مشهدية الحياة

تشظت الحياة في البعيد المتنائي، ونزيفها لا يتوقف. والوقائع الموجعة لا تخطئها الحواس. ومواربة الطمأنينة لدفء الحياة بتحويل جوهرها المقدس إلى احتفالية هجينة كوسيلة لتأريخ مشهدية الحضور وربما كسخرية وإدانة لهذا الحضور في الآن نفسه.
الحياة اليوم وهي تفعل ذلك بمتعة جافة من الأثر الرومانسي، ومتحررة من النسيج الطوباوي الذي ميزها في عصرها الموسوم بالذهبي تحاول جاهدة منذ بداية الألفية الجديدة التخلص من الأثر الإنساني الذي ميز تاريخ الإنسان منذ بداية تشكل وعيه بالعالم ومحاولة فهم هذا الأخير والسيطرة عليه، لصالح يوتوبيا العنف، ذلك أن الرغبة في اغتيال الأثر الإنساني هي ما يميز مشهدية الحياة التي تخلت علانية عن القوانين التي سنتها سابقا وبشكل مخصوص اتفاقية الإبادة لسنة 1949 وقانون جرائم الحرب لسنة 1996 كمحاولة يائسة للحفاظ على الإنسان والأرض، بعد جرائم الحرب في داتشاوي في ألمانيا وبيسكاري في إيطاليا، وهيروشيما وناغازاكي في اليابان، وجرائم الحرب في الفلبين وفيتنام وتشيلي ويوغوسلافيا والصومال والعراق وسوريا واليمن وليبيا.
الحياة التي تحتفي اليوم عبر الجماعات وأشكال الميديا بالصور الدموية للموت والخراب لصالح حركات تتوخى اغتيال ما تبقى من الضوء والحب والجمال، وتحاول جاهدة جعل الإنسان في دوائر قناصة الموت، بعيدا عن التفكير الحر الذي يقتضي التحرر من الرؤية الشمولية الجاهزة كشرط للحرية ولإرادة الذات الفاعلة ضد الزيف والخداع بوصفها إنتاجا لتصور ما للذات والعالم، لا بما هو كل متطابق، بل كقوى متعددة تتسم بالانفتاح على الممكن. وهذا شرطها الأساس الذي يهبها مزية النسابي التعددي.
بيد أن النزعات الوثوقية لا تنفك تشيد لنفسها حصونا ومتاريس وقوة دفاعية وهجومية عبر «جنود الفيلق التاسع» (نستعير هذه التسمية من الفيلق الروماني الذي تشكل من خيرة محاربي جنود الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور هادريان في القرن الثاني الميلادي، والذي شكل درع الأمان للإمبراطورية الرومانية لكنه اختفى في ظروف غامضة بشكل نهائي) هذا الفيلق قدر له أن يظهر من جديد في الألفية الجديدة عبر التجمعات الخطابية والمعارك الإلكترونية والحملات الانتخابية. وهو جزء أساس من القوة الدفاعية والهجومية التي تسعى إلى تحقيق انتصارات بغية إعادة ترتيب العالم وفق نسق التطابق. وبالتالي فإن مختلف هذه المعارك ليست سوى مؤثرات انفعالية تعمل على إلغاء الحضور لأنه زائف والمطالبة بالأثر المكتمل. وهو ما يعلل التجاذبات القوية بين مختلف الخطابات أملا في تحقق الحيوات في العمق الزمني- الماضي- الذي أصبح مكتملا ومنسجما ونموذجيا بعد محو سمة الاغتراب عنه وتأكيد أحقية الحياة بين ظلاله.
إن اقتطاع الزمن يتطلب تكثيف الحاضر بسديمية تستقر في فكر الإنسان لتقتل إحساسه بالانتماء للأسرة، أو للوطن، أو للإنسانية. لصالح رؤيا تشق السماء بحثا عن الحياة في الجنة، أو بحثا عن أرض شبيهة بما قدم في العرض المكتمل لإنسان الصحراء.
هذا المنظور هو المحرك للحزن الدائم الذي يسكن هذه الرؤيا. حزن على ضياع الجنة، وحزن على ضياع إمكانية تحققها في الأرض.
وبموجب هذه الرؤية السديمية يصبح الكائن مغتربا عن الزمن وعن المكان وعن الانتماء الأسري والقومي، لأنه بعد نجاح عملية المحو وتعطيل الإدراك العقلي، يصبح الرهان هو السعي نحو تحقق الميتاواقع .
موت الواقع تبعا لهذا السياق مرتبط بموت الحب، والعدالة، والحرية، مقابل سطوة الانتقام والعنف وإقصاء الآخر بوصفه المسؤول عن ضياع الجنة. ولا يعني هذا التوجه نحو الكائن والعالم بخطاب موحد ومنسجم، فلهذا النسق مهمة محددة وواضحة، وهي العمل على تحقيق الميتاواقع، وتستعين من أجل ذلك بالعاطفة بعد تغييب الإدراك العقلي. العاطفة كطاقة مدمرة هي معبر للوصول إلى الخير الأسمى وفق منظورها، لذلك يعود الفيلق التاسع ليحقق هذا الخير وهذه المرة بجلب ملك الموت ليعيد الشياطين إلى جهنم حيث العذاب اللانهائي وفق منظورها.
إن ملء الوجود يتطلب شرط الحرية وإعمال العقل وتحقيق دولة القانون بدل دولة الواجب المطلق، الحاضر بدل الماضي، استشراف المستقبل بدل تجدد الماضي، عزيمة مضاءة بالحرية بدل الواجب تبعا للحقيقة الجاهزة، الفعل الخلاق بدل الفوضى العارمة وتهديم العالم والعودة لدرجة الصفر لسهولة تشييد واقع مركزي يستثمر الطاعة والامتثال وينتج خيبة أمل.
معيار مدح الماضي، لأنه الخلاص، ومدح القائد لأنه العبقري القادر على التفكير في ما يعجز عنه الآخرون يجعل قوة استعمارية تهيمن على مشهدية الحاضر. اغتيال المستقبل واستعمار الحاضر من قبل جنود الفيلق التاسع. ومن لدن الصوت الواحد(الحقيقة). ووراء كل هذه التحولات ذئب في الظلام يعوي ينتظر فريسته بهدوء.

٭ شاعر مغربي

مشهدية الحياة

عبد السلام دخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية