مصر: ثبات في الانحيازات وتخبط في الأداء وفشل في النتائج

خلسةً أحالت الحكومة في مصر الاتفاقية التي تتنازل بموجبها عن ملكية جزيرتي تيران وصنافير للملكة العربية السعودية ومجلس النواب، رغم صدور حكمٍ قضائيٍ نافذٍ ببطلانها، الأمر الذي يعكس إرادة وتصميم النظام والسلطة التنفيذية، وعلى رأسها الرئيس السيسي، إنهاء عملية التسليم، في سابقةٍ أكاد أجزم بأنها فريدة في التاريخ.
قبل ذلك وعلى صفحةٍ كاملة في العديد من الصحف على رأسها الصحف القومية يوم الثلاثاء الموافق السابع والعشرين من ديسمبر، وجهت تسع جمعيات مستثمرين في مناطق شتى في أنحاء مصر، استغاثةً لرئيس الجمهورية بوصفه راعي الاستثمار في مصر، للتدخل لإنقاذهم ومشاريعهم من إفلاسٍ وخرابٍ محدقين، بما يهدد ما يقارب المليوني عامل وأسرهم، جراء تحرير سعر صرف الجنيه، المعروف شعبياً بالتعويم، الذي لم يطفُ الجنيه من بعده حتى وقتنا هذا؛ ولما كان الرئيس وراء كل القرارات والسياسات بشهادته وحكومته، وتباهي المقربين منه ومن احتكوا به، باهتمامه الفائق بالتفاصيل، فإن ذلك الالتماس يغدو نوعاً من (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)..
أمرٌ مدهشٌ وعجائبي حقاً.
إثر ذلك ألغى محافظ البنك المركزي طارق عامر اجتماعاً مع ممثلي الجمعيات التسع لإصرارهم على حضور ممثلٍ مصرفي وآخر قانوني، ولا أظنني بحاجة للتعليق.
في السياق الزمني نفسه أصدر «الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين» الذي يضم الجمعيات التسع، سالفة الذكر، بالإضافة لاثنتين وأربعين أخرى، بياناً يرفض فيه استغاثتهم، مؤكداً الثقة في الرئيس ورئيس وزارته الخ.. وكأن السمك الكبير يأكل الصغير.
قبل ذلك كان هناك سحب ممثلي مصر في الأمم المتحدة لمشروع قرار إدانة بناء المستوطنات، أجل، هو المشروع نفسه الذي تقدم به ممثلو مصرنفسهم قبل ذاك بيومين، ممثلين عن العرب مكللين مجهودات شهور من العمل الدبلوماسي المصري الشاق، وإذ باتت تفاصيل ذلك السلوك الغريب المشوق معروفة وتأكدت الاتصالات على مستوى رؤساء الدول، فليس ثمة مجال لإعفاء الرئيس السيسي من المسؤولية.. مدهشٌ بقدر ما هو مخز.
وقبل ذلك تفجير الكنيسة البطرسية التي أعلمنا بالأمر المباشر أن لا نقول إن هناك تقصيراً أمنياً-على ذلك فتسلل إرهابي لقلب كنيسة تاريخية بجوار الكاتدرائية المرقسية في وقت الذروة من العام بمناسبة الأعياد مجرد صدفة أو سوء حظ.. شيءٌ يحدث.
كما يوازي كل ذلك قانون الجمعيات الأهلية الجديد المزمع تمريره، وما ليس سراً من الاختفاءات القسرية والاعتقالات وقانون التظاهر وأشباهه وأحكام الإعدام بالجملة.
أظن أن السرد والتعداد يكفيان ويغنيان عن أي تعليق، فالوقائع تتحدث عن نفسها، وفي ضوئها نستطيع أن نتحدث عن طبيعة نظام وأداء يلخصها ثباتٌ في الانحياز الاجتماعي، وتخبطٌ في الأداء والتنفيذ، وسط مشهدٍ ما يني يزداد ارتباكاً وتشوشاً وفقراً وإفقاراً وقمعاً، وتصاحب ذلك محاولاتٌ يائسة، مآلها الفشل في حقيقة الأمر، من قبل النظام وأبواقه لترميم صورته وإضفاء أي منطقٍ على تضارب تصرفاته واندفاعاته الهوجاء غير محسوبة العواقب.
تفريطٌ في الأرض وتخبطٌ وفشلٌ في الاقتصاد والسياسة الخارجية والسياسة الداخلية، بحصار وضرب النشاط الأهلي والسياسي، وفشلٌ أمني بمعناه الحقيقي(أي تأمين المواطنين من الإرهاب والجريمة، لا ترويعهم وحبسهم وتعذيبهم وقتلهم). يقيناً أن أي كلامٍ عن سابق تخطيطٍ ودراسةٍ متأنيةٍ وحسابٍ للتكلفة والعواقب الاجتماعية بات ممجوجاً ومرفوضاً، فالنظام بالتأكيد مأزومٌ تماماً، وحبيس اختياراته يشبه فأراً في مصيدة، فالمشير بحق هنا في متاهته كما كتبت سابقاً. الأكيد والثابت أن الانحياز الاجتماعي واضحٌ ناصع، والنظام يسير وفق إملاءات الصندوق ووفق وصفته الشهيرة، فأقدم على تعويم الجنيه، وهو ماضٍ في رفع الدعم عن كل الخدمات والسلع متملصاً من كل التزاماته التقليدية السابقة (بغض النظر عن مدى رداءة مستواها)، وها هو الآن يفاجأ بتبعة ذلك الاجتماعية من تلاشٍ لشعبية النظام والرئيس السيسي، خاصة لدى الشرائح والطبقات الدنيا اقتصادياً، التي رفعته في ما مضى، بل وتنامي حالة الاستخفاف والسخرية من تصريحاته وقراراته، وكافة الوعود بتحسن الأوضاع، وسخطٍ وتذمرٍ متناميين لا يحجمهما سوى الخوف من البطش، الخوف الذي نجح زرعه من مصائر دول الجوار، ومن ثم فقدان الثقة في البدائل. في المقابل فهو لا يستطيع العودة عن طريقه وانحيازاته (ولا يريد) ولا التنكر لمانحيه.
وتكمن المشكلة الكبرى في أنه يريد أن يرضي جميع الأطراف العالمية والإقليمية، على الرغم من تنافر مصالحها أو تعارضها أحياناً، متصوراً أنه بالفهلوة يستطيع أن يضحك على الجميع، وما سحب مشروع القرار في مجلس الأمن سوى دليلٍ دامغٍ على ذلك، فمن ناحية كان يتصور أنه بذلك سيستطيع أن يحرز سبقاً خطيراً يلمع صورته داخلياً وخارجياً، والأهم أن يضيف أوراق ومسوغات اعتماده عربياً، بما يناسب قامة مصر التاريخية ودورها المحوري في القضية العربية الأقدم، إلا أنه وفاء لميراث السادات تنازل عن ورقة الضغط تلك متراجعاً، وبلا مقابل محدد. الحقيقة أن الرئيس السيسي مترئساً نظامه يتشبث معلقاً بين حبالٍ عديدة، وسوف ينتهي أحدها على الأرجح بخنقه.
ملحوظةٌ أخرى شديدة الأهمية في رأيي تتعلق بتلك «الاستغاثة» من جمعيات المستثمرين التسع، فهي أولاً تلفت الانتباه كون السمك الصغير من الطبقة التي ينحاز لها الرئيس لم تبدأ بالمعاناة فحسب، وإنما هي تئن، بيد أنها بذلك تعبر عن مدى رثاثتها كطبقة، فالبورجوازية المصرية طبقة بائسة كسيحة، لن تستطيع تنظيم نفسها أو إنجاز أيٍ من المهام التي قامت من أجلها الثورة، لا الديمقراطية ولا العدالة الاجتماعية، وإذ تواجه شبح الفقر والانزلاق لمصاف العمل المأجور ما تزال تخشى الثورة، فهي إذن بين مطرقة النظام وسندان الجماهير، تائهة خائفة عاجزة.
فالشاهد أنها الآن تواجه خطر الإزالة من قبل السمك الأكبر وعلى رأسه، وذلك تطور وملمحٌ شديد الخطورة، القوات المسلحة، إذ ليس من شك في أنها باتت أحد أكبر المستثمرين ( إن لم تكن أكبرهم بالفعل) مستفيدةً من تخصيص المشاريع بالأمر المباشر والإعفاءات الجمركية، دون الخضوع لضرائب وعمالة بالسخرة، وكل تلك العوامل تمنحها مزايا تنافسية يستحيل من الناحية الفعلية مساواتها أو حتى الاقتراب منها.
يوماً بعد الآخر يزداد الدفاع عن النظام صعوبةً، وكذلك ترميم صورته، فلم تعد الوعود تصدق ولم تعد الأكاذيب تنطلي على أحد سوى من يملك رفاهية الإنكار، ليبقى السؤال: كم يستطيع أن يطيل من مسلسل الابتذال هذا؟
كاتب مصري

مصر: ثبات في الانحيازات وتخبط في الأداء وفشل في النتائج

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية