نجح حاتم المنشاوي في تحقيق حلم كل داعية ديني. الطفل الذي أنهى تعليمه في الكتاب واستكمله في المؤسسة الدينية الأهم في مصر، الأزهر، تحول إلى أحد دعاة التلفاز الأكثر شهرة في الدولة. ولكن رغم كونه عالما دينيا ومفتيا هاما ومعروفا في اوساط الجمهور، فإن المنشاوي لم يبعد نفسه عن ملذات هذا العالم. فقد نجحت النساء في إغرائه وملايين الجنيهات المصرية تدفقت إلى حسابه وتعاون مع المخابرات وامتنع عن إغضاب السلطات.
نجح المنشاوي في الرقص في جميع الحفلات باستثناء حفلته. لأن الداعية المشهور ليس شخصية حقيقية. إنه بطل كتاب «مولانا» المكون من 550 صفحة للصحافي المصري ابراهيم عيسى، والذي صدر في عام 2012، وهو العام الذي سيطر فيه الإخوان المسلمون على مصر وتعرضوا للانتقاد من قبل قلم ولسان عيسى. لقد مرت اربع سنوات على ذلك، وفي السنة الماضية تم عرض فيلم مبني على قصة الكتاب ويحمل الاسم نفسه. وقد كتب سيناريو الفيلم مجدي احمد علي، وقام بإخراجه ايضا. وفي الشهر الاول من عرضه حظي بشعبية كبيرة وحصل المنتج على 11 مليون جنيه مصري. وحينها بدأت المشاكل.
الفيلم الذي عرض في مهرجان الافلام الدولي في دبي اشترته محطات كثيرة. ولكن عندما عرض في بيروت، عاصمة التعددية العربية، نشبت الاحتجاجات، وكان الادعاء أن الفيلم يضر ليس فقط برجال الدين المسلمين، بل من شأنه ايضا أن يثير الصراعات الدينية. وقد فحصت الرقابة في لبنان هذا الأمر كي تقرر إذا كانت ستمنع عرض الفيلم أو عرضه بالكامل أو اقتطاع اجزاء منه. وفي نهاية المطاف تقرر حذف 9 دقائق من أصل 136 دقيقة، وعندها يستطيع مواطنو لبنان مشاهدته. الكويت، في المقابل، منعت عرضه كليا.
في مصر بالتحديد سمح عرض الفيلم بالكامل رغم الانتقادات التي وجهها لرجال الدين في مصر، واستخفافه بالأزهر. وهذا ليس مفاجئا بالطبع، لأنه في مصر تجري معركة ضد الإخوان المسلمين منذ ثلاث سنوات، وضد التيارات الدينية المتطرفة ايضا. هذا الفيلم يخدم سياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل ممتاز.
لقد تدفقت مياه كثيرة في النيل منذ سعى النظام في مصر لمنع كل نشر من شأنه أن يضر برجال الدين. فمثلا، عالمة النفس المعروفة نوال السعداوي، التي ترأست حملة ضد رجال الدين والفساد في المؤسسات الدينية، تمت محاكمتها اثناء عهد مبارك بسبب كتاب لها بعنوان «سقوط الإمام»، الذي نشر في الثمانينيات، واتهم رجال الدين بحب النساء والفساد والتلون. صحيح أن محاكمتها ألغيت لاسباب تقنية، لكن السيف القضائي ما زال مسلطا على عنقها.
هناك كتب اخرى انتقدت رجال الدين تم منعها، وتحولت إلى موضوع خلاف مشتعل بين النظام وبين الإخوان المسلمين.
على هامش الخلاف بخصوص الفيلم، المهم هو القصة حول الإذن الذي حصل عليه عيسى لنشر كتابه. وقد تمت ملاحقة عيسى من قبل مبارك، وتمت محاكمته ايضا عندما قال في صحيفته إن الرئيس يعاني من مشاكل في ضغط الدم، تجعله يفقد وعيه احيانا. صحيح أن مبارك منحه العفو، لكنه استمر في منع نشر مقالاته. ومع مرور الوقت انتقل عيسى إلى التلفاز، وفي العامين الماضيين قدم برنامجه أربع مرات في الأسبوع، وهو عبارة عن مقابلات في قناة «القاهرة والناس» التي يملكها طارق نور، رجل الدعاية المصري المشهور. في البداية أيد عيسى السيسي، ولكن مؤخرا بدأ في انتقاد سياسته. وفي بداية كانون الثاني تم وقف برنامجه بسبب ذلك. وقد انتقد عيسى ايضا السعودية بعد قرارها تجميد المساعدات لمصر في أعقاب اقوال السيسي حول سياستها في سوريا.
صحيح أن طارق نور يزعم أن عيسى هو الذي طلب وقف البرنامج من اجل التفرغ للكتابة. ولكن حسب تقارير مصرية، عيسى حصل على أمر انهاء البرنامج قبل ذلك بيومين. وفجأة هب الإخوان المسلمون للدفاع عن خصمهم عيسى وقالوا إن القرار ينبع من كون شقيقة نور، نهاد، هي زوجة السيسي. و»الأكثر خطورة من ذلك» هو أنها بدأت سيرتها المهنية كممثلة دعايات لمادة التنظيف «برسيل». ومن هنا جاءت اقالة عيسى. والمشكلة الوحيدة في هذه القصة هي أن السيسي متزوج من انتصار عامر، وهي امرأة محجبة، وقد ظهرت مرة واحدة إلى جانب زوجها. ولكن في الحرب كل شيء مسموح، بما في ذلك تزويج الرئيس لشقيقة نور.
إن الحسابات الشخصية، رغم ذلك، بين السيسي وعيسى لم تدفع الرئيس إلى التنصل من الفيلم والكتاب. وهو يدير الآن «حربا مقدسة» ويستخدم كل ما قد يساعده. هذه هي روح القائد التي يريد فرضها في كل قناة. السيسي ليس شخصا علمانيا وليبراليته لا تنبع من التنور. حربه سياسية وليست قيمية، لكن في السياق يستطيع الليبراليون في مصر الحصول على وجبة زائدة من حرية التعبير في الأمور الدينية ـ وهذا ايضا ايجابي.
تسفي برئيل
هآرتس 7/2/2017
صحف عبرية