في مداخلة تليفونية لها مع الإعلامي جابر القرموطي شكت الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء منبهة للأزمة التي تعيشها المشافي الحكومية في مصر، نظرا لنقص الأدوية والمستلزمات، إلا أنها لم تتوقف عند الكلام المجرد وإنما ضربت مثالا محددا، حيث ذكرت أنها تلقت رسالةَ أو مخابرة من طبيب يخبرها بأن تعليمات قد صدرت للأطباء في المشفى (أظنه الجامعي) حيث يعمل، باستخدام نصف المستلزمات المخصصة لكل يوم، بما يعني فعليا استخدام بعضها أكثر من مرة في مخالفة صريحة لما هو مفترض، وحددت الإبر والحقن التي نُصح المرضى باستخدامها مرتين.
كالعادة وكما هو متوقع، ستتكرر هاتان الكلمتان مرات كثيرة في هذا المقال والفترة المقبلة، لأن رد الفعل في مصر على كل جديد، حدثا كان أم تصريحا، لا يخرج كثيرا عنهما، حتى إنك لتستطيع أن تتنبأ وتكتب مسبقا ما سيقال ورد فعل الفرقاء.
فكما هو متوقع فقد أشعل التصريح أو الحديث المقتضب مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية، كما جاءت ردود الفعل متوقعة تماما هي الأخرى، فقد احتفى معارضو النظام بها، بينما انتقدها بحدة أنصاره وأنشأوا يفندونها طاعنين في مهنية الدكتورة منى ومصداقيتها، مهددين إياها بالملاحقة القضائية، وإنه لمن الممتع (حقيقة لا مزاحا) متابعة هؤلاء الأخيرين وكيف يتفننون في إيجاد المبررات، ناعين على الدكتورة منى عدم تحري الدقة والتوثق من مصدرها، وإنهم في ذلك ليذكرونني بمن يفلتون من قبضة القانون نتيجة خطأ (مقصود على الأغلب) في محضر التحقيق أو لغياب إذن من النيابة، وآخرهم ذلك القاضي الذي ضبط حائزا ما قارب السبعين كيلوغراما من الحشيش.
دائما وأبدا التعلق بالرتوش والحواشي دون المتن والمضمون، وبذا تصبح المشكلة في واقعة تصريح الدكتورة منى مينا دون الالتفات لتردي، بل انهيار منظومة العلاج في مصر. الصفاقة: صفةٌ أخرى يتسم بها النظام المصري والطبقة الحاكمة ويبرزانها متحلين بها كوسام، بالإضافة إلى البلادة بالطبع. والحال أن حديث ملف الصحة والمنظومة العلاجية (أو انعدامهما إذا تحرينا الدقة) حديثٌ ذو شجون ومرارات عميقة، حديثٌ ينفذ إلى أعمق أعماق الكيان المصري، مجتمعا ودولة، فتتجسد فيه وحوله وفي التعامل معه كل أوجه تقصير الدولة وتحللها من مسؤولياتها الاجتماعية والتفاوتات الطبقية الصارخة.
كشاهد عيان لا أعرف من أين أبدأ وعلام أخبر، مبدئيا لم يدهشني ما قالته الدكتورة منى مينا عن الحقن والإبر لأنني، ومنذ سنين عديدة وفي ظروف اقتصادية أفضل نسبيا، سمعت بأذني أوامر مشابهة لأمهات في مشفى أطفال. أأخبر عن نقص المستلزمات الدائم؟ أم عن مطالبة أهل المرضى بشرائها من الصيدليات المجاورة للمشافي، إذا أبدوا رغبة في رحمة قريبهم عوضا عن انتظار فرج قد لا يأتي؟ أم عليّ أن أخبر عن مصابي المخ والأعصاب والعظام الذين قد ينسى بعضهم في ممر مظلم إلى حين يأتي عليهم الدور لإجراء جراحة لهم ووفقا لضمير المناوب؟ أم عن الاعتماد بشكل أساسي في شراء الكثير من المستلزمات من أموال التبرعات بما فيها أدوية مفاصل العظام باهظة الثمن؟ أم عن مرضى الفشل الكلوي الذين يطلب منهم غسل أرضيات العنابر؟ أم على المرضى الذين يفترشون الأرض؟ أم على عاملي النظافة الذين يسرقون المستلزمات المشتراة من أموال التبرعات؟ أم عن عامل بعينه كان جراحو العظام يرشونه لكي لا يستولي على أدواتهم ومساميرهم ليبيعها في السوق السوداء لحسابه؟
غيضٌ من فيض مما تسعفني به الذاكرة ليس الأمر لتقصير من الأطباء والممرضين فهؤلاء يعملون بكل جهد ودأب، يحملون فوق طاقتهم في ظروف غير إنسانية لقاء أجر مضحك يضعهم دون خط الفقر، ويتعرضون للإهانات والتعديات، بل الضرب أحيانا من أهالي المرضى، كما حدث مؤخرا على يد أفراد الشرطة، المشكلة كانت دائما وأبدا مشكلة نظام بانحيازاته والفساد الذي ينخر صلبه.
أن تصاب فقيرا بمرض مزمن في مصر هو أن تهوي في دوامة معاناة تجر معك فيها سائر أفراد أسرتك، أن يزداد عوزك.. أن تبيع ما تملك وتمد يدك مقترضا متسولا، دائرةٌ من دوائر الجحيم، وليس من عجب أن الناس في يأسهم وقلة حيلتهم وجدوا لها تفسيرا ومخرجا دينيا ملائمين، حين باتوا مؤمنين بأن المرض «كفارة سيئات».
لسنوات عديدة، عقود، انسحب النظام المصري ببطء من التزاماته في هذا الملف، وكما هو متوقع دخل الإخوان المسلمون وشتى الهيئات الخيرية ليضطلعوا بتلك المهمة، خالقين منظومة موازية، بيد أن الجديد، رمز المرحلة، هو دخول القوات المسلحة على الخط في مناقصات لتوفير المستلزمات الطبية. أمرٌ آخر متوقع هذه الأيام، وليتها توقفت عند هذا الحد، إذا لا يسعنا أن نمر دون أن نذكر أعظم إسهامات القوات المسلحة في مجال الطب والمنظومة العلاجية في مصر، بل والعالم: جهاز الكفتة.
«كالعادة» لم تعد المشكلة في تلك المنظومة المنهارة وإنما في من يفضح أمرها، من يجأر بالشكوى منها، من «يفضحنا أمام العالم» ويتسبب في ضجيج و»شوشرة» كأن السكوت عنها سيجعلها تتلاشى، أو كأن العالم ينتظر منا كشفا طبيا مبهرا، النظام مكشوف الوجه يخشى الفضيحة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد حتى خرج أحد أبواق النظام ليكرر هذا الغثاء مهاجما الدكتورة منى مينا وملقيا عليها باللوم في تعطيل «السياحة العلاجية» المرتقبة – يا لها من صفاقة. إزاء صفاقة وتدليس وخداع كهذا، ما الذي يمكن أن يقال؟ من أين تبدأ؟
«كالعادة» لن يقبل النظام أي نقد أو تعديل أو اقتراح، لن يعترف نظام «شبه الدولة» بواقعه المترهل، ولن يسمح لأي صوت بأن يعلو. سوف يلاحقون الدكتورة منى وكل من يحذو حذوها في أي مجال حتى يتراجعوا عن تصريحاتهم وإلا فسوف يلطخون سمعتهم ويجعلون حياتهم جحيما أرضيا. سيستمر العرض حتى نهايته المؤلمة، أما فقراء المرضى فكل المتاح والمسموح به لهم فهو الموت في صمت.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل