لم تستوعب الجالية اليهودية في أمريكا بعد قصة الطالبة اليهودية مولي هورفتس من جامعة ستانفورد، التي انتهت بضجة كبيرة، تبدو ظاهريا نهاية جيدة، إلا أنها أبقت طعم المرارة في الفم. الطالبة اليهودية التي ترشحت لمجلس الطلبة اضطرت لمواجهة تحقيق حرج: هل اصلها اليهودي يصعب عليها المهمة عندما تضطر إلى حسم أمور تتصل بإسرائيل. «بالنظر إلى اصلك اليهودي، كيف ستصوتين على موضوع مقاطعة إسرائيل»؟ هكذا سُئلت، أي ان الفرضية هي امكانية حدوث ذلك، والفرضية ايضا هي ان اليهود يتضامنون مع إسرائيل. والفرضية ايضا هي أن اليهود يتضامنون مع إسرائيل. والفرضية ايضا ان هذا التضامن قد يعيقهم من العمل باوساط الطلاب الذين لا يتضامنون مع إسرائيل.
من المشكوك فيه أن تكون جميع هذه الفرضيات صحيحة، والأمر الغير مشكوك فيه: هذه احدى الحوادث البارزة، وليست الوحيدة، التي تضع يهود أمريكا موضع الصدام بسبب تأييد إسرائيل المحتمل. وان كان التأييد لإسرائيل حتى الان ليس له ثمن. أي امكانية تأييد إسرائيل دون ان يكون لذلك ابعاد سلبية على مكانة اليهود ـ الان توجد امكانية جديدة، ففي مناطق معينة على الاقل، يوجد ثمن لتأييد إسرائيل. أي ان الشباب اليهودي يقف امام مفارقة مقلقة ـ تأييد إسرائيل والتعرض لصعوبات في الحرم الجامعي، من قبل المحاضرين او مزعجين آخرين ـ او التنازل عن تأييد إسرائيل مطأطأة الرأس، من اجل عدم التورط.
هذه ليست مفارقة بسيطة، الشاب اليهودي في أمريكا يذهب إلى الجامعة من أجل التعلم. وبناء صداقات، والبلوغ بهدوء. وليس من اجل الاحتكاك والصدام. الشاب اليهودي في أمريكا متعود على معاملة جيدة واحتضان، من قبل المحيط الغير يهودي. واذا اضطر فجأة إلى الحسم، يحسم احيانا باتجاه طأطأة الرأس. والاصعب من ذلك: من شأنه تطوير نوع من الغضب تجاه إسرائيل لان وجودها، وحضورها في الحوار العام بأمريكا يثقل عليه. الامر الذي يضطره ان يكون سفيرا لشيء لم يطلب ان يكون سفيرا له.
على إسرائيل أخذ ذلك بالحسبان عندما تقوم بتجنيد يهود أمريكا ضد المقاطعة. هناك من يستجيب لنداء إسرائيل وهناك من سيتردد، حركة المقاطعة من شأنها الحاق الضرر بإسرائيل ذاتها، ولكن يجب الاخذ بالحسبان انها تستطيع الحاق الضرر ايضا بمن يتضامن مع إسرائيل. وفي المقدمة الجالية اليهودية القوية في أمريكا. يهود أمريكا يستمدون قوتهم من خلال اندماجهم في النخبة الأمريكية ـ السياسية، الإعلامية، الاقتصادية، والاكاديمية، وهم يحبون هذا الاندماج واذا نجحت حركة المقاطعة في التغلغل إلى النخبة ـ وهذا هو هدفها ـ سوف يخسر اليهود.
هذه الحقيقة تدفع اليهود إلى معارضة حركة المقاطعة على اختلاف اشكالها. وتردع ايضا اليهود وبالذات الشبان، من معارضة حركات المقاطعة على اختلاف اشكالها.
أجواء معادية
أظهر هذا الاسبوع كل من شلدون ادلسون الجمهوري وحاييم سبان الديمقراطي، جبهة موحدة ونادرة في هذه الساحة. تجند ادلسون لتمويل نشاطات في الجامعة ضد ما سماه «تسونامي معادي لإسرائيل» لكن يجب قول الحقيقة: يحتاج النشطاء إلى تواجد سبان البارز مثلما هم محتاجون إلى اموال ادلسون، واذا وقف ادلسون ونشطائه فقط في هذا الصراع، فانه سيوصم بوصمة اليمين سياسيا. ومعظم الطلاب اليهود ديمقراطيين وليبراليين.
اذا انضم سبان وجهات اخرى مقربة من الحزب الديمقراطي، فمن الممكن ان يتمسك الطالب اليهودي بهذه الشراكة، من الممكن وليس من المؤكد.
مع اعلان «مؤتمر الملايين» كما سماه عدد من الناقدين ـ المؤتمر في لاس فيغاس الذي بحث فيه ادلسون وشركائه عن طرق للمساعدة في الحرب ضد المقاطعة ـ ونشر اللوبي اليهودي اليساري جي ستريت رسالة ليست متلهفة من المبادرة الجديدة، وقيل: نحن في المنظمة نعارض المقاطعة، وجي ستريت هي شريكة في محاربة المقاطعة في عدة جامعات أمريكية. الا ان المنظمة تقول ان الانضمام لادلسون لن يخدم جهود كبح المقاطعة في جامعات اخرى. «حركة المقاطعة تصور مؤيدي إسرائيل على انهم متطرفون وعنصريون» جاء في الرسالة.
يوجد الكثير من المؤيدين لجي ستريت باوساط الطلاب اليهود. الطلاب الشبان يميلون إلى اليسار على العكس من آبائهم. وينتقدون إسرائيل اكثر من ابائهم. وكشبان يميلون إلى الانضمام إلى المنظمات الدارجة وليست مؤسساتية. البعض منهم سوف يفضلون جي ستريت على ايباك. هؤلاء الطلاب، الديمقراطيين والليبراليين، الذين يميلون نحو اليسار يستغربون احيانا من الحملة التي يفترض أن ينضموا اليها. هل هذه الحملة ضد اللاإسرائيلية أم ضد اللاسامية؟ هل وظيفتهم هي الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي في المناطق، أم أنهم يدافعون عن شيء غالي على قلوبهم، مثل حقهم في أن يكونوا يهود فخورين في الجامعات دون التعرض للملاحقة والهجوم؟.
تميل إسرائيل إلى التشويش على الفوارق، وتقديم أي انتقاد ضد إسرائيل ليس فقط أنه لاإسرائيلي بل ايضا لاسامي. لكن يوجد الكثير من الأمريكيين، وتحديدا من اليسار، يفضلون التركيز على اللاإسرائيلي من قبل مجموعات المقاطعة، وليس على اللاسامية. واذا كان مفهوم اللاسامية يتعلق مباشرة باليهود فلا مناص لهم من الصدام معه، واذا كانت الحملة لاإسرائيلية فقط ـ اذا كان الهدف الحقيقي هو انهاء الاحتلال الذي يعارضونه هم ايضا ـ فان من حقهم أن يقرروا تأييد الحملة أو تجاهلها.
هل الحملة ضد إسرائيل هي حملة لاسامية؟ هذا يعتمد على من نسأل. لا شك تقريبا أنها في اماكن معينة «تخلق أجواءً معادية للطلاب اليهود»، يقول مدير عام منظمة «هيلل» للطلاب اليهود، واريك فنغرهت. قبل ثلاثة اشهر نشر اثنان من الباحثين الأمريكيين، باري كوسمين واريئيلا كيسار، بحثا جديدا حول اللاسامية في الجامعات الأمريكية. وكان السؤال الذي سألاه يشير إلى مستوى الضبابية الذي يعيب التعريف الواضح للموضوع مثار الحديث. اللاسامية في الولايات المتحدة لا تشبه اللاسامية في اوروبا، وما لا يؤثر في الطالب الاوروبي يمكن أن يزعزع الطالب في الولايات المتحدة.
سؤال للباحثين كان: «صحيح أن الموقف من اللاسامية مختلف بين الناس، لكن هل تستطيع القول إنك جربت أو كنت ضحية اللاسامية منذ بداية السنة الدراسية؟».
أكثر من نصف الطلاب اليهود المستطلعين أجابوا بـ «نعم» (54 بالمئة). وهذه نسبة كبيرة قياسا بالشعور النسبي بالأمان الذي يشعر به اليهود في الولايات المتحدة.
من يعاني من اللاسامية أكثر من الآخرين؟ ظهرت في البحث مجموعة واحدة مقابل مجموعة اخرى: طلاب نشطاء في «ايباك» (اللوبي اليهودي من اجل إسرائيل)، هم الذين يعانون أكثر، الامر الذي يؤكد على التداخل بين الشأن الإسرائيلي واالشأن اليهودي في الجامعات.
رسالة المحاضرين
في منتصف الشهر الماضي وقع 100 موظف اكاديمي في الجامعات في كاليفورنيا على رسالة تطالب بتبني تعريف وزارة الخارجية الأمريكية لظاهرة اللاسامية.
قال النظام الأمريكي في السابق إن «نزع الصفة الانسانية عن إسرائيل» أو مقارنة سياستها بسياسة المانيا النازية أو إقرار معايير خاصة تتعلق بإسرائيل لا تُقر بالنسبة لباقي الدول أو نفي حقها في الوجود ـ كل ذلك يعتبر لاسامية. في الجامعات في كاليفورنيا يُسمع الكثير من التلفظات التي تتجاوز هذا التعريف، ويريد المحاضرون من خلال العريضة التي وقعوا عليها تحسين الاجواء والغاء الشعور بأن جامعات كاليفورنيا هي «الاكثر لاسامية» في الولايات المتحدة.
هذه الرسالة لم تبق بدون رد، حيث وقع 250 شخص من الطواقم الجامعية على وثيقة طلبوا فيها من وزارة الخارجية الأمريكية عدم توسيع تعريف اللاسامية كي لا يمس الامر كل من يحاول انتقاد سياسة إسرائيل. وقد شكلت الوثيقة ردا على القانون الذي سنه مجلس الشيوخ في ولاية كاليفورنيا والذي تبنى رسميا تعريف وزارة الخارجية، وحث الجامعات على التشديد على ذلك في الجامعات.
هؤلاء الاشخاص من السلك الاكاديمي سيصطدمون كما يبدو بعمل مثابر للجالية اليهودية المنظمة. تقرير لجنة مناهضة التحريض من بداية الشهر، كشف عن ازدياد عدد حوادث اللاسامية في الجامعات، وشكل محفزا للعمل. التقرير قال إن معظم الجامعات لا توجد فيها مشكلة. ونحو 30 جامعة تُدار فيها حملات المقاطعة، وهذا الرقم هو ضعف ما كان في السنة الاكاديمية السابقة، وفي جزء كبير من المناطق التي تقام فيها هذه الحملات، يجد اليهود أنفسهم مكشوفين دون أن يطلبوا ذلك.
«على الطلاب»، كتب رئيس اللجنة آيف فوكسمان، «أن لا يقوموا باخفاء هويتهم اليهودية من اجل المشاركة في الحياة الطلابية في الجامعة». هذا صحيح بالتأكيد، إلا أن الواقع الحالي يُصعب على الطلاب الذين جاءوا إلى الجامعة من اجل الدراسة وايجاد اصدقاء لهم، وليس من اجل المحاربة.
معاريف 11/6/2015
شموئيل روزنر