سكت بعض الكلام وسط الدهشة العميقة والبلبة العارمة للغالبية العظمى من الناس، سقطت أساطير من عينة «الفلسطينيين باعوا أرضهم»، وأن البلد كان في أمس الحاجة لقائدٍ عسكري يحمي الحدود، إلخ من محاولات استعادة الثقة والإحساس بالأمان وإقناع الذات بكفاءة القائمين على الأمور.
سكت الكلام لدى الكثيرين حين رأوا ما أرادوا أن يصدقوا أنها دولة يستحيل أن تفرط وتتنازل في اتفاقٍ، لعله يشكل سابقةً في التاريخ، عن قطعةٍ استراتيجيةٍ من أرضــــها مقابل حفـــنةٍ من الدولارات، لتحصل بذلك المملكة عن طريق المال على ما لم تستطع إسرائيل أن تستقطعــه بحروبها وسلاحها. سكت الكلام لدى الكثيــرين من ألد أعداء النظام وناقديه، الذين لم يتصوروا رغم معارضتهم المبدئية أن تصل به الحال لبيع قطــعةٍ من أرض البلد.
أرضٌ دفُع ثمنها دماً وأعماراً تذهب هكذا، من دون طلقة واحدة، ومن دون شرح أو استفتاءٍ يمهد. سكت الكلام الواثق المتفائــــل في البداية، فثمة حالةٌ من الإحباط والصمت والوجوم، لكن كــلاماً كثيراً ولغطاً وتدافعاً وسجالاً أعقــب ذلك، فهناك كلامٌ آخر لم ولن يسكت، على الرغم من خروج الرئيس علينا مقرراً أنه لا يريد المزيد من الكلام في شأن الجزيرتين مرةً أخرى، كأنه تخلص من عقارٍ يخصه.
كلامٌ كثيرٌ وأسئلة خطيرة مازالت تطرح نفسها، ولكن بشكلٍ أكثر إلحاحاً وتوتراً بعد ذلك التطور الخطير الأخير المتمثل في التنازل عن الجزيرتين، أسئلةٌ لا يمكن تجنبها أو الهرب من الإجابة عليها، أسئلةٌ عن طبيعة الطبقة الحاكمة (ومن يدورون في فلكها من إعلاميين ومطبلين وطفيليين وجامعي فضلاتٍ وقمامة) وما وصلت إليه من ترهلٍ وتحللٍ وضحالةٍ وإفلاس، وعن طبيعة الخيارات والأزمة التي يمر بها النظام، وقد تأكد الآن بما لا يدع مجالاً للشك كم هي طاحنة.
بدايةً، شهدنا سابقةً أخرى، رأينا إعلاماً وخبراء إستراتيجيين (لم أصل أبداً لاكتشافٍ يقيني عن من عمدهم وخلع عليهم تلك الصفة) يتنافسون منهمكين في إثبات أن أرضاً خيضت حروبٌ من أجل تحريرها والسيطرة عليها يتم التنازل عنها بجرة قلم، وكأن مهرجان العبث والهزل كان ينقصه بعض البهارات، رأينا خبيراً أو اثنين من هؤلاء يغيرون رأيهم من النقيض إلى النقيض، في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، على الأغلب كما رجح بعض الأصدقاء استجابةً للجهة الأمنية المحسوبين عليها. لكن بغض النظر عن هؤلاء وما يثيرونه من ضجيجٍ وتلوثٍ سمعي يملأ الآفاق، فإن الحقيقة الأهم التي تبرز من خلل ذلك الركام الرث من الجدال: أن النظام يجابه أزمةً اقتصادية طاحنة، وإذ وصل به الحال لبيع جزرٍ لدولة أخرى «شقيقة» مقابل الدعم المالي والسياسي فإنه يحق لنا أن نصل إلى نتيجة- قناعة بأن تلك الأزمة أعمق مما كنا نتخيل، وهي أزمةٌ مستمرة، بدليل تراجع كل المؤشرات واستمرار الانهيار في قيمة العملة، بيد أن المشكلة لها شقٌ آخر سياسي، إذ أعتقد أنه أصبح من شبه المعترف به أن هناك صراعاً بين أجنحة الدولة المتفككة على تركة مبارك، وعلى الأخص المؤسسات الأمنية، في تواتر الشواهد على ذلك، ولعل أبرزها ما بات يشيع في كلمات الرئيس السيسي من توترٍ وأسئلةٍ مستنكرة من عينة «انتم من؟» و»أهل الشر»، التي أتحف بها اللسان السياسي الدارج.
في حقيقة الأمر، ما نشهده اليوم وما وصلنا إليه لا يعدو كونه وصولاً للنتيجة المنطقية، وإن كانت تبدو مسخاً قبيحاً لا معقولا، بمعنى ما هو مدٌ للخط على استقامته وصولاً للهزلي والغرائبي؛ فالنظام الذي كان يعتبر مساحة القطر ملكيةً خاصة فيقتطع أراضي، لحم البلد الحي، فيبيعها بأبخس الأسعار لرأس المال المحلي والخليجي، متستراً بالقوانين في مشروعات قطاع الإعمار الضخم، ذلك النظام تطور به الحال لبيع جزرٍ بأكملها، لأنه محكومٌ بانحيازاتٍ اجتماعية – اقتصادية معينة ورثها من حقبة السادات- مبارك، فإن المتاح أمامه ليس كثيراً، لتتطور نيوليبراليته المأزومة لبيع أجزاء من البلد مقابل استقرار نظامه السياسي. إن الخروج بمصر من أزمتها يتطلب تغيير مسارٍ اجتماعي واقتصادي لا يمتلك أيٌ من النظام أو رأسه، أي السيسي، لا الشجاعة ولا الرؤية ولا الفهم، ناهيك عن الرغبة (وهي أهم) لاتخاذ تلك الخطوة، التي تمثل قطيعةً مع الماضي وثورةً عليه. في رأيي أن تصور أو انتظار التغيير من فوق يعد بمثابة الوقوف في مكانٍ ما بين السذاجة وحسن النية من ناحية، والجهل بطبائع الأمور وخداعٍ الذات من ناحيةٍ أخرى.
لقد باع النظام الجزيرتين، ليس لذلك مسمى آخر لدي، وبذلك كسر «محرماً» كبيراً من دون إدراك أنه بذلك يضرب قدس الأقداس ويكسر أهم أسس شرعية وجوده، فما بالنا بنظامٍ مهتزة شرعيته مطعون فيها من الأساس؟
الأخطر من ذلك هو المغزى والتبعات السياسية لتلك الزيارة في ما يتعلق بالسيادة الوطنية والثقل السياسي الإقليمي لكلٍ من مصر والسعودية، وما قد تفضي إليه من تطوراتٍ سياسية بصدد تشكيل محاور جديدة تمثل نقلةً وتصعيداً. فمن المؤكد أن السيسي يستقوي بالمملكة الآن وبدعمها الصريح، بعد فترةٍ ترددت الأقاويل فيها عن فتورٍ نسبي من قبل الملك الجديد مقارنةً بأخيه الراحل، وهو يستقوي به وبدعمه المالي والسياسي على مناوئيه وخصومه الداخليين، في قلب نظامه وأجنحته المتصارعة، الأمر الذي يذكرنا بصراعات المماليك والقرون الوسطى؛ وهو بذلك يضرب في أسس الدولة الوطنية المصرية الحديثة ويكرس الدور القيادي للمملكة في محيطها العربي، والسني تحديداً، وهنا مربط فرسٍ مهم، فهي تعتبر ذلك المحيط السني منطقة نفوذها الاساسية، وتسعى بمحاولاتٍ وجهودٍ دؤوبة في الإقليم والخارج لتشكيل تحالفٍ إقليمي يقف أمام محور إيران- روسيا.
وهمٌ آخر هو أن نتصور أن انفراجةً وانفتاحاً سياسياً في الأفق، فقد بدأ موسم البيع العلني، وذلك ينفي السياسة والنقاش، وقد كفانا الرئيس السيسي مشقة التكهن والتنظير، فهو اليوم لا يريد كلاماً آخر في موضوع الجزر، وغداً في موضوع تورطٍ عسكري والحبل على الجرار.
على صعيدٍ آخر فلا يجد النظام سوى حلولٍ قديمة أثبتت عقمها لمشاكل أقدم؛ فلكي يكسب دعم واعتراف الخارج يستمر في تقديم الرشى في صورة صفقات سلاح على سبيل المثال.
لقد بدأت كرة الثلج في التدحرج، وليس أمامها سوى أن تكبر، فمصر السيسي في سقطةٍ حرة، ولا يعلم أحد أين القاع، إن وُجد، وكلما تكلم زادت مشاكله وكثر أعداؤه وازدادوا غضباً، في لحظةٍ ما حلا للبعض تصور أن هدوء زمن مبارك إلى عودة، ربما لأنهم لم يدركوا مدى ما مثله 25 يناير من وثبةٍ فاصلة في تاريخ هذ البلد، كما أنه كلما تكلم تبدى مدى تهافت وإفلاس المنظومة الحاكمة، وعلى رأسها المؤسسات السيادية وأدوات العنف المشروع من جيشٍ وشرطة الخ. كما أكدت من قبل، نحن لم نر آخر العرض فالأيام المقبلة حبلى بالتطورات..
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل