مصر: وقف برنامج لا يكفي لمواجهة الفوضى الإعلامية

حجم الخط
6

على الرغم من اجراء جولة الاعادة في المرحلة الاولى من الانتخابات التي حددت مصير اغلب مقاعدها، انصب اهتمام الرأي العام في مصر خلال الايام الماضية على الفضيحة الاعلامية في احدى الفضائيات التي بثت صورا خاصة مسروقة لاحدى ضحايا التحرش باعتبار انه «دليل»على انها ربما شجعت المتهم بالتحرش بها على ارتكاب جريمته.
وربما يبدو الامر غريبا، الا ان الواقع ان المصريين رأوا في تلك الفضيحة تأثيرا مباشرا على حياتهم، بعكس الانتخابات التي اعتبر اغلبهم ان نتائجها، مهما كانت، لن تغير شيئا.
والقضية هنا ليست برنامجا او مذيعة، بل نحن امام حدث غير مسبوق، اذ جرى انتهاك خصوصية مواطنة ببث صور خاصة لها دون اذنها في قناة تلفزيونية محسوبة على النظام، ثم اعتبار تلك الصور دليلا على سوء اخلاقها، وبالتالي ليس من حقها الشكوى ان تعرضت للتحرش والضرب في مركز تجاري.
نحن امام فتاة تم القضاء، مع سبق الاصرار والترصد، على سمعتها وربما مستقبلها المهني والانساني، بعد ان تم الخوض في عرضها علنا في «فعل فاضح» من احدى الفضائيات بفضل حالة من الفوضى الاعلامية العارمة.
نحن امام بلطجية ومخبرين ومهووسين بالشهرة متنكرين في زي اعلاميين، ويتصرفون على انهم «فوق القانون».
كم من قضايا السب والقذف انتهت بحصول «اعلاميين» مقربين من النظام على البراءة؟
نحن امام نظام يستعدي شعبه بغض النظر عن جرائم اولئك «الاعلاميين» حتى عندما يوجهون الاهانات والشتائم الى ذلك الشعب. والا فاين «ميثاق الشرف الاعلامي» الذي تعهد به الرئيس عبد الفتاح السيسي ضمن ما تعهد به في بيان الثالث من تموز/يوليو؟ وكيف نلوم بعض وسائل الاعلام الخارجية التي تسعى الى تصوير بلد الازهر واقدم الكنائس في العالم على انه «منحل اخلاقيا» اذا كانت احدى قنواته تقول ان «بنات كتير قوي اي حد يشاور لها بتكلمه»، وما الى ذلك من اكاذيب.
نحن امام جريمة جنائية مكتملة الاركان اسمها انتهاك الخصوصية، وليس مجرد فضيحة اعلامية، قصد المشرع ان يكون عقابها «الحبس وجوبيا» كما ينص قانون العقوبات. اما نتيجتها المباشرة فتشجيع رسمي على التحرش الجنسي بالفتيات. اي فتاة تتقدم للشكوى ستجد من يعتبرونها مسؤولة عن الجريمة بسبب ملابسها او صورها او غير ذلك.
وفي بلاد تحترم خصوصية مواطنيها حقا مثل بريطانيا قرر القضاء قبل عدة اعوام اغلاق صحيفة «نيوز اوف ذي وورلد» التي كانت الاكثر انتشارا ونفوذا (بلغ توزيعها اربعة ملايين نسخة اسبوعيا)، بعد ان ادينت بالتنصت على هاتف خاص سعيا للحصول على اخبار.
ومن هنا فان «تعليق» برنامج المذيعة ريهام سعيد، كما قالت قناة «النهار»، او حتى الغاءه ليس كافيا، بل ان اغلاق القناة نفسه لن يكون كافيا. فالمطلوب اكبر من هذا بكثير لانقاذ سمعة مصر، التي تشوهها تلك الابواق الاعلامية يوميا من اجل نسب مشاهدة اعلى، او ارضاء بعض الاجهزة الامنية.
لقد اهتم المصريون محقين بهذه القضية اكثر من الانتخابات لأنهم شعروا بالخطر، بعد ان اصبحت وسائل اعلام مدعومة من الاجهزة الامنية القادرة على الحصول على ما تشاء من صور واسرار تنتهك خصوصية مواطنة دون رادع، وبعد ان ادركوا ان ما يقوله الرئيس عبد الفتاح السيسي حول ضرورة محاربة التحرش واحترام الخصوصية ليس بالضرورة هو ما تفعله بعض وسائل الاعلام المحسوبة عليه.
واذا كان هناك جانب ايجابي في هذه المأساة، فانها اثبتت مجددا ان الرأي العام المصري قادر على التغيير ان اراد ذلك، اذ ان الغضب الواسع من تلك الفضيحة سرعان ما اجبر الشركات المعلنة على الانسحاب، وهو ما ساهم في اتخاذ القرار بوقف البرنامج.
لقد اصبح النظام بين خيارين واضحين اما سرعة اصدار التشريعات الاعلامية اللازمة لوقف الفوضى دون المساس بحرية التعبير، او ان يتحمل نتائج صمته المريب عن مثل تلك المهازل الاعلامية.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية