قررت النيابة العسكرية امس حبس الصحافي والحقوقي المصري حسام بهجت اربعة ايام على ذمة التحقيق بعد ان وجهت اليه تهما بـ «نشر اخبار كاذبة تهدد الامن العام والسلم الاجتماعي» اثر نشره انباء عن ضباط قال انهم متهمون بـ «محاولة انقلاب». وتزامن القرار مع احالة المذيعة في التلفزيون الحكومي المصري عزة الحناوي إلى التحقيق ووقفها عن العمل بتهمة «الخروج عن المهنية» بعد ان طالبت بمحاسبة كافة المسؤولين في الدولة عن كارثة الامطار في الاسكندرية، بمن فيهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الى جانب كلام وجهته اليه مباشرة واعتبر «ابداء للرأي» و»خروجا عن النص».
انها هجمة جديدة على حرية الرأي التي تعرضت بالفعل الى اعتداء غير مسبوق عندما تم اعتماد قانون مكافحة الارهاب مؤخرا، ويبدو ان ما يحدث ليس سوى مقدمة لهجمات اوسع.
اما القاء القبض على رجل الاعمال صلاح دياب مؤسس جريدة «المصري اليوم» فليس بعيدا عن هذه الاجواء، خاصة ان القضية التي يحاكم فيها ، وتتعلق باهدار المال العام، كانت مدفونة في اروقة المحاكم منذ سنوات بدعوى «انتظار آراء الخبراء»، كما طرحت النيابة على المتهمين فيها صيغة للتصالح، قبل ان تقرر فجأة تجميد ارصدتهم ثم القاء القبض على دياب دون غيره من المتهمين وبينهم محمود الجمال صهر جمال مبارك.
اما «اصل الحكاية» فيكمن في خطاب السيسي الاخير الذي شن فيه هجوما غير مسبوق ضد الاعلاميين، وخص احدهم دون ذكر اسمه، وتتلخص (جريمته) في انه قال ان «السيسي يجتمع مع رئيس شركة سيمنز واسكندرية بتغرق»، وكان هذا كافيا ليفقد رئيس الجمهورية اعصابه، ويوجه كلاما قاسيا خلاصته توجيه اللوم لكل من ينتقدونه، والتأكيد على ان «قطاع الاعلام ليس استثناء ويعاني كارثة مثل القطاعات الاخرى في الدولة».
كان هذا الخطاب اذن «كلمة السر» الى الاجهزة المعنية. اغلب الاعلاميين استوعبوا الرسالة ايضا بحكم خبراتهم السابقة. قال احدهم على الهواء» المطلوب منا ان نطبل فقط». اما هذه الاجراءات السريعة فجاءت لاقناع بعض «بطيئي الفهم» الذين ظنوا ان القضية لا تعدو أن تكون حادثة منفردة ازعجت الرئيس.
اما بالنسبة الى صلاح دياب، فالرسالة واضحة الى رجال الاعمال خاصة ممن يملكون قنوات فضائية، ومفادها: «انتم تعرفون اننا نستطيع ان نعيد فتح ملفاتكم القديمة، والافضل ان تقفوا معنا».
وليس من المصادفة ان تتزامن هذه التطورات مع عودة «رموز الاعلام الامني» الى الصدارة سواء في التلفزيون الحكومي او القنوات الخاصة، بمن في ذلك اولئك الذين اضطروا الى الفرار مذعورين من مكاتبهم بعد ثورة يناير.
وعلى الرغم من ان قليلين جدا ربما تابعوا الموقع الذي نشر تقرير الصحافي المعتقل او سمعوا كلام المذيعة الموقوفة عن العمل، الا ان النظام يعاني من هاجس يصور له ان بقاءه مرتبط بوجود اعلام داعم له دائما(..)، وهو يخاف ان يؤدي تجرؤ الاعلام عليه الى تحريك الشارع. وبكلمات اخرى فان عينه على الاعلام اكثر مما هي على الشارع نفسه، وهذا تكرار معيب لاخطاء نظام الرئيس الاسبق حسني مبارك.
ومن المؤسف ان كثيرا من المثقفين والاعلاميين قرروا غض الطرف عن هذه الانتهاكات الواضحة لحرية التعبير، وكأنهم يتواطؤون مع النظام في رهان على «عدم ممانعة» اغلب المواطنين لقمع الحريات مع انشغالهم في ازمات متلاحقة تبدأ من السيول والامطار ولا تنتهي عند غلاء الاسعار بعد ارتفاع الدولار مؤخرا.
اما الواقع فان ما يحدث في مصر حاليا هو «قمع غير مسبوق»، وليس «حرية رأي غير مسبوقة» كما قال السيسي في تصريحاته أكثر من مرة. والقضية هنا ليست الحالات المذكورة فقط بل عشرات من النشطاء والكتاب والصحافيين يقبعون وراء القضبان. ومنهم الصحافية إسراء الطويل التي حركت دموعها قبل أيام قلوب المصريين، حتى ان بعض الاعلاميين المؤيدين للنظام طالبوا بالافراج عنها.
اما انتقاد اولويات رئيس الجمهورية وسياساته ولقاءاته مع هذا المسؤول او ذاك فهو من بديهيات حرية الرأي. وحتى اذا جاءت بعض الانتقادات للسيسي حادة او غاضبة فان هذا يبقى طبيعيا خاصة ان الامطار تسببت في مقتل عشرات المواطنين خلال الايام القليلة الماضية.
فهل سيدرك النظام قبل فوات الاوان ان الزمن لن يعود الى الوراء في مصر، وان هذا النهج الشمولي في الحكم لم يعد واردا بعد كل التضحيات التي قدمها المصريون في السنوات الاخيرة؟
رأي القدس