رفعت الحكومة في مصر أسعار الوقود للمرة الثانية في أقل من عام، والثالثة في أقل من ثلاث سنوات، لتصبح أسعار المحروقات في مصر عند نحو ضعفي ما كانت عليه في عام 2013 أو أكثر بقليل، لكن هذه الكارثة على حجمها ليست الأكبر، إذا ما قورنت بارتفاعات الأسعار التي طرأت على السلع الأساسية والمواد التموينية.
وارتفاع أسعار السلع الأساسية بما فيها الوقود هو النتيجة الطبيعية والمنطقية لقرار تعويم الجنيه المصري الذي اتخذه البنك المركزي في شهر نوفمبر من العام الماضي، كما أن التعويم وارتفاع الأسعار ورفع الدعم الحكومي عن المحروقات، كلها نتائج طبيعية لشروط صندوق النقد الدولي وللأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها مصر. تقول الاحصاءات الحكومية الرسمية إنه يوجد في مصر حالياً 30 مليون فقير يعيشون بأقل من دولار ونصف الدولار يومياً، وإن أكثر من 5% من السكان (أي أكثر من خمسة ملايين شخص) يعانون من الفقر المدقع، أي أنهم لا يستطيعون تحقيق الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية، فضلاً عن أن نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون في المقابر، يُضاف إليهم عدد آخر من «سكان القبور» لا يخضعون للتعداد ولا الإحصاء، ولا يعلم إلا الله أوضاعهم المعيشية.
ارتفاع الأسعار ونسب التضخم العالية تعني أن أزمة الفقر ستتفاقم، وأن أعداد الفقراء ستزداد خلال الفترة المقبلة، والسؤال الذي يظل مطروحاً هل كان من الممكن تجنب هذا الوضع الاقتصادي الكارثي؟ أم أنه كان حالة لا مفر منها؟ والجواب على ذلك يستدعي التوقف عند جملة من الملاحظات:
أولاً: المحروقات تُباع اليوم في مصر بضعفي ثمنها، عندما كان برميل النفط في الأسواق العالمية يتجاوز المئة دولار، أي أن أسعار الوقود انخفضت في العالم إلى أقل من النصف وارتفعت في مصر ضعفين (البرميل حالياً بنحو 45 دولارا).
ثانياً: ارتفاع أسعار الوقود بنسبة إجمالية تتجاوز 200% لا يعني أن أسعار السلع سترتفع بهذه النسبة، وإنما تزداد بأكثر من ذلك بكثير، لأن أسعار الوقود تنعكس على سلع عديدة، ومن ثم تبدأ الارتفاعات بالتراكم، فضلاً عن أن هبوط سعر صرف الجنيه منذ التعويم أدى أصلاً الى ارتفاعات كبيرة في الأسعار، ما يعني أن العوامل التي تدفع الأسعار الى الارتفاع تزايدت، وبالتالي عوامل تدهور الوضع المعيشي للسكان تزداد هي الأخرى.
ثالثاً: اضطرار الحكومة في مصر لاتخاذ هذه الإجراءات الاقتصادية القاسية، ليس سوى تعبير عن أزمة عميقة؛ فالاقتصاد يختلف عن السياسة، حيث لا تجدي فيه المكابرة ولا إخفاء الأرقام. كما أن استقلالية القرار الاقتصادي لا تبدو سوى حُلم صعب التطبيق وبعيد المنال، ولذلك استجابت مصر لشروط صندوق النقد الدولي ووصفته العلاجية التي لا تراعي الفقراء ولا تلتفت لهم.
رابعاً: الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر، والتي انتهت الى هذه النتائج الكارثية ناتجة عن خلل واضح ومعلوم في الدورة الاقتصادية، أما أول وأكبر معالم الخلل فكان في تدخل المؤسسة العسكرية بالنشاط الاقتصادي، وتحول الجيش الى مؤسسة استثمارية ومنشأة تجارية واقتصادية، وعندما انشغل الجيش في السياسة وفي الحرب على الإرهاب دفع الاقتصاد المصري الثمن غالياً، وفي هذه المسألة تفصيل كبير وتحليل عميق.
خامساً: في شهر أكتوبر 2015 هبط احتياطي النقد الأجنبي لدى المركزي المصري الى أدنى مستوياته على الاطلاق، عندما هوى الى 16 مليار دولار، بعد أن كان فوق الـ36 ملياراً قبل ثورة يناير، ومع نهاية شهر مايو 2017 تمكنت السلطات المالية والنقدية في البلاد الى إعادته الى ما فوق الـ30 ملياراً، أي أن الإجراءات القاسية التي تم اتخاذها أنقذت موجودات البلاد من النقد الأجنبي، وبالتالي منعت العملة المصرية من الانهيار. علماً بأن موجودات البنك المركزي المصري من العملة الأجنبية كانت فوق الـ36 مليار مليار قبل ثورة 2011 ودون أن يضطر نظام مبارك حينها الى اتخاذ اجراءات قاسية من قبيل رفع أسعار المحروقات وخفض الدعم المخصص لهذه السلعة الأساسية.
خلاصة القول، والمسألة الأهم في كل هذه المعمعة الاقتصادية التي تشهدها مصر، إن ثمة ثلاثين مليون فقير في البلاد وثمة ثلاثين مليون آخرين يصطفون على طوابير الفقر، ومرشحين في أية لحظة للانزلاق الى ما دون خط الفقر، ليغادروا بذلك الطبقة المتوسطة، وينضموا الى ما هو دونها، وهؤلاء بحاجة لبرنامج إنقاذ وخطة إغاثة، وهذا البرنامج لا يقل أهمية عن أي شيء آخر.
كاتب فلسطيني
محمد عايش