مصر: نظام لا يحمي المسحوقين

حجم الخط
15

حاول وزير العدل المصري المصري المستشار محفوظ صابر احتواء آثار تصريحاته الصادمة امس بشأن عدم قدرة ابناء عمال النظافة على تولي مناصب في القضاء، فقال انه «لم يقصد الاساءة الى احد»، فيما سعى المجلس القومي لحقوق الانسان، وهو هيئة حكومية، الى مساعدته على الخروج من المأزق بأن طلب منه «الاعتذار»، بينما تتصاعد المطالبات في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي للسلطة التنفيذية الممثلة في رئاسة الجمهورية باقالته نظرا لانتهاكه مادة صريحة في الدستور بشأن «المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات».وهو ما أجبره على تقديم استقالته في وقت لاحق أمس.
ولمن يعرفون مصر جيدا، فلا بد انهم يدركون حجم الاندهاش الذي شعر به الوزير من ردود الافعال على تصريحاته، حتى وان بدت «عنصرية حتى النخاع» لاي مراقب محايد. فهذه ليست المرة الاولى التي تصدر هكذا مواقف او تصريحات عن الحكومة. والمصريون لاينسون الشاب عبد الحميد شتا بوجهه الاسمر الذي انتحر قبل اكثر من عشرة اعوام، اثر رفض وزارة الخارجية تعيينه في وظيفة «ملحق تجاري» لأنه «غير لائق اجتماعيا» حسب التبرير الرسمي، رغم ان عبد الحميد كان متخرجا من الجامعة بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، كما حاز المركز الاول في الامتحان الخاص الذي عقدته الوزارة للمتقدمين للوظيفة.
وفى حزيران/يونيو من العام الماضي نشرت وسائل الإعلام استغاثة أرسلها 138 من خريجي كلية الحقوق إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، بسبب استبعادهم من قبل المجلس الأعلى للقضاء من تعيينات النيابة، رغم اجتيازهم جميع الاختبارات والمقابلات. وهؤلاء تم استبعادهم ليس لسبب سوى عدم لياقتهم اجتماعيا، وعدم حصول الوالدين مثلا على مؤهل عال. وفي الوقت نفسه ليس اسهل على من كان والده قاضيا او قادرا على الحصول على واسطة من مسؤول في الدولة ان يلتحق بسلك القضاء حتى ان كان تقديره الجامعي لا يتعدى المقبول.
الواقع ان الاحرى بالمئات من الذين هاجموا وزير العدل بسبب تصريحاته التي افتقدت الى اي حس سياسي او حتى قضائي دون شك، ان يصبوا غضبهم على الواقع الذي مازال يجعل المصريين فريسة للتمييز الاجتماعي والديني.
وللانصاف فان «التمييز او التوريث الوظيفي» لا يقتصر على السلكين الدبلوماسي واالقضائي في مصر، بل انه آفة حقيقية تبدأ من اجراءات القبول في الكليات العسكرية والشرطية، ولا تنتهي عند الاكاديميين والاعلاميين والممثلين، بعد ان تحولت الى احد اوجه «ثقافة الفساد» التي ترعرعت في عهد المخلوع حسني مبارك.
وبالطبع فان مواجهة هذه «الثقافة» تحتاج الى مقاربة سياسية تشريعية وتعليمية شاملة، الا ان هذا لايعني السكوت عن مثل تلك التصريحات او الافعال التي تثير الحقد والكراهية بين طبقات المجتمع، ناهيك عن مخالفتها الصريحة للدستور.
وللرئيس السيسي ان يقتدي بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي لم يتردد في اتخاذ اجراءات فورية ضد احد الامراء ووزير الصحة ورئيس الديوان بعد ارتكابهم اخطاء مهينة بحق بعض المواطنين، ولم ينتظر تقديم هؤلاء استقالاتهم.
وبغض النظر عن استقالة الوزير او بقائه، فالتمييز الطبقي في المجتمع المصري متأصل، ولم يفعل النظام شيئا لانهائه بل ان ممارساته تبعث برسالة بأنه «نظام الباشاوات»، وليس الغالبية الساحقة والمسحوقة من فقراء الشعب، خاصة انه لم يقدم لهم منذ توليه السلطة العام الماضي الا رفع اسعار الكهرباء والوقود والسلع الغذائية، واعتبر المطالبين بزيادة رواتبهم التي لا تكفي لسد رمقهم «خونة ومتآمرين على الوطن».
اما الرسالة الاخطر فان تقاليد التمييز والفساد والتوريث التي ارساها نظام مبارك واعتبرت الشاب المتفوق عبد الحميد شتا «غير لائق اجتماعيا» واعطت وظيفته الى احد «المحاسيب» في وزارة الخارجية، مازالت تحكم حتى اليوم. وبكلمات اخرى فان الثورة التي كادت تطيح بالدولة نفسها فشلت في تغيير القواعد العتيدة التي بني عليها النظام.
ومن الممكن ان توفر تصريحات وزير العدل مبررا يحتاجه النظام لاجراء تعديل وزاري لاسباب اخرى تتعلق بتصاعد الاستياء مع قرب مرور عام على تولي السيسي للسلطة وعدم وجود «انجاز» في رأي البعض.
الا ان ثمة مخرجا لعدم احراج النظام من تصرفات مثل هؤلاء المسؤولين هو ان يقرر «اقالة الدستور» الذي انتهكه الوزير حفاظا على الامن والاستقرار ومصالح الدولة العليا(..).

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية