عن المشاريع وخطط التعاون الثنائي ومكافحة الإرهاب، هو أن وصول الحبيب الصيد إلى المغرب هذه المرة بعد الاعلان في فبراير الماضي عن تأجيل الزيارة بسبب «كثرة الالتزامات وكثافة العمل الحكومي، بعد استئناف رئيس الحكومة لنشاطه، إثر الوعكة الصحية التي ألمت به»، مثلما ذكر حينها موقع «الصباح نيوز»، كان اشبه بالزفة الصامتة التي حضرها المدعوون وغاب عنها صاحب الدار، والسبب هو أن القدر الدبلوماسي شاء أن يكون الوصول متزامنا مع سفر الملك محمد الخامس وعدد من كبار وزرائه إلى الصين، ما فتح الباب واسعا امام تأويلات ذهبت حد اعتبار أن ذلك الغياب، ورغم المبررات والدوافع الداخلية وحتى الخارجية، كان شكلا من اشكال التعبير عن موقف أو ردة فعل ظلت تختمر منذ مدة، خصوصا أن الترتيب لزيارة الصيد استغرق اسابيع وشهورا، ولم يكن بالامر الطارئ أو المفاجئ.
وربما كانت رغبة الملك كما فهمها الكثيرون هي أن يوجه بذلك الغياب المقصود رسالة مختصرة مفادها، أنه لا يعول كثيرا على جيرانه في كسب المعركة التي يخوضها الآن للدفاع عن «الوحدة الترابية وحق بلده في الصحراء»، بقدر ما يسعى لكسب الحلفاء والشركاء، حتى لو كان ذلك في روسيا التي زارها قبل اسابيع والصين التي قرر زيارتها بتزامن مع وصول الضيف الذي يعد ارفع مسؤول تونسي يصل الرباط بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في تونس منذ ما يقرب العامين. ولعل ذلك هو بالتحديد مربط الفرس، والعلة الكبرى للتوتر النسبي في علاقات الرباط بتونس، والذي كانت من علاماته ردة الفعل الغاضبة التي خلفها تصريح الصيد في المؤتمر الصحافي الذي عقده في ختام الزيارة حين قال جوابا على سؤال احد الصحافيين، «في ما يخص الصحراء الغربية وكما أجبت في عديد المناسبات فهذا موضوع مبسوط امام الامم المتحدة والاتفاق الذي سيتم بين البلدين في إطار الامم المتحدة سندعمه. وهذا موقف تونس بالنسبة لموضوع الصحراء». وليس معروفا إن كان استخدام الصيد لتلك العبارات التي فسرت في المغرب كدليل على انتهاء ما عرف بالحياد التونسي في ملف الصحراء المزمن والشائك، كان عفويا ام متعمدا؟ لكن الثابت هو أن الحساسية المغربية للموضوع ليست جديدة. فقد كشفت مجلة «جون أفريك» في فبراير الماضي أن السبب الحقيقي لتأجيل زيارة الصيد إلى المغرب هو غضب الملك محمد السادس «من لقاء جمع برلمانيين تونسيين ولجنة تونسية معروفة بمساندتها للبوليساريو على هامش اشغال المؤتمر الافريقي للجماعات والحكومات المحلية، الذي انعقد نهاية العام الماضي في جنوب افريقيا». واذا كانت الاسباب نفسها تقود حتما إلى النتائج نفسها، فإنه من الطبيعي أن يكون عدم توصل الجانبين لحل وسط في خصوص موقف تونسي من الصحراء لا يغضب المغاربة ولا يزعج الجزائريين، في الوقت نفسه، هو الذي جعل العلاقات تراوح مكانها، رغم المحاولات الرسمية لتجنب صب مزيد من الزيت على النار ومعالجة الخلافات العميقة بين الجانبين داخل الغرف المغلقة بعيدا عن الاضواء.
والعقبة هنا هي أن المغاربة يرفعون السقف عاليا امام التونسيين ويطلبون منهم اشياء تبدو فوق طاقتهم مثل، الحسم بسرعة ووضوح في الجهة التي يميلون لها في النزاع المحتدم حول الصحراء، الامر الذي لن يكون بوسعهم فعله بدون توقع خسارة واحد من الطرفين المهمين والوازنين في الاقليم، وهما المغرب والجزائر وما قد يعنيه ذلك بالطبع من توقع تداعيات وتأثيرات فورية ومباشرة على الوضع الداخلي للبلاد. وفي المقابل فان الجار الجزائري الذي يعد الاقرب جغرافيا لا يضع طلبا مباشرا بالاعتراف بالجمهورية الصحراوية التي يدعمها، ولا يبدو انه يمانع في استمرار الحياد التونسي في الملف، ولكنه لا ينظر بعين الرضا لاي تقارب أو تنسيق بين الرباط وتونس. ولعل من ينظر إلى تاريخ العلاقات التونسية بالجارين الكبيرين سوف يلاحظ انه كلما ارتفع البارومتر في اتجاه الجزائر هبط على الفور من ناحية المغرب والعكس بالعكس. ما يعني أن سياسة التوازن التي حرصت تونس على انتهاجها منذ الستينيات لم تكن دائما محل رضا الجميع، ولم تكن تفهم أو تقبل في الغالب الا من طرف واحد على حساب الثاني. لقد حكمت الجغرافيا والاحجام الديمغرافية والاقتصادية والعسكرية ايضا على البلد الصغير المحشور بين عملاقين هما ليبيا والجزائر على ألا يظهر أي شكل من اشكال العداوة، وان يحافظ على «شعرة معاوية» بينه وبين دول الجوار مهما بلغت درجة التوتر أو التأزم معها. واختار قادة تونس اللعب بذكاء على تناقضات القوى المحيطة بهم، وحتى عقد تحالفات خارج الإقليم لردع أي عمل عدواني قد يصدر من هذا الجانب أو ذاك.
وأحيانا كان الخيار الصعب والوحيد امام الرئيس الراحل بورقيبة هو التنازل عن بعض الاراضي حتى لا يدخل في صدام مسلح لا طاقة لتونس على تحمل كلفته، فضلا عما سيتركه من احقاد دفينة وحروب لا اول لها ولا اخر.
كان الهاجس الاكثر حضورا هو الخوف من هيمنة الجيران وحتى اجتياحهم لبلد ظل معلقا بين قارة ينتمي لها تحت ضغط وقهر الجغرافيا، وضفة يتطلع نحوها من باب الانبهار والاعجاب الزائد بفعل التاريخ المعاصر. ما سببته التقلبات الفجائية التي هزت الاقليم منذ خمس سنوات هي انها جعلت الخوف والتوجس من الجيران متبادلا بعدما كان مقتصرا على الطرف التونسي فحسب. والسبب الذي قاد إلى ذلك هو أن الشرارة الاولى لما عرف بثورات الربيع العربي بدأت من تونس لتتمدد بعدها على معظم المساحات القريبة. لقد عاشت العروش حالة من الارباك وفهمت ما جرى بالقرب منها على انه استهداف مباشر لها، وانها المعنية بالنهاية بكل التحولات التي قد تحصل جراء ذلك. وكانت النتيجة هي فرض حصار غير معلن على الجار الصغير، ورفض كل الطلبات التي قدمها بالمساعدة على تخطي الصعوبات الاقتصادية التي اعترضته. ومازاد الهواجس والمخاوف تأججا هو صعود الاسلاميين إلى السلطة بعد فوزهم باول انتخابات حرة وشفافة. لقد كان الاحتراز الجزائري نحوهم واضحا، اما القبول المغربي لوجودهم فقد كان غامضا ولكنهم تحولوا بعد انسحابهم من الحكم وانضمامهم لائتلاف جديد مع «النظام القديم» إلى العرابين الحقيقيين للعلاقات بين بلدهم والعملاقين الاقليميين بفضل شبكة العلاقات التي نسجوها في السابق مع اطراف من داخل مربع السلطة في الجزائر ومع الحزب العدالة والتنمية المغربي الحاكم.رلكن العقدة ظلت على حالها ولم يلحظ الناس أن هناك تحسنا أو تغيرا راديكاليا في العلاقات التونسية الجزائرية أو التونسية المغربية، هذا بدون الحديث عن العلاقات مع الجارة الجنوبية ليبيا التي ظلت محل تجاذب داخلي حاد. لم تكن الثورة أو الديمقراطية ولا حتى قضية الصحراء التي ظلت طوال اكثر من اربعين عاما وقودا للخلافات والنزاعات المستمرة هي السبب الوحيد وراء ذلك.
فما عطل كل أشكال التقارب والتعاون هو فقدان الارادة واعتبار امن الانظمة اولوية قصوى ووحيدة تعلو على أمن الشعوب ورفاهها وترسخ حالة من الشوفينية والتعصب القومي والوطني الاعمى داخل الاقطار المغاربية رغم كل ما يقال عن وحدة المصير. ولم يكن غريبا في تلك الحالة أن يقابل اعلان الدكتور المرزوقي قبل نحو عامين عن منح تونس ما سماه بالحريات الخمس وهي حرية التنقل ببطاقة الهوية والعمل والاقامة بدون ترخيص مسبق وحرية التملك والمشاركة في الانتخابات البلدية بموجة من السخرية داخل الجزائر والمغرب، وحالة من السخط داخل تونس ذاتها تحت مبرر أن ذلك سيفتح الباب امام زحف الغرباء والاجانب عليها.
ولاجل كل ذلك يبدو عاديا وطبيعيا أن يتردد السؤال عن حال العلاقات بين تونس وجيرانها عند كل مناسبة أو زيارة يقوم بها كبار المسؤولين ويظل في المقابل مفتوحا على كل الاجوبة والاحتمالات مادام اصل المشكل لم يعرف أو يحدد بشكل دقيق وواضح أن كان في الدار أم في الجار؟
كاتب وصحافي من تونس

مشكلة تونس… في الجار أم في الدار؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية