من الإنصاف القول إن الحكم على برامج المواهب لا يصدر على مقياس مسطرة واحدة، فكل برنامج له معاييره ووزنه الفني، الذي يخضع لمقاييس عديدة من بينها أعضاء لجنة التحكيم وخبرتهم المعرفية.
برنامج «ذا فويس» أو الصوت مثلا، برنامج أرى فيه معايير أكثر موضوعية في اختيار المواهب، مع كمية وافرة من الترفيه المحترم واللطيف.
لكن برنامج، مثل «آراب أيدول»، نرى فيه تدهورا في المعايير موسما بعد آخر، ولا شك أن قيمة راغب علامة في البرنامج نكتشفها اليوم وقد فقد البرنامج الهيبة اللازمة وما يتطلب من وقار في لجنته.
طبعا، سيطرة أحلام على اللجنة وتوظيف شبكة «أم بي سي» لشطحاتها المنفلتة وحضورها الخارج عن أي نص منطقي، جعلا البرنامج خارج تصنيف برامج الإبداع والمواهب إلى برامج صناعة الترفيه بإنتاج مكلف، تماما مثل إنتاج برامج «المصارعة الحرة»، التي تستقطب غرائز محبي العنف والسادية.
الحلقة الأخيرة شهدت تطورا نوعيا مفاجئا حتى لصانعي البرنامج، ولن أستغرب أن يتم توظيفها من «أم بي سي» أيضا لغايات زيادة جرعات التشويق في صناعة الترفيه واستقطاب مشاهدي هذا النشاز.
كاميليا ورد، متسابقة من الجزائر، مدججة بما يكفي من مستحضرات التجميل والماكياج والعدسات الملونة وكثير من أوهام العظمة الزائفة، ومنذ لحظاتها الأولى في البرنامج كانت المتسابقة ذات الصوت الجميل فعلا، تتقدم بحضور مستفز تجاوز حدود الثقة بالنفس إلى العجرفة، وهذا طبعا أمام لجنة تحكيم من بين الأعضاء فيه، فنانة تجاوزت أوهام العظمة بسنوات ضوئية إلى درجة أنها قارنت نفسها بأم كلثوم وأحلت ذاتها محل كل عظماء الفن، وطبعا أقصد هنا أحلام.
كان جليا أن أحلام وكاميليا «دونت ميكس» على مسرح واحد، وكان واضحا أن كازية أحلام سريعة الإشتعال لا تحتاج أبدا إلى كُرة لهب مشتعلة مثل كاميليا، فاشتعلت الحرب، بعد أن وجهت أحلام الضربة النووية الأولى، وقضت على وجود المتسابقة بقسوة انتقامية واضحة.
ما يثير، فعلا، ونحن أتابع تداعيات ما بعد الحلقة على «التويتر»، هو هذا الفراغ الهائل لدى آلاف الشباب العرب، لملاحقة الجدل وإثارته حول موضوع تافه، لا يستفيد منه إلا منتجو صناعة الترفيه، وهي صناعة ستستفيد أكثر من حالة نفسية جديدة قادمة تلقب نفسها منذ الآن بالامبراطورة وتخاطب جمهورها الغافل عن واقعه القاسي بالجيش!!
ببساطة، كاميليا نسخة أحلام الأكثر عجرفة، لكن الأكثر إغراء بلا شك!
برنامج «يتعس صباحك»
لكن صناعة الترفيه صناعة لها إنتاج ضخم ومحترفون في عالم التلفزيون، ويقابلها في التلفزيون الأردني صناعة اسمها صناعة السذاجة والاستفزاز الوطني، وهي تتجلى أسبوعيا في برنامج يوم الجمعة الصباحي الشهير «يسعد صباحك» أو كما يسخر منه الأردنيون «يتعس صباحك».
البرنامج كان في بداياته عام 1994 أهم أيقونات التلفزيون الأردني، وهو في ألقه السابق إبداع الراحلة المخرجة فكتوريا عميش، وتخرج من البرنامج مبدعات في الإعلام الأردني، مثل السيدة منتهى الرمحي والسيدة صفاء سلطان والسيدة سالي الأسعد.
اليوم، البرنامج بطاقم إعداد فقير وهزيل، وإمكانيات إخراج قياسها على قدر زيت الإدارة الضعيفة، ومذيعة تسعى لأن تكون هي البرنامج، حضورها لا يتجاوز مزاج المسؤولين الراضين عن أدائها المصطنع، والمستفز للمشاهد الأردني.
حلقة الجمعة الماضية، كانت ملفتة، خصوصا أن وسائل التواصل الاجتماعي تحدثت عن الحلقة قبل بثها متوقعة بسخرية كل ما يمكن أن تجود به المذيعة بمحدودية ثقافتها التلفزيونية ومعرفتها السطحية بالأردن والأردنيين، ناهيك عن تصنعها اللهجة المحلية (وهي سليلة عائلات الكرك النبيلة).
..وفعلا، كان الضيوف من وجهاء المدينة، التي يتكثف فيها العقل السياسي الأردني، نجوم الهواء المباشر على التلفزيون الوطني، وبأدب ووقار الكبار عاتبوا الدولة وبذكاء العارفين التفوا على حيل مداخلات ومقاطعات المذيعة وتوجيهات سماعة الأذن، التي تتلقاها فأجابوا بما يليق ووقارهم وهيبة القلعة، التي تم البث منها.
في منتصف البرنامج، وخلاله، كان موجز الأخبار، وكانت مذيعة شابة جميلة الطلة كالكرك وهي منها أيضا، تلقي النشرة، كما يجب من أصول نشرات الأخبار، وعلى هواء الأردن وفي نهاية النشرة قامت ساندي الحباشنة، بقفل الموجز الإخباري بارتجال عبارات ولا أحلى، اجتذبها الأردنيون بكل مجسات القلب، والتقطوا الحركات على الكلمات فلمسوا اللهجة المحلية في وسط الفصحى البليغة، وقرأوا في ارتجال ساندي الحباشنة مختصر الوجع في القلب، بدون فذلكات ولا حيل إنتاج هزيلة، فكسبت المذيعة الشابة جمهور الناس لأنها منهم.
هذا خروج عن النص لأقل من دقيقة، يساوي صناعة إنتاج ترفيه مدته ثلاث ساعات، واستطاعت أن تسعد صباح جمعة الأردنيين المكلومين فعلا وقد اعتادوا تعاسة صباحات البرنامج لسنوات.
ضابط إيقاع رفيع المستوى برتبة مذيع
لكن تعاسة الإعلام وبؤس المحتوى لهما نجوم أكبر في العالم العربي، ومصر الآن في إعلامها الرسمي لها السبق، مع الاحترام لكل الأساتذة المحترمين القابضين على جمر الوقار والتاريخ المحترم.
«البت أماني» وهو الاسم الحركي في قصر الاتحادية الرئاسي للمذيعة أماني الخياط، تفوقت على كل مدارس التطبيل والتزمير وأثبتت أنها ضابط إيقاع رفيع المستوى برتبة مذيع.
في برنامجها «مباشر من العاصمة» عنّفت الأستاذة «البت أماني» الشعب المصري كله، بهدلته وعاتبته بقسوة، و أخبرته أنه الآن تحت عقاب إلهي مستحق، تمثل في الغلاء، لأنهم مستهلكون.
الأستاذة المحترمة، شدَّدت على ضرورة إفاقة المصريين، واصفة رئيسها السيسي بأنه «شخص أخلاقي»، وأنه يشعر بالأسى، لأنه يدرك أن ما حلَّ بالمصريين من غلاء الأسعار هو أداة تعليم إلهية لهم.
بصراحة، خلص الكلام، وأتخيل أن كبيرهم توفيق عكاشة سيقف مشدوها أمام الأستاذة «البت أماني» وقدرتها الإبداعية الجديدة.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة