غزة – سمر الدريملي : كانت محطات التلفزيون تعد على أصابع اليد الواحدة، نتربع أنا وشقيقتي التوأم القرفصاء أمام شاشة التلفزيون ولا تتعدى المسافة بيننا وبينه النصف متر.. نعلق رقابنا في انتظار أن يحن علينا الوالد فيقلب عن نشرة الأخبار ويدير على قناة الأردن حيث نتلهف لبثهم بين الحين والآخر، أغنية ننتظرها بشغف للطفلة اللبنانية – آنذاك – ريما بندلي اسمها «مشِّط شعرك يا قمر بالصابونة والحجر» حيث نستمتع بالرقصة المغنية والأطفال الذين يظهرون معها في الفيديو فنقوم ونقلد رقصاتهم وحركاتهم.
الأغنية كان هدفها، خلقيا وتهذيبيا، لتثبيت صفة النظافة وتسريح الشعر وتنظيف الوجه من خلال كلمات جميلة تظهر لنا وكأن القمر من يقوم بهذا الدور ونحن بحاجة لتقليده.
بعد انتهاء الأغنية كنا نتسابق أنا وشقيقتي في من يركض ليتربع أولاً في حضن الوالدة لتمشيط الشعر وعمل الضفيرة، ومن بعدها نتسابق لعمل رغوة كبيرة على وجوهنا من الصابونة التي تلهب العينين في حال ملامستهما لنظهر بعدها في أجمل صورة.
الوالدان والأشقاء باتوا يتوقعون ردة فعلنا بعد الانتهاء من سماع ومشاهدة الأغنية حيث يتعقبوننا بنظرات ودية وباسمة التي ستظهر بصورة أجمل وبهندام أنظف.
وفي الأيام التي كانت الوالدة تكل وتمل من الحديث معنا وتلاحقنا من غرفة لغرفة لتسريح شعرنا وترتيب هندامنا كانت تمازح أبي ضاحكةً وتقول له: «شوف قناة الأردن بلكي سمعوا هالأغنية يا ابن الحلال».
الأغنية لم تكن تأخذ هذا الصدى والتأثير في نفسيتي أنا وتوأمي فقط بل كان ذلك ينسحب على كل الأطفال في تلك المرحلة، حيث الشهرة الكبيرة للأغنية بيننا آنذاك..حتى الأمهات كانت تدندنها وهي تقوم «بتسليك» شعور بناتهنّ، كما أن بعض الأطفال كن يقفزن في الحارات والأزقة وتصدح أصواتهنّ بترديد الأغنية وتقليد حركات الأطفال فيها.
ولا أنسى ابنة جارتنا عندما قلدت الطفلة المغنية بندلي فربطت على جبينها عقد بحلقات دائرية وارتدت جلباية خضراء مذهبة وخرجت إلى الشارع تغني وتقفز في تقليد محكم لها، حتى تجمعنا حولها وأخذنا نصفق لها وضحكاتنا تعلو أغصان الشجر وضوء القمر.
أنه غير مبالغ فيه لو أننا تحدثنا عن تأثير الأغنية ووجودها بيننا نحن أطفال تلك المرحلة كأمهات وآباء في الوقت الحالي حيث نرددها ونحن نتفنن في عمل أجمل التسريحات والقصات لأطفالنا.
ولعل إعادة تمثيل وغناء هذه الأغنية في الكثير من حفلات الأطفال في فلسطين والمنطقة العربية عموماً يدلل على جمال وقوة هذه الأغنية المصورة والمكتوبة بذكاء وحنكة حتى وقتنا الراهن.
الجدير ذكره أن بندلي مواليد، 1979 في طرابلس في لبنان، وهي مغنية اشتهرت في ثمانينيات القرن العشرين بتأديتها لأغاني أطفال ناجحة.
أظهرت في سنّ مبكّرة موهبة فنيّة فذّة و سجلت أولى أغانيها «إيماني أحلى إيمان» وعمرها ثلاث سنوات ونصف، وقامت بالعديد من الحفلات في العديد من البلدان كالأردن وسوريا والكويت وقطر وفرنسا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية؛ كما قامت ببطولة الفيلم السينمائي «أماني تحت قوس قزح» سنة 1985.
أغنية «مشِّط شعرك يا قمر» وغيرها من الأغنيات النادرة المخصصة للأطفال في الثمانينيات لازالت محفورة في ذاكرتنا النقية حيث كانت موجهة برسالتها للأطفال بكل براءة وصدق وشفافية وبالفعل تركت أثرها الانفعالي والوجداني والحركي دون أن «يدس السم في العسل»، ودون أن يتم توجيه رسائل مبطنة من خلال أغاني الأطفال كما نشهد في عصرنا الحالي حيث هذا الخليط المعقد واللامتناهي من آلاف الأغنيات ومئات المحطات التلفزيونية المتخصصة بأغاني وأناشيد ورقصات الأطفال، ولا أعتقد بأن الكثير منها سيثبت في ذاكرة الأطفال الغضة الطرية عندما يكبرون ويشيبون؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض «الكليبات» القصيرة والعفوية والتي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتستهدف الأطفال يكون لها أثر وصدى كبير مقارنة ببعض تلك الأغنيات.
أعتقد أنه في عصرنا الإلكتروني الرقمي نحن قادرون أكثر من أي جيل مضى على استثمار ما نملك من أدوات ووسائل أحسن استثمار لنوظف الأغنية والكليب في أدب الطفل بطريقة هادفة ومفيدة وموجهة لنفع الأطفال لتحقيق الفوائد التربوية المرجوة.