لا يمكن لأي عاقل أن يصدق بأن سلسلة الحرائق التي التهمت مصر كانت مجرد مصادفة، أو أنها مجرد حدث عابر، وأنها ليست عملاً مدبراً ولا فعلة فاعل، فضلاً عن أنه ما من أحد يمكن أن يصدق أن الدولة التي تمتد جذورها في التاريخ لسبعة آلاف سنة مضت، ليس لديها إمكانات لاخماد حريق في غرفة فندقية مغمورة، ليتحول ذلك الحريق سريعاً إلى نيران تلتهم 300 عقار، أغلبها محلات تجارية.
لا يمكن مطلقاً تصديق أن الحرائق ليست بفعل فاعل، ولا يمكن تصديق أن تستمر الحرائق في التهام محلات تجارية وأسواق شعبية قديمة لمدة ثلاثة أيام، بدون أن تتمكن أكبر دولة عربية، وصاحبة أكبر جيش عربي في التصدي لهذه الحرائق.
في عام 64 للميلاد أحرق الأمبراطور الروماني الشهير مدينة روما، وتمكن حينها من إحراق 10 أحياء من أصل 14 حياً تتكون منها المدينة العريقة، استمرت الحرائق أسبوعاً كاملاً، كان الضحايا يصرخون ويستغيثون، بينما كان الامبراطور الديكتاتور يجلس أعلى برج ويتلذذ بمشهد الضحايا وهم يحترقون، بينما هو يستمع لموسيقى هادئة ويغني على وقعها ما يحفظ من أشعار! احترقت روما بالفعل قبل ألفي عام من اليوم، وهلك الآلاف من سكان المدينة، وكان ذلك الحريق تتويجا لأحكام ديكتاتورية لم تُشبع رغبات نيرون، فقد كان نيرون يتلذذ بإعدام معارضيه السياسيين ومن ثم يُلقي بجثثهم للكلاب حتى تأكلها.. بعد الحريق بأقل من أربع سنوات مات نيرون منتحراً، لكنَّ روما ما ماتت وشعبها لا زال حياً حتى اليوم، بل من يزور العاصمة الايطالية الان يكتشف أنه أمام المدينة الأغنى في العالم من حيث التاريخ والتراث والحضارة والآثار.
تحترق القاهرة اليوم وتلتهم النيران أحياءها وأسواقها واحداً تلو الآخر، في حريق ليس هو الأول، بل سبق أن أحرقها الحاكم بأمر الله فمات وانتهى، وبقيت أم العرب حاضرة صامدة، وفي بداية عام 1952 أحرقت سلطات الملك مدينة القاهرة مجدداً عقاباً لسكانها على التظاهرات والاحتجاجات، يومها التهمت النيران 700 منشأة في مصر، وبعدها بسبعة شهور فقط كان نظامُ الملك يتهاوى ويسقط، فهرب الملك وظلَّ المصريون في مدينتهم. تحترق القاهرة مجدداً الآن، ولا أحد يعلم ما هي الأهداف التي يريد المجرمون تحقيقها، لكن المؤكد أن الشعب لا يموت، وأن المدينة ستظل صامدة، وأن العابرين هم المجرمون مفتعلو الحريق فقط دون غيرهم.
وبغض النظر عما إذا كانت الحرائق عملاً جُرمياً مدبراً، أم أنها أحداث عابرة، فإن المؤكد هو أن شهادات الشهود تدل على وجود فضيحة من العيار الثقيل في تلك الأحداث، إذ كيف يمكن أن يستمر حريق «العتبة» ثلاثة أيام بدون أن تتمكن فرق الانقاذ من إخماده؟ وما معنى أن تكون فرق الإطفاء غير مجهزة وهي ترابط في قلب القاهرة وفي أماكن مكتظة بالسكان، وفي أسواق تقليدية قديمة وفقيرة تمثل واحداً من تراث البلد وتقاليده؟
أما الأدهى من ذلك والأمر، فهو أن الضحايا في «العتبة» كانوا طوال ثلاثة أيام يستغيثون بالجيش الذي لم يُقدم أو يؤخر، وهو الوحيد الذي يمتلك الطائرات والمروحيات والمعدات العملاقة في البلاد، فيما كان الجيش المصري قد قدم المساعدة في عام 2010 لاسرائيل من أجل مكافحة حرائق الغابات هناك، بينما غاب عن حريق العتبة والغورية ولم يقدم أي مساعدة للضحايا الذين كانوا يتوسلون بينما كانت النيران تلتهمهم مع أبنائهم وممتلكاتهم!
في روما انتحر نيرون بعد أربع سنوات على الحريق الكبير، وفي مصر مات الحاكم بأمر الله مقتولاً بعد فترة وجيزة من إحراقه للقاهرة الأول، أما الملك فاروق فما هي إلا سبعة شهور حتى ولى هارباً من القاهرة التي أحرقها بيديه.. واليوم يحترق المصريون بنيران تأكل عاصمتهم، لكن المؤكد بما لا يقبلُ الشك أن القاهرة ستبقى، وأن الشعب سيظلُ صامداً، وأن الدائرة ستدور على «نيرون مصر» الذي لا يُمكن أن يُفلح في هزيمة الشعب.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش