مصر: الشقوق في قشرة الإجماع الشعبي وتصدع الرواية الرسمية

■ يصعب على أي شخصٍ منا أن يتنازل عن أحلامه وأوهامه، فالحياة لا تعاش في أغلب الأحيان من دون قدرٍ ولو بسيط من الوهم، يسكّن الأوجاع ويقدم التفسيرات لقسوة الحياة وظلمها وتفاوتاتها.
بالتالي قد نتفهم ذلك التشبث العنيد من قبل الناس بالأوهام، خاصة إذا لم يكن لديها غيرها، فالبديل هو صحراء الواقع بكل فجاجته وقبحه، وكلما زاد الفقر والظلم والبطش زاد الاحتياج للوهم، وكلما زادت جرعة الوهم بات التخلص منها أكثر إيلاماً، ولا تفي كل كلمات الدنيا ومترادفاتها للتعبير عن قدر الألم والمرارة، اللذين يشعر بهما الناس، حينذاك أمام الهوة السحيقة التي يقفون على طرفها (إن حالفهم الحظ) أو يستيقظون على ترديهم فيها أو ارتطامهم في القاع إن لم يحالفهم.
ليس كمصر وناسها مثالٌ ناطقٌ، لا بل صارخٌ على ذلك، فالناس لا يريدون أن يصدقوا مدى التردي الذي وصلنا إليه، ويتوقون لتصديق أننا نتعافى وعدنا قوةً إقليمية كما كنا. بيد أن البلد بكل المؤشرات الموضوعية يواجه كارثةً وجودية بكل معاني وأبعاد الكلمة. فالدولة من الناحية الفعلية تكاد أن تكون دولة فاشلة: من انتقاصٍ لسيادتها على أراضيها، لفشلٍ في الاقتصاد والخدمات الخ. وعلى الرغم من كل التظاهر بعكس ذلك من قبل النظام وإعلامه، فإنه بتخويفه من نماذج العراق وسوريا وسائر نماذج الفشل الإقليمي ونعيقه اليومي عن الإرهاب، إنما يعترف بذلك، لكن ليس بالجديد أن يصرح النظام الحالي بالشيء ونقيضه، أو يرسل رسائل متضاربة في أحسن الأحوال وغير مفهومة في الأغلب الأعم. من الطبيعي إذن أن نسأل: ماذا يريد هذا النظام بالضبط؟ وما هي رؤيته للخروج من أزمته؟ أو بالأصح: هل لديه رؤية؟
تأتي الإجابة نفياً بالطبع، النظام مرتبكٌ مرتبك، ما في ذلك أدنى شك. يفتقد تماماً لأي بوصلة تهديه وأي رؤية حقيقية تتفهم أسباب المشاكل، وبالتالي تستطيع أن تتعامل معها. أقرب مثال الآن هو تلك الزيارة لليونان وتعليق بعض الصحف بأن ذلك التقارب بين مصر واليونان بمثابة رسالة لتركيا! لا أستطيع إلا أن أتوقف عند ذلك.. اليونان بطبيعة الحال على العين والرأس، إلا أننا مازلنا نذكر أن ذلك بلدٌ مفلسٌ تماماً كان على وشك الخروج من السوق الأوروبية في أزمةٍ عاصفة، وقفنا فيها إلى جانب خيار الشعب ضد سياسات التقشف التي تفرضها عليه القوى المستغلة، لكن أي منفعةٍ تلك التي ينشدها السيسي من زيارته لذلك البلد المنهك؟ نحن نعرف انحيازه وانحياز نظامه البعيد كل البعد عما مثلته الأزمة اليونانية من صراعٍ مع رأس المال، وانتصار السيطرة الشعبية على الاقتصاد… الأمر لا يعدو في حقيقة الأمر «مكايدةً لتركيا»، أيضاً قد أفهم أن تكون هناك خصومة أوعداء سياسي مع تركيا، لكن «كيد النسا» لن يحلها ناهيك عن أن يقوي دور مصر.
ما ذلك إلا مثالٌ على التخبط، فالنظام يحاول ترميم نفسه لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك، أو بالأصح محكومٌ بانحيازاته بالابتعاد عما قد يصلح حلاً… يريد القوة ولا يعرف طريقها… يرقع نفسه ويسد الفجوة بين الحلم والواقع المتردي بالأكاذيب.
لكن على الرغم من سيل الإعلام المزور للحقائق الذي يلتزم بالتدليس والاختلاق التزاماً دينياً، فإن تواتر المؤشرات ينطق بواقعٍ غير ذلك تماماً. على المستوى الاقتصادي هناك القروض من مؤسسات الإقراض العالمية لسد عجز الموازنة وإبقاء المركب طافيا، وتدني احتياط النقد الأجنبي، وذلك الاقتراح المضحك من الرئيس السيسي بتبرع العاملين بالخارج بمئة دولار لكلٍ منهم، وأخيراً وبالتأكيد ليس آخراً في مسلسل المهازل والأزمات قرار التحكيم الدولي بإلزام الشركات الوطنية المصرية بدفع تعويضاتٍ لإسرائيل تزيد عن المليار دولار، لكن إسرائيل تبعث ممثلاً للقاهرة للتفاوض بشأن هذا، حرصاً على العلاقات المميزة… ليس لدينا شك في تلك العلاقة المميزة، على الرغم من كل الحديث عن المؤامرات الصهيو- أمريكية التي لا نرى شواهد عليها.. فقط شواهد على التنسيق الأمني والتعاون مع إسرائيل، مصر لم تدع إلى المؤتمرات لحل الأزمة السورية، بينما الدور العربي تضطلع به السعودية، والأمثلة على ضياع الدور كثيرة.
وهناك أيضاً أزمة سد النهضة التي لا يصارحنا أحد بما يحدث في مفاوضاتها، وإن كانت كل الشواهد توحي بالتخبط والتفريط والقبول بالكارثة المقبلة كقضاءٍ لا راد له.
على صعيد السياسة، هناك برلمان انتُخب أعضاؤه في ظل إقبالٍ شديد الهزال من الناخبين، وفي مزادٍ علني منحط لشراء الأصوات أوصل المهرجين والمخبرين لكراسي ممثلي الشعب، فأنعم به من مجلس.. سيطر النظام في ما قبل على النواب، لكن أن ينتخب مخبرون علنيون يقدمون برامج تبث تسجيلات أمن الدولة لأشخاصٍ على الهواء، فهذه جديدة وخطوة أخرى نحو قاع الانحطاط، إن كان له قاع.
أزمةٌ اقتصاديةٌ خانقة تتفاقم وأزمةٌ سياسية لم تحل ولا تبدو أي نية على حلها. المجال العام مصادر تماماً ومحاولات إصلاحه محاصرة بقوانين منع التظاهر والاختفاء القسري الخارج حتى عن إطار قوانين قراقوش. السؤال هو: هل سيتراجع السيسي ويغير اتجاهه وانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية؟ هناك الكثير ممن يطرحون هذا السؤال مقررين أنه عليه أن يحسم أمره. في رأيي أنه قد حسمه منذ زمنٍ بعيد، منذ البداية وقبل أن يصل إلى السلطة رسمياً.
سيستمر الإعلام في كذبه محاولاً تجميل القبح ونسج الوهم وبيعه، لكن شقوقاً بدأت تظهر في الرواية الرسمية، أو بالأصح في تقبل الناس لها. ربما لا تبدو بارزة للعيان وربما هناك الكثيرون ممن لا يزالون يصدقون، لكن ذلك الإجماع والدعم وراء السيسي سينحل قشرةً وراء الأخرى من الخارج حتى لن يبقى حوله سوى المستفيدين وقلب الدولة الأمني… حتى حين.
كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية