رغم أن نقطة الالتقاء والخلاف التي حشدت لها القوى السياسية المصرية المشاركة في الاحتجاجات أمس كانت موضوع «ترسيم الحدود» مع السعودية فإن أهمّيتها تكمن، عمليّاً، في أنها تنهي عملية استفراد النظام المصري بجماعة «الإخوان المسلمين» التي كانت الحركة السياسية الكبرى التي أعلنت محاولة استئصالها بدء الأزمة السياسية المصرية الحالية.
من جهتها، فإن المعارضة المصرية أعلنت أسبابها الإضافية للاحتجاج، وكان لافتاً أن حزب «مصر القوّية» عدد 15 سبباً لرحيل السيسي عن الحكم موضحا ما ذكرناه من أنه «لم يكن عار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين هو الباعث الوحيد للحزب على رفض هذه السلطة»، وبين الأسباب الوجيهة التي ذكرها بيان الحزب «إغلاق باب السياسة»، و»الانهيار الاقتصادي»، و»التقارب مع إسرائيل واعتبارها حليفا استراتيجيا» و»كبت الحريات» و»عشرات الآلاف من المعتقلين داخل سجونها»، وبذلك لخّص نقاط الاستعصاء الكبرى التي يتحمّل نظام السيسي مسؤوليتها المباشرة.
تترابط هذه النقاط الكثيرة وتتجمّع في بؤرة واحدة وهي «إغلاق باب السياسة»، والتي على أساسها انبنى التأزم السياسيّ الذي ابتدأ بفرض الحلّ الأمني والقمعيّ وساهم في تأزم الوضع الاقتصادي فاستتبع، بالضرورة، العلاقة الشائنة مع إسرائيل والتضييق على الفلسطينيين في غزة، وللمعادلة المخزية: المال مقابل السياسة مع بعض الدول الخليجية، وهو ما أضاف الإهانة الوطنيّة إلى الجرح الأهليّ العميق.
أعاد نظام السيسي، في المقابل، سطوة الجيش على السياسة المصريّة، وهو أمر (مع الامتيازات والفوائد التي يمكن أن تدعم فاعليتها أموال الريع الخليجية) كان كافياً لإرضاء النخب العسكريّة التي كانت قد تعرّضت لهبوط في وزنها لصالح تحالف قوّات الشرطة والأمن مع رجال الأعمال أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك.
جردة الاستعصاءات التي أدخل نظام السيسي مصر فيها عبر حلّه الأمني، طويلة، وتقع ضمن تفاصيلها عملية إسقاط الطائرة الروسيّة وما أدّت إليه من سحب دول العالم لسياحها، وما عناه ذلك من تراجع إيرادات السياحة (66% هبوطاً في الربع الأول من هذا العام)، وقضية الطالب الإيطالي المخطوف والقتيل تحت التعذيب والتي أدّت إلى تشويه فظيع لسمعة النظام المصري في إيطاليا وأوروبا، والحرب على قبائل سيناء تحت مسمّى «محاربة الإرهاب»، إضافة إلى استمرار حربه التي فاضت عن تيار «الإسلام السياسي» لتنال من حركات سياسية ليبرالية كـ»6 إبريل»، وفاضت عن جغرافيا مصر لتصل إلى التضييق المستمر على قطاع غزة وحركة «حماس» (وما تعنيه هذه المقاربة من مزاودة على إسرائيل في قمع الفلسطينيين)، وصولاً إلى الدور المصري في تخريب الحلّ السياسي في ليبيا ودعم حركة خليفة حفتر ورسائل الودّ إلى النظام السوري وإيران والحوثيين و»حزب الله»، بشكل يجعل نظام السيسي كلّه نقطة استعصاء كبرى في كل المنطقة العربية وليس في مصر وحدها.
ما يلفت النظر في الأزمة الأخيرة وجود دلائل على أن الاحتجاج على قرار السيسي بتسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية لا يأتي هذه المرّة من جهات معارضة للرئيس المصري فحسب بل من شرائح داخل «الدولة العميقة» نفسها، ولأسباب متعاكسة تماماً مع أسباب المعارضة المصريّة للقرار، وكذلك من جهات رجال الأعمال الذين انحسر تأثيرهم بعد سقوط مبارك.
استطاعة النظام المصري، حتى الآن، حصر الاحتجاجات ضدّه وقمعها يدلّ على أن جرعات الضخّ الخليجي ووعود الازدهار واستمرار التغطية العالميّة للنظام على خلفية الحرب المزعومة على الإرهاب، والمخاوف الشعبيّة من المجهول، عوامل كثيرة قادرة على احتواء موجة الغضب الواسعة ضده.
لكن ذلك كلّه لا ينهي الاستعصاء الكبير الحاصل مما يؤهّل الوضع المصريّ لتغيير سياسي، ومجرى الأحداث منذ تنحية حسني مبارك ومحمد مرسي وصولاً إلى تعيين السيسي رئيساً يشير إلى أن النخبة العسكرية المصرية قادرة، في لحظات الاستعصاء الكبرى على ابتكار حلّ والسؤال هو: متى؟
رأي القدس