«مش شغلك يا مواطن»… أحلى ديمقراطية… علي عبدالله صالح من «مخلوع» إلى «سابق» والسعودية تتزحلق على «حباله»

 

مجددا وعلى نمطية.. «اقعدي يا هند» قد تبدو عبارة «مش شغلك يا مواطن» حمّالة أوجُه، حينما قالها رئيس مجلس النواب الأردني عاطف الطراونة لإسكات «مواطن» ارتفع صوته عن الشرفات معترضًا على رفع الأسعار.
طبعًا المتوالية الهندسية للفضائيات والشاشات تعاملت مع الفقرة، وكأنها خبر عن «زواج جورج كلوني»، ابتداء من «الجزيرة»، مرورا بشاشة الحقيقة الدُّولية، حتى تلفزيون الحكومة الأردنية.. الجميع انشغلوا بالعبارة ودلالاتها، حتى أن الطراونة اضطر لإصدار توضيح فكرته؛ بأن العبارة نظامية فقط لأعمال تيسير الجلسة وتفاعلت في غير أبعادها الحقيقية وأسيء فهمها.
فضوليون كثيرون قرروا مضاهاة رئيس البرلمان الأردني المنتخب تمامًا من الذين ينتقدونه اليوم بفقرة طالما بثّتها «سي أن أن» التركية للرئيس اردوغان تحت قبة البرلمان، حيث تصرخ رضيعة خلال خطاب الرئيس فيتوقف الأخير، ويقول مع ابتسامه..» حاضر… أفندم».
طبعًا؛ الطراونة، وهو رجل «متواضع» لا يستطيع التواضع في مثل هذا المقام، وبرغم ثقتنا في خبرة الرجل وحسن نواياه نقول بوضوح إنه لا يتصرف ضمن مستوى «الولاء للمواطن»، لأن ذلك بكل الأحوال غير متاح في الحالة السياسية الأردنية، حتى من قِبل المواطن نفسه.
الشعب – الذي ينتقد النواب اليوم، ويُثقل عليهم – اصطف بمئات الآلاف على موائدهم ومناسفهم في الحملة الانتخابية و«صوت» لهم بالكوم.
لديّنا وجهة نظر في عبارة «مش شغلك يا مواطن»، حيث لا يمكننا إدانة الأخ الطراونة شخصيًا، لأن أحدًا من النخبة وفي القمة لا يحترم المواطن الأردني أصلا ولا يُفكّر به، ولا يحسب حسابه إلا عندما تقرر الحكومة حل مشكلاتها المالية على حساب جيبه، ولأن المواطن نفسه في الكثير من المفاصل لا يحترم نفسه، في المقابل خصوصًا في الانتخابات.
طبعًا يستطيع الطراونة اختيار تعبير اهدأ قليلا، بعدما خانته الكلمات، لكنه بصيغة أخرى ابن التجربة الاجتماعية والرسمية، ويعكس تمامًا القانون المسكوت عنه، وسط النخبة، وبالتالي يُعبّر الرجل عن الحالة الواقعية للديمقراطية الأردنية، لا أكثر ولا أقل، على أساس.. «مش شغلك يا مواطن».
ولكي نتحوّل ويصبح ما يجري تحت القبة كله «شغل المواطن» نحتاج إلى وضعٍ آخر تمامًا، ولانتخابات نزيهة، وناخبين أوعى وأعمق، عندها فقط؛ لن نرى غالبية النواب الحاليين، وعليه لا نلوم الطراونة.

«توب شيف» والخبز المدعوم

مع إصرار الحكومة الأردنية على رفع أسعار الخبز، قبل حتى مشاورة نواب الأمة، من الغريب جدًا رصد شغف ربّات البيوت بمتابعة برنامج «توب شيف» الشهير على «أم بي سي»، حيث يزداد نفوذ هذا العرض ويصبح حديث المجالس.
يعتلي الدكتور عبدالله العكايلة المنصات، ويعلن أن الخبز خط أحمر والحكومة تتجاوزه، علمًا أن فعاليات البرنامج إياه كلها خالية تماما من مكون يحمل اسمًا لمادة تذوَّقها المواطن العربي… حتى الدقيق الذي يقول وزير الاتصال إنه يتم تهريبه عبر الحدود، يستخدم في «توب شيف» مجرد غلاف لا أكثر، لقطعة سالمون أو لخلطة فانيلا مع كافيار.
نكاد نجزم أن الجوعى العرب، وهم كثيرون يشاهدون البرنامج، لم يقابلوا يومًا أكثر من 90 % من المكونات التي يتحدث عنها الطُّهاة والحكام… بالتالي تصبح المشاهدة أشبه بتلك النكتة الشعبية التي تقترح التهام رغيف كامل على رائحة سيخ كباب عند الجيران.
قريبًا؛ حتى الخبز سيصبح عزيزًا بين الأردنيين، ولا أستبعد أن تستبدل الشوكولاتا بكيس خبز في مواسم الهدايا والمناسبات الاجتماعية، لأن وزير المالية وحده من دون خلق الله في الكون يُصرُّ على أن سيارة كيا الكورية تشبه تماما سيارة المرسيدس الألمانية.
الخاسر في برنامج «توب شيف» تقول له المديرة السعودية: سلِّم سكاكينك وامشِ.. وما دامت السيارة الكورية تشبه الألمانية من حيث النفقات، فلِمَ لا يبيع وزير المالية الخمس سيارات، التي يملكها ويستبدلها بتلك «العوايات»، حسب التسمية الرائجة في كراجات الأردنيين.
على الأقل حتى تكون الحكومة مقنعة، لِمَ لا يركب الوزراء سيارات كورية لترشيد النفقات، فسيارة رئيس الوزراء فقط تحتاج محطة بنزين تلحقها.

يتجول بين «المخلوع» و«السابق»

أخيرا، والحمد لله، وفجأة على طريقة «أبو عنتر»، رحمه الله، تغيرت صفة الرئيس اليمني أبو سبع أرواح، علي عبدالله صالح، من «مخلوع» إلى «سابق»… لا تقل فضائية «العربية» شقلبة عن الأخ صالح نفسه، وتدفعنا نحن مساكين المشاهدين، إلى أقرب مسافة من «الحوَل السمعي».. هل سمعتم يومًا أن الأذن تصاب بالحوَل؟
عمومًا بقدرة قادر وبمجرد اشتباكه عسكريًا من الحوثيين، الذين أحضرهم داهية اليمن، تحولت لغة نشرة الأخبار في محطة «العربية»، وحاسبوني إذا لم يحصل ذلك قريبا: «العربية» ومعها «سكاي نيوز» تستضيفان فجأة أحمد علي عبدالله صالح في حديث حصري عن مستقبل اليمن والمصالحة والعصابة المسلحة التي «اختطفت دولة» تمامًا، كما استضافت محطات «الهشّك بشك» المصرية فجأة العم أبو العبد إسماعيل هنية، وظهر الرجل مبتسما وهو يستمع لعمرو أديب يُظهر إعجابه الشديد بقدرات كادر حماس الأمني.
رشق علي عبدالله صالح بلقب «الرئيس السابق» بدلاً من «المخلوع» يعني أن الدنيا تغيّرت قليلاً، ورغم أن جماعة الأخ الحوثي اقتحمت مقر تلفزيون «اليمن اليوم» إلّا أننا نتوقع قريبا الاستمتاع بسحنة الزعيم الحوثي أبو تسريحة جنان على فضائيات متعددة وهو يدعو متسولا «الحوار والحلول السياسية»، فمن أحضر الدب إلى الكرم عاد إلى العباءة السعودية، وبدأ يلكز الدب بمؤخرته ويحرمه من إكمال مسلسل اختطاف بلد انتهكه الجميع.
أغلب الظن أن صالح أنجز صفقته، والسعودية فهمت أن الحسم مستحيل، فقررت النزول عن الشجرة بحبل الرئيس المخلوع الذي لم يعد مخلوعًا.. أريد فقط التذكير بقراءة الفاتحة على أرواح الأبرياء، الذين دفعوا في اليمن حياتهم ثمنًا في مواجهة لم يشاورهم أحد فيها لا الحوثي ولا صالح ولا السعودية ولا غيرهم.

مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

«مش شغلك يا مواطن»… أحلى ديمقراطية… علي عبدالله صالح من «مخلوع» إلى «سابق» والسعودية تتزحلق على «حباله»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية