مصر توحد قيادة جيشها لخوض «حرب عصابات مفتوحة» في سيناء وسط أسئلة صعبة حول استراتيجية محاربة الإرهاب

حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»:أثارت الهجمات الأخيرة التي استهدفت مواقع ومقار عسكرية وأمنية في شمال سيناء، في تطور «نوعي»، في وسط مدينة العريش، وخلفت عشرات القتلى والمصابين، استفهامات عدة حول مدى نجاح استراتيجية الحكومة المصرية في مواجهة الإرهاب، لاسيما أن تلك العملية جاءت بعد إغلاق الأنفاق وإقامة المنطقة العازلة في رفح، وبعد نحو ثلاثة شهور فقط من عملية «كرم القواديس» في مؤشر على أن التنظيمات الإرهابية في سيناء باتت تعتمد على التخطيط لعمليات كبيرة الحجم وعالية التأثير في النظام السياسي في مصر.
إلا ان الهجمات أظهرت التفافا شعبيا كبيرا حول ضرورة القضاء على الإرهاب، ما أدى إلى تصعيد الضغط على النظام لاجراء مراجعة شاملة لخططه.
وبالفعل أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي تخصيص عشرة مليارات جنيه لتعمير سيناء في اعتراف نادر من الدولة بأن المواجهة الأمنية وحدها فشلت في هزيمة الإرهاب.
وحسب خبراء فإن هجمات العريش المتزامنة تعكس حرفية عالية في التنفيذ والتخطيط، وثقة في النفس، واعتمادا على دعم لوجستي من القبائل المحلية، ما يمثل تحديا كبيرا أمام الجيش الذي يجد نفسه مضطرا إلى خوض حرب عصابات مفتوحة في مناطق آهلة بالســكان، وهو تحد صعب لما يحمله من خطر وقـــوع ضحايا من المدنيين.
وقد شدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في خطابه الأخير على ضرورة الحفاظ على حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب سواء في سيناء أو الوادي. وعلى خلاف الحروب النظامية التي تدرب الجيش عليها، تتطلب حرب العصابات اعتماد خطط وتكتيكات مختلفة، بينها توسيع التعاون مع القبائل، ما يحتم النظر فيما تعانيه من مظالم حقوقية وأمنية واقتصادية، ثم زيادة نشر القوات الخاصة، والكمائن الأمنية المتحركة بدلا من الثابتة تفاديا للقصف المدفعي والهجمات الانتحارية.
وبعد أن قرر السيسي، تعيين قيادة موحدة لمنطقة شرق قناة السويس برئاسة الفريق أسامة عسكر، قائد الجيش الثالث الميداني ثارت تساؤلات عدة في الشارع المصري: ما معنى هذا القرار؟ وما أهدافه؟ ومن هو أسامة عسكر الذي تم تكليفه بهذه المهمة؟ وهل سيقضي القرار على الإرهاب في سيناء؟ وكيف حدث هذا الهجوم بعد غلق الأنفاق وإقامة المنطقة العازلة في رفح؟ وغيرها من الأسئلة، التي طرحتها «القدس العربي» بدورها على ممثلين لأهالي سيناء وخبراء عسكريين.
براءة الأنفاق

وقال الدكتور نعيم جبر المنسق العام لقبائل شمال سيناء لـ»القدس العربي»، «الحادث الأخير حدث بعيدا عن الأنفاق بحوالي 50 كيلومترا وفي وقت الحظر ليلا في الساعة السابعة والثلث مساء. اعتقد ان هؤلاء الإرهابيين لو كانوا خرجوا من الأنفاق لتم التعرف عليهم، لذلك فهذا الحادث غير متعلق بالانفاق نهائيا لانه تم تهجير السكان واقاموا منطقة عازلة وانتهت الأنفاق، ولكن تلك العملية تعد نوعية استخدمت فيها الأسلحة والصواريخ المتطورة والأقمار الصناعية والأشخاص المدربون على أعلى مستوى».
وعن رأيه في مبلغ الـ10 مليارات جنيه الذي تم تخصيصه لتنمية سيناء، قال جبر «السيسي قام بتوحيد القيادة العسكرية بقيادة الفريق أسامة عسكر، فالسؤال هو هل هذا المبلغ تحت يد أسامة عسكر أم الجهاز الوطني لتنمية وتعمير سيناء؟ فلو كان هذا المبلغ تحت يد جهاز تعمير سيناء فسوف يتم تعمير سيناء وهذا ما نأمل به، أما إذا كان هذا المبلغ تحت يد الفريق أسامة عسكر فلن يتم تعمير سيناء، لأن الجيش لن يعمر سيناء، نحن نريد معرفة لمن سيذهب هذا المبلغ بالتحديد؟».
وعن رأيه في قرار السيسي بتشكيل قيادة موحدة، قال «القرار له بعدان، البعد الأول انه جعل مبلغ الـ10 مليارات جنيه تحت تصرف الجيش وقائد واحد ولكنه كان في الماضي تحت قيادة الجيش الثاني والثالث وترجع لرئيس الأركان، أما البعد الثاني وهو ما نراه الآن ان هناك خللا في العملية الأخيرة داخل الجيش وأنا أعتقد ذلك، لان هذا كان اختراقا لكتيبة محصنة من كافة الاتجاهات ولا أحد يستطيع الاقتراب منها حتى أثناء النهار، فالرئيس السيسي يحاول بقدر المستطاع إنشاء قيادة موحدة وان يحزم القيادة في سيناء».

قيادة موحدة

من جانبه، قال اللواء احمد رجائي، الخبير الاستراتيجي ومؤسس الفرقة 777 لمكافحة الإرهاب، عن رأيه في قرار السيسي بتعيين قيادة موحدة برئاسة الفريق أسامة عسكر «هذا إجراء طبيعي وسبق أن اتخذته القيادة السياسية من قبل عندما قامت بتعيين قائد للمنطقة الشرقية وهو اللواء الشرقاوي في الستينيات.
وعندما قامت الحرب بيننا وبين ليبيا كان هناك قائد للمنطقة الغربية وهو اللواء حسن أبو سعدة، كما اتخذته بريطانيا في الحرب العالمية الثانية عندما أنشأت قيادة موحدة لها في منطقة العلمين بقيادة مونتغمري، فهذا ليس غريبا».
وأضاف عطية «هذا القرار يعني أن تكون إمارة الجيشين الثالث والثاني تحت قيادة أقدم القيادات فيهما، وهو هنا الفريق أسامة عسكر، وستكون تحت يده كافة الصلاحيات الممنوحة لقائد عسكري من قوات بحرية وجوية ومشاة ومخابرات حربية وغيرها من فروع الجيش، ويعمل باستقلالية مطلقة دون الحصول على إذن من رئاسة الأركان إلا في حالات الضرورة القصوى والشديدة».
وقال عطية «أعتقد انه بهذا القرار أو بدونه سيتم القضاء على الإرهاب في سيناء لأن هذا القرار يمنح صلاحيات كاملة ومحددة للفريق أسامة عسكر بتوحيد سيناء الشمالية والجنـــــوبية، لمواجــــهة الإرهاب وتركيز العمليات العسكرية، ومنع التضــــارب في القرارات، وتسهيل العمل بديناميكية وفاعلية، ويعني أن الجيش المصري نقل معركته بالكامل من خلال قيادة موحدة منبثقة من كافة فروعه إلى سيناء للخلاص نهائيا من الإرهاب وتطهيرها من العناصر الإرهابية التي تشن عملياتها ضد الجيش والشرطة».
لاحاجة لأسلحة من الخارج

وقال اللواء طلعت مسلم، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ»القدس العربي»، عن معنى القرار الذي اتخذه السيسي «إنشاء القيادة الموحدة يعني إقصار الزمن لتنفيذ القرار واتخاذ القرار بشكل أفضل، والهدف منه تنسيق الجهود لكافة القوى الموجودة في منطقة سيناء لتحقيق أفضل نتيجة، وسوف يساهم القرار في الحرب ضد الإرهاب، أما القضاء على الإرهاب فاعتقد انه لا توجد جريمة تنتهي، وبالتالي أيضا جريمة الإرهاب لم تنته ولكنها ستقل إلى حد كبير، والإرهاب موجود في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة».
وعن حدوث الهجمات الأخيرة بالرغم من إقامة المنطقة العازلة وإغلاق الأنفاق، قال اللواء طلعت «الحوادث التي تمت لا تتطلب بالضرورة دخول معدات من الخارج، فهى كانت عبارة عن سيارات مفخخة وقذائف هاون وتلك الأشياء تمتلكها العناصر الإرهابية بكثافة فلا تحتاج لدخول شيء عبر الأنفاق، ولكن إذا لم تكن المنطقة العازلة قد اقيمت لكانت هناك امكانية أكبر لدخول أسلحة أخرى وبالتالي زيادة العمليات الإرهابية».
وعن رأيه في تكليف الفريق أسامة عسكر بتنمية سيناء، قال «الفريق أسامة عسكر قائد كبير، ومنذ فترة طويلة وهو في قيادة الجيش الثالث وبالتالي كان سينتقل عاجلا أم آجلا من هذا المنصب، بالاضافة إلى انه أثبت كفاءة عالية في قيادته للجيش وحصل على ثقة عالية من القيادة، فضلا عن علاقته بأهالي السويس التي كانت جيدة أثناء وجوده في الجيش الثالث».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية أن قرار تشكيل هذه الوحدة يعني توسيع العمليات العسكرية في سيناء واعطاءها حق استخدام قوات وآليات الجيش الثاني والثالث الميدانيين، وأن هذه القيادة ستوجد بشكل دائم في سيناء ولن تكتفي فقط بالزيارات الميدانية.

المنطقة العازلة

ومن جانبه قال اللواء عادل سليمان، الخبير العسكري والاستراتيجي «هذا القرار يعني توحيد القيادة والسيطرة على العمليات التي تجري في شبه جزيرة سيناء بغض النظر إن كانت ستقضي على الإرهاب أم لا، لأن العالم بأكمله يحارب الإرهاب منذ ثلاثين عاما ولكنها ستعمل على محاربة الإرهاب، فالمسؤولية في سيناء كانت موزعة بين قيادتين هما قيادة الجيش الثاني وقيادة الجيش الثالث، والآن تم تشكيل قيادة واحدة والسيطرة على جميع العمليات العسكرية التي تتم في سيناء وإحكام إدارتها».
وعن حدوث الهجمات الأخيرة بالرغم من إقامة المنطقة العازلة واغلاق الأنفاق، قال اللواء عادل سليمان «المنطقة العــــازلة لم تمنع وجود الإرهاب، لان تلك المنطقة تقع في حدود رفــــح ما بين الـــحدود المصــــرية مع غــزة وهي 13 كيلومترا وتلك المساحة القليلة لم تمنع الهجمــــات لأن حـــدودنا الشـــرقية 270 كيلومترا والمنطقة العازلة تقع في شريحة معينة».
وأضاف «مساحة سيناء 62 ألف كيلو متر مربع والمنطقة العازلة 13 كيلو مترا مربعا من الحدود فلا توجد مقارنة بين الرقمين ولذلك فالعناصر الإرهابية موجودة ومنتشرة في سيناء والمنطقة العازلة لم تمنع من تواجد تلك العناصر».
والجدير بالذكر ان بيان تنظيم الدولة والذي نشر علي الصفحة الرسمية الخاصة بالتنظيم في مصر وأيضا على حسابه الرسمي على موقع «تويتر» أوضح «ان حوالي 100 من أعضاء التنظيم وكما لقبهم البيان «أسود الخلافة» قد شاركوا في الحادث الأخير في سيناء والذي لقبوه أيضا بغزوة مباركة، حيث قام مسلحو تنظيم «دولــــة مصر» بشن هجمات متزامنة على مقار أمنية وتجمعات للجيش والشـــرطة في ثلاث مدن في محافظة شمال سيناء ، وقد أوضح البيان «ان الهجمات الإرهابية التي شنوها علي معسكرات جنود الجيش والشرطة في سيناء قد بدأت في الساعة السابعة والنصف وذلك عقب سريان حظر التجوال وحفاظا على حياة المسلمين»، على حد وصف البيان.

لن نترك سيناء

ورد تكتل القوى الثورية على البيان الذي أصدرته جماعة الدولة وبدأته بقولها «قسما لنثأرن» قائلا لهم «قسما لننتصر وقسما انكم لمهزومون».
وأكد تكتل القوى الــــثورية «أن على كل إرهابي جبان امتدت يده الآثمة إلى جنودنا أن يعــلم علم اليقين أن يده ورأسه ستقــــطع، وأن المســـألة مسألة وقت ليس إلا وأن النصر حليف المصــــريين وأن الهزيمة والهوان لصيقان بمن عاداهم وتـجــرأ عليهم».
وأشار تامر القاضي عضو المكتب السياسي لتكتل القوي الثورية إلى أن شهداء مصر من جنودها البواسل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله وأن العزاء الوحيد لنا كأحياء إن ننتقم ونثأر لهم، لذلك يجب علينا أن نرفع مظاهر الحداد وأن نكف عن التعازي حتى نشفي صدورنا بالانتقام. ونوه القاضي إلى ان الإرهاب الأسود لن يزيد الشعب المصري إلا قوة وترابطًا وتلاحمًا وأمنه والذي يجب على كل مصري شريف دعمه بكل ما يملك .
يذكر ان الرئيس عبد الفتاح السيسي قال في الاجتماع الذي جمع كبار قادة الجيش إن المواجهة ضد «الإرهابيين» التي تخوضها بلاده «صعبة وقوية وشريرة وستأخذ وقتا طويلا» ، وأضاف «أن من سيدفع ثمن هذا الوقت هو كل المصريين لأن أولاد الجيش والشرطة هم أولاد المصريين».
كما اتهم السيسي جماعة الإخوان المسلمين بشكل غير مباشر بالوقوف وراء الهجمات على الجيش، قائلا إن «مصر تجابه أقوى تنظيم سري في العالم»، رغم ان الاخوان اصدروا بيانا يدينون فيه التفجيرات.

منار عبد الفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية