مصر: خلاف مع الرئيس

الرئيس السيسي قال أخيرا إنه «لا يزعل» من أحد، ولا يغضب من نقد ولا اختلاف، فاللهم اجعل كلامنا خفيفا على قلب الرئيس، وعلى معدة الأجهزة التي تتطوع لتقديم الخدمة الغشوم «عمال على بطال «.
وقال الرئيس ـ في الاتصال الهاتفي ذاته مع قناة «أوربت» ـ أنه وفريق معاونيه فشلوا في التواصل مع الشباب، وهو اعتراف في محله تماما، لم ينس معه الرئيس روايته المفضلة عن انهيار الدولة، وأن هدفه هو تثبيت الدولة، وهذا كلام لا بأس به في العموم، وإن كان الرئيس قد أخطأ ـ في ما نظن ـ في تاريخ بدء ما يسميه انهيار مصر، ودفعته الرغبة في المبالغة إلى مد أجل الانهيار، والقول إنه بدأ منذ خمسين سنة، وبعد هزيمة 1967كما قال.
والحق أن الرئيس السيسي ليس وحيدا ولا فريدا في التوقف عند 1967، واعتبارها نقطة النهاية لمشروع النهوض الناصري، فثمة فريق كامل من المتابعين والقارئين للتجربة الناصرية، وبعضهم من أشد المتحمسين لها، يرون أن جمال عبد الناصر مات في 5 يونيو 1967، وليس في 28 سبتمبر 1970، وهم يقصدون بالطبع مشروع عبد الناصر، وهذا انطباع خاطئ تماما في تقديرنا، وقد ينطوى على فوائض عواطف مجازفة، بأكثر مما ينبني على حقائق ومعلومات صحيحة، وعلى تقييم دقيق للتاريخ، وعلى قراءة حقيقة ما جرى بعد هزيمة 1967، وقد كانت حدثا كارثيا بامتياز، كشف خللا مدمرا في بنية وقيادة الجيش قبل الهزيمة المخزية، واستئثار جماعة عبد الحكيم عامر وأزلامه بالجيش بعيدا عن سلطة وعين ورقابة جمال عبد الناصر، وربما لأسباب تعود إلى خطأ قاتل ارتكبه عبد الناصر نفسه، فقد غلبته عواطف صداقة مميتة مع شخص عبد الحكيم عامر، ولم يكن يصح لها أن تتغلب، ولا أن تمنع عبد الناصر من تسريح عامر عقب حرب 1956، وتأخر القرار إلى أن وقعت الهزيمة الخاطفة في 1967، وظلم الجيش الذي لم يقاتل، وأمرته قيادته العسكرية العاجزة بالانسحاب المهلهل، وترك سيناء لقمة سائغة للاحتلال الإسرائيلي، وهي تشكل ستة بالمئة من مساحة مصر كلها.
وحين وقعت الكارثة، لم يتردد جمال عبد الناصر في تحمل المسؤولية الكاملة عنها، وقرر التنحي الذي رفضه الشعب في انتفاضة جماهيرية عارمة، أعادت عبد الناصر إلى موقعه، وحملته مسؤولية إعادة البناء من نقطة الصفر، وهو ما جرى بالضبط، وفي زمن قياسي صاروخي مذهل، فقد جرت الإطاحة بكل القيادات القديمة المفلسة، وجرت عملية إعادة تنظيم شاملة للجيش، وتقدمت قيادات وأجيال جديدة مقتدرة، وجرى استئناف المعارك على الجبهة، بدءا بمعركة «رأس العش» وإغراق المدمرة «إيلات»، وبدء حرب استنزاف ردت الاعتبار للجيش المصري، ووضعت مصر كلها تحت السلاح، وظهر جيش المليون ضابط وجندي، في بلد كان عدد سكانه ثلث العدد اليوم، وأعدت الخطط الكاملة للعبور وتحرير سيناء، ورفض عبد الناصر قبول أي تفريط أو مساومة، فقد جرى احتلال سيناء في 1956، وعادت مع الانتصار على العدوان الثلاثي، وكانت خطة عبد الناصر ـ بعد 1967 ـ أن تعود سيناء ثانية بأقرب وقت، وبغير صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو، وكان الجهد الخارق وراء قضاء الله بوفاة عبد الناصر المبكرة، وعمره 52 سنة لا أكثر، مات الرجل في ذروة النضج وأوان العطاء، لكنه لم يترك مصر ولا دولتها منهارة، كما يقول الرئيس السيسي، الذي دخل ثانويته العسكرية في زمن تعبئة ما بعد هزيمة 1967، والتحق كضابط بالجيش الذي تركه جمال عبد الناصر، وفي أوان آخر مختلف سياسيا بعد حرب أكتوبر 1973، وكان ما جرى بعد حرب أكتوبر هو نقطة البدء الحقيقية للانكسار والانهيار، وليس قبل هذا التاريخ أبدا، فقد كانت الفترة من 1967 إلى 1973 هي أنضج فترات الدولة المصرية، وأعظم فصول الوطنية المصرية المعاصرة بإطلاق، كان الوضوح هو سيد الموقف، وضوح الهدف والأساليب والأدوات، وكانت التعبئة الشعبية في ذروة حضورها، وكانت الهزيمة كمحنة تتحول إلى منحة، فلم يهرب أحد من الميدان، ولا من تحمل المسؤولية، ولا حملها لغيره، ولا بحث عبد الناصر عن تبريرات، ولا عن شماعات يلقي عليها تبعة ما جرى، فقد كان اكتشاف الخطأ، والمقدرة على التصحيح الذاتي، كانت تلك ـ مع غيرها ـ بعض مواهب عبد الناصر ومزاياه وملكاته القيادية النادرة، وهكذا حول المحنة إلى منحة، وبنى جيش مصر العظيم الثاني بعد جيش إبراهيم باشا، ابن محمد علي، وكان البناء هذه المرة وطنيا شعبيا عصريا علميا، بلا امتيازات لأحد، وبلا طبقية مريضة مقيتة ظهرت بعد ما يسمى معاهدة السلام، وكان جيش جمال عبد الناصر الذي حقق المعجزة، وعبر القناة، واقتحم خط بارليف، وجعله حطاما، وأثبت مقدرته الفائقة على صنع النصر الذي يليق بمصر، وفي ظل دولة عظيمة التماسك، وجهت غالب مواردها للمجهود الحربي، وبتعبئة سياسية واقتصادية هائلة، تبني الجيش الذي يحمي ويحرر، وتبني في الوقت نفسه تنمية واقتصادا إنتاجيا، تواصل ملحمة السد العالي، وتضيف القلاع الصناعية الكبرى حتى بعد الهزيمة، مع اطراد قوانين العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل المنصف للثروة الوطنية، واجتثاث ظواهر الفساد بلا رحمة للفاسدين، وتثبيت أسعار السلع والاحتياجات الأساسية لعموم المواطنين، وتوفير فرص العمل لكل قادر عليها، وجعل معدل البطالة صفرا، وتحقيق معدلات تنمية حقيقية معقولة حتى مع طغيان أولوية التعبئة العسكرية، فقد حققت مصر معدلات تنمية حقيقية بلغت 4٪ سنويا بين عامى 1967
و 1969، وزادت معدلات التنمية الحقيقية إلى 19. 5٪ سنويا بين عامى 1969 و 1973، كان تصنيع مصر الواسع يمدها بطاقة الصمود والحيوية التي لا تنفد، وكانت اندفاعة التنمية والتصنيع قبل 1967، تكفل لمصر الدولة الناهضة مخزونا عفيا، فقد حققت مصر بين عامى 1956 و1966، أعلى معدلات التنمية الحقيقية، فيما كان يعرف وقتها بالعالم الثالث، وكان يضم الصين الشعبية، وقفزت معدلات التنمية إلى حدود العشرة بالمئة سنويا من أوائل الستينيات، وبلغ المتوسط العام لمعدل التنمية السنوى 7. 6٪ سنويا بحسب أرقام البنك الدولي بين عامي 1956و1966، وقد تأثرت قفزات التنمية قليلا بعد 1967، وانخفضت الموازنات المالية الموجهة للمشروعين النووي والصاروخي، لكن التصرف بالموارد المتاحة كان دقيقا وصحيحا في عمومه، وكانت عوائد التملك مساوية تماما لعوائد العمل، ولم تفقد مصر وصلا بمشروع النهوض الجبار بمعايير زمانه، وكانت تجربة مصر بارزة موحية على خرائط النهوض الكبرى في العالم، كانت تجربة مصر حتى حرب 1973 رأسا برأس مع تجربة كوريا الجنوبية، في معدلات التنمية والتقدم والاختراق الصناعي التكنولوجي، وكانت التعبئة العسكرية تعبئة صناعية وعلمية في الوقت نفسه، وبالطبع لم يكن كل شيء مثاليا، ولا خاليا من أخطاء كبيرة وصغيرة، لكن الخط العام للتطور كان يمضي بدأب ونضج، صقلته تجربة الهزيمة نفسها، وكان عبد الناصر ـ مع هذا كله ـ حريصا على بناء تحالف عربي جديد بقيادة مصر، وعلى تفكيك الاحتقان السياسي بالداخل، وعلى التفكير بالتحول إلى التعدد الحزبي بعد إزالة آثار العدوان، وعلى إطلاق سراح المحتجزين السياسيين بالسجون، وإلى أن جرى «تبييض السجون» إلا قليلا، وإلى أن تراجع عدد المحتجزين الإجمالي إلى 273 شخصا لاغير وقت الوفاة المفاجئة لجمال عبد الناصر، وهو ما يؤكد أن التجربة الناصرية كانت في ذروة حيويتها ونضجها، لولا أنها كانت تفتقر بالخلقة إلى تنظيم سياسي شعبي، وكان سندها بالأساس هو «كاريزما» جمال عبد الناصر، التي لا تستعاد، وقد كان رحيل الرجل إيذانا برحيل التجربة، التي استمرت بالقصور الذاتي، وبهياكلها السياسية والاقتصادية والعسكرية حتى حرب العبور في أكتوبر 1973، ثم كانت خيانة السياسة لنصر السلاح والشعب والدولة، والانقلاب على الناصرية، والتواطؤ مع اليمين الديني الإرهابي المتخلف، وبدء زمن الانهيار المتسارع مع «انفتاح السداح مداح»، ودهس الذين «هبروا» لدم الذين عبروا، وافتتاح مواسم النهب العام وتجريف الموارد والأصول، وعلى طريقة «خلى بالك من اسكندرية يا حاج رشاد»، وتوقيع معاهدة العار، وإغراق مصر في ديون خارجية وصلت إلى 50 مليار دولار مع اغتيال السادات، وخلع مصر من مصريتها ومن عروبتها، وهو ما ندفع ثمنه إلى الآن، وندفع ضرائب الدم لتحرير سيناء، التي تركت منزوعة السلاح في غالبها لقرابة أربعة عقود.
والخلاف هنا مع الرئيس السيسي، ليس خلافا في قراءة التاريخ، بل هو خلاف في قراءة الحاضر والمستقبل، فلا يصح أن تُداوى مصر بالتي كانت هي الداء، وقد يستحق الرئيس السيسي تأييدا في اختياراته الوطنية غير المكتملة إلى الآن، لكنه يستحق المعارضة الكاملة في اختياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية الراهنة بالذات، فالاختيارات الأخيرة هي ذاتها التي قادت مصر إلى الانهيار من أربعين سنة، وليس من خمسين سنة، يخلط فيها الحق بالباطل، ولا تقيم تواصلا حيا مع الشباب والأجيال الجديدة، لا يبدأ بغير «تبييض السجون»، وإخلاء سبيل عشرات الآلاف من الشباب المحتجزين في غير تهم العنف والإرهاب، وقد لا تتسع السطور لشروح مضافة، قد نعود إليها فيما بعد، إن أبقانا الله على قيد الحياة والكتابة، ووقانا غدر «كلاب السكك» .

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية