مصر في مهرجان «كان»… استحضار التاريخ «المشرف» قبل زمن «التردي»

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: هلل المجتمع السينمائي المصري لاختيار فيلم «اشتباك» للمخرج محمد دياب لتمثيل مصر ضمن مسابقة «نظرة خاصة» التي تترأسها الممثلة السويسرية مارت كيلر في مهرجان كان الفرنسي العالمي.
وللحقيقة فإن الخبر يستحق التصفيق، إذا كانت هذه هي المرة الأولى لصعود الفيلم المصري للمشاركة العالمية وبالتحديد في «مهرجان كان»، أما إذا كان الاختيار جاء على خلفية تاريخية حظيت خلالها السينما المصرية بتمثيل نفسها عشرات المرات في المهرجان المذكور، فلا محل لهذه الضجة المثارة حول الفيلم، وصاحبه كأنه فتح مبين.
هذا ليس تقليلاً من الفيلم، ولا ينبغي أن يكون، ولكنه تأمل في الواقع الذي آل إليه حال السينما عندنا فبات مجرد اختيار فيلم في مهرجان كبير إنجازا عظيما. ولتوضيح المفارقة المحزنة سأبدأ من فيلم «باب الشمس» آخر تمثيل مصري مشرف للسينما المصرية في كان، ولن أتوقف كثيراً عند تفاصيل الفيلم الأهم المكون من جزئين «الرحيل والعودة « عن شتات الشعب الفلسطيني، وما طرحه من أوجه مختلفة ومتعددة للقضية العربية الرئيسية، ولكنني فقط ألفت النظر إلى نقطة أراها مدعاة للفخر وجديرة بالذكر في سياق كلامنا عن التوثيق العالمي والدولي لقيمة السينما المصرية، هذه النقطة هي حصول «باب الشمس» على لقب أفضل فيلم ضمن أهم مئة فيلم في العالم عام 2005 ورغم هذا التصنيف المبهر لم يزد الاحتفال به عن مجرد التنويه به في بعض الصحف المصرية المتخصصة، وبعض القنوات التلفزيونية، ومر الفوز مرور الكرام، ليس هذا فحسب بل تم التعتيم على الفيلم، فلم يُعرض إلا في عدد قليل من دور العرض المصرية البعيدة عن مناطق الكثافة السكانية ولمدة محدودة لم تتجاوز الأسبوع.
وبالقطع لم يكن «باب الشمس» الاستثناء الوحيد بين الأفلام التي خاضت غمار السباق المحموم في مهرجان كان، وإنما سبقته أفلام كثيرة كان لها السبق في هذا الامتياز منذ بداية انطلاق المهرجان الفرنسي الكبير، وهو فيلم «دنيا» للمخرج الرائد محمد كريم، توالت بعده أفلام أخرى تمكنت من المشاركة بشكل شبه دائم في غالبية الدورات من بينها فيلم، «ابن النيل» بطولة شكري سرحان وإخراج يوسف شاهين. وفيلم «مغامرات عنتر وعبلة» لأحمد كامل مرسي، الذي مثل مصر في المسابقة الرسمية، وأيضاً فيلما «الأرض» و»صراع في الوادي» لفاتن حمامة وعمر الشريف ويوسف شاهين، الذي يتكرر ظهوره وإسهامه في مهرجان كان، ويتم تكريمه عن مجموع أعماله كمخرج كبير له اعتباره الفني المرموق ومكانته العالمية البارزة ويحصل بموجب ذلك على جائزة اليوبيل الذهبي.
ومن شاهين إلى هنري بركات وكمال الشيخ، حيث تتعدد التكريمات والأفلام كـ»الحرام» و»حياة أو موت» في أوقات مبكرة جداً من عمر السينما المصرية وعمر مهرجان كان، من دون ثرثرة أو ضجيج أو فرح مبالغ فيه، كالذي يحدث في حالة فيلم «اشتباك» ببطليه نيللي كريم وهاني عادل ومخرجه محمد دياب، الذي يتصيد الأخطاء الاجتماعية ويصنع منها أفلاماً تحظى بقبول الغرب، في إطار وعيه بما هو مطلوب من نوعيات سينمائية بعينها، لها شروط ومواصفات تؤهل للسباق العالمي، فبعيداً عن أن المخرج له وجهة نظر سياسية يعبر عنها في فيلمه الموصوف بالإنساني، يختلف فيها مع السواد الأعظم من جموع الشعب المصري، الذين نزلوا الميادين في 30 يونيو/حزيران معتبراً أن ما حدث أدى، على حد رؤيته، إلى الخلط بين كل التيارات والفئات فدفع الجميع الثمن، وتم الزج بهم في عربة الترحيلات التابعة للأمن المركزي، وهو اللوكيشن الذي تدور داخله أحداث الفيلم، للإيحاء بأن المجتمع أو أغلبه صار سجيناً بما فيه القوى المتصارعة، الأمن والإخوان والثوريون، وهو إسقاط يهدف منه إلى فشل الثورة التي قامت لتعديل المسار فإذا بها تدخل في النفق المظلم.
المخرج محمد دياب حسب معلوماتنا لم يقدم النسخة النهائية من الفيلم للرقابة على المصنفات الفنية، كما هو متبع، وسافر بها مباشرة إلى كان خوفاً من الرقيب الذي يعمل تحت نظام قام بحبس الفنان أحمد ناجي بتهمة خدش الحياء العام.. لقد اتخذ دياب من هذه القضية متكئا لتبرير الفرار بفيلمه إلى كان وعرضه بعيداً عن أعين الرقابة.
الغريب أن المخرج محمد دياب نفسه الذي صرح بأن فيلمه «اشتباك» يرصد لحظه سياسية دقيقة يلتقي فيها الشأن الشخصي بالشأن الجماعي، يرفض تصنيف الفيلم بأنه فيلم سياسي، ويؤكد أن ما يطرحه هو رؤية إنسانية بامتياز، بعيداً عن أي انتماء لأي جهة أو تيار، حيث أبطال فيلمه يمثلون كل الأطياف الاجتماعية، فمنهم الثوريون والناشطون والبسطاء والمحجبات وكبار السن ورجال الشرطة.
وفي النهاية يتبلور المعنى العام للفكرة التي يشي بها السيناريو الذي كتبه شقيقه خالد دياب ووضع لمساته عليه المخرج المفتون بمهرجان كان محمد دياب في ذلك الحُلم المزعوم بأن يحكم مصر رجل من الثورة ليس من العسكر أو الإخوان، رئيس بمواصفاته ومقاييسه هو!
ولم يقتصر الاحتفاء على يوسف شاهين فقط ولكنه شمل المخرج الكبير رائد الواقعية المصرية صلاح أبو سيف إذ تم اختيار عدد من أفلامه للمشاركة منها «الوحش» و»شباب امرأة».

مصر في مهرجان «كان»… استحضار التاريخ «المشرف» قبل زمن «التردي»
اختيار فيلم «اشتباك» ضمن مسابقة «نظرة خاصة»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية