■ «بائعة الكبريت في الدنمارك، لم تمتْ من البرد، فأطفال درعا يرسلون لها سرّا كلّ مساء أعواد الثقاب». بهذه الطريقة البسيطة والرشيقة والأنيقة، يلتقط مصطفى تاج الدين الموسى حالاتٍ يوميّة مبعثرة، ويحوّلها إلى حالةٍ إنسانيةٍ جمعاء.
في مجموعته القصصية الثانية «مزهرية من مجزرة»، الصادرة عن «بيت المواطن للنشر والتوزيع» هذا العام، ضمن سلسلة «شهادات سورية» التي تصدرُها الدار، يقدّم لنا مصطفى الموسى مزهرية قصصية، فيها ثمانون وردة، جمعَها بأناقة عاشقٍ من مجازر السوريين وأشلائهم ودموعهم.
يحدّثنا الكاتب عن ساندريلا التي تلصقُ منشوراتٍ معارِضة على جدران المدينة، وعندما هربتْ من جنود الملك، تركتْ خلفها فردةَ حذائها، فقامَ الجندُ باقتحام المدن والقرى بحثا عن صاحبة الحذاء. يحدّثنا أيضا عن الفأر الذي قضمَ الهوية الحزبية، فتسمّم ومات. ويحدثنا مصطفى الموسى عن الضابط المصاب بآلام رهيبةٍ في الرأس، فلا يجدُ دواء لها، سوى أنْ يبتلع رصاصتين كحبّتي إسبرين. يحدّثنا عن الكمان الذي اعتقلوه وعذّبوه في الأقبية السوداء، حتى تمّتْ تربيتُه تربية وطنية، وما عاد يعزفُ سوى نشيد الحزب الحاكم. ويحدّثنا –أخيرا- عن حاوية القمامة التي حين تثاءبتْ، خرجَ من فمها خطابٌ تاريخي!
1- السُيـريالية في السرد
أكثر ما يفلتُ الانتباه في مجموعة «مزهرية من مجزرة» هو اعتماد السُريالية كتقنية من تقنيّات السرد، فبالإضافة إلى الوصف والحوار والمونولوج والاسترجاع، تظهر السُريالية كأسلوبٍ للخروج على تقنيات السرد الكلاسيكي. ففي قصص مصطفى الموسى، غالبا ما يختلط الواقع بالخيال، والإنسان بالشبح، والحيّ بالميّت، والمضحك بالمبكي، والذاتي بالموضوعي. وتنفتح الحدود بين عوالم الكون الأدبي الثلاثة: السماء- الأرض- الجحيم. ما كان لهذه السُريالية أنْ تظهر كثيمة أساسية في القصص، لولا أنّ الواقع الذي يعيشه الإنسان السوري منذ ثلاث سنوات، هو واقعٌ غير واقعي، في حياةٍ لا تشبه الحياة، يحكُمها منطقٌ لا منطقي!
ففي قصة «مزهرية من مجزرة» تسقط القذائف على عرس قرويّ متواضع، فيركضُ الطفلُ باحثا عن أمه، يجمعُ من ساحة المجزرة عدّة أيادٍ، ويضعها في المزهرية قرب الأريكة، وحين يغفو على الأريكة متعبا، تمتدُّ يدٌ من المزهرية لتمسح شعره الناعم بحنان.
وماذا تحوي المزهرية عادة؟ سوى ورودٍ ميتةٍ لكنها غيرُ ذابلة، ورودٍ تمنحنُا الجمال رغمَ موتها، ورودٍ تقاوم الذبول حتى آخر لحظةٍ، لتقول لنا: أنا حيّة!
وفي قصة «البيانو» تظهر المعركة الأزلية – الأبدية بين قيم الحق والخير والجمال من جهة، وقيم الباطل والشر والقباحة من الجهة المقابلة. فالفتاة المخطوبة من ضابط، يبكي صديقُها البيانو على مصيرها، فتحزنُ لأجله، وتقرّر البقاء معه، مفضّلة البيانو كقيمة جمالية، على الضابط ذي السلطة والنفوذ. وعندما تخبر خطيبها الضابط بقرارها رفضَ الارتباط به، ينفجرُ الضابط غضبا، فيتحوّل جسدُه إلى سربٍ من الحشرات البشعة، سرعانَ ما تخرج من ثقب النافذة، متجهة إلى أقرب حاوية قمامة.
2- الحبّ والحرب:
اعتمد مصطفى الموسى في بعض قصصه على ثنائية الحب والحرب، والجدليّة المتشكّلة من تفاعلهما، وهذه الثنائية امتدادٌ لثنائية الحياة والموت، فالحبّ صناعة للحياة، والحرب صناعة للموت.
يحدّثنا الكاتب في قصة «مصرع تمثال» عن التمثال الشاهق المنتصب في حديقة الجامعة، الذي يخشى الطلابُ من تبادل القُـبَـل أمامه، فيشنُقون قبلاتِهم على شفاههم. وما إنْ تجرّأ أحدُ الطلّاب على زرع قبلةٍ على جبين صديقته.. حتى مالَ التمثال، وقبلة بعد قبلةٍ.. سقطَ التمثال أرضا وتحطّم!.
يظهر في القصة كيف يستطيع الصنمُ الميّتُ أنْ يمنع الآخرين من الحياة، وكيف أننا بالحبّ وحدَه نصنعُ الحياة، ونحطّمُ أصنامَ الاستبداد والحرب، وكلّ الأوصياء القادمين من عالم الموتى.
وفي قصة «لم أعرف كم كان الليل»، تتّحد مشاهد الواقع والخيال في عبثيّةٍ خلّاقة، ويظهر الصراع بين الحبّ والحرب (الحياة والموت) في أعلى توتّراته، وفي أعتى تناقضاته. عندما يصبح الحبّ سلاحا في مواجهة الموت، ويصبح الجسدُ بديلا عن الوطن الضائع (أليستْ حوّاء بديلا عن الفردوس المفقود؟)، يبدأ الصراعُ الدرامي بين الرجل والمرأة ليثبتَ كلٌّ منهما أنّ مدينته هي أكثرُ المدن السورية حزنا (موتا)، ثم يتصاعدُ الصراع في المستوى الثاني حين يقول «نقرعُ كأسين ونشرب، لتسكر في خيالنا مدنُنا التي هربنا منها»، وبعدها يصلُ الصراع إلى ذروته، فينفجرُ في لحظةِ طيشٍ انفجارا أشبهَ بانفجار الكون، ليعلنَ بدءَ الحياة من جديد رغمَ أنف الموت، يقول «لم أكنْ أعلمُ أنّ الضغطَ على حلمة نهدها، هو الطريقة الوحيدة لتدمير الكون».
3- الكوميديا السوداء:
لا يوجد قصّة من بين القصص الثمانين في المجموعة، إلا وتحمل لفتة كوميدية، تُجبر القارئ على الضحك رغم مرارة المأساة. وهنا تختلف الكوميديا السوداء عند مصطفى الموسى عن الفكاهة التي يكتُبها بعضُ الكتّاب الساخرين، فالفكاهة وظيفتُها الإضحاك فقط، أما الكوميديا السوداء فتولدُ من رحم التراجيديا، وكلُّ ضحكةٍ تُخفي تحتها جحيما من الألم والمعاناة. وهنا أشير إلى كلمة (sarcasm) الإنكليزية، التي تحمل معنَيَي السخرية والهجاء، في دلالةٍ فيلولوجية إلى أنْ السخرية يجب أنْ تتضمّن هجاء لظواهر سياسية أو اجتماعية أو إنسانية، لا السخرية لغرض السخرية فقط.
في قصته «كبت» تتساءل المعلّمة عن سبب ازدياد الطلاب في الصف مع بداية العام الدراسي، فيجيبُها أحدهم «كنّا نتكاثر في غيابك»، فما كان منها إلّا أنْ صفعتْهُ بقوةٍ وهي ترتجف. لكنّ الطالب البريء كان حسنَ النيّة، فلم يقصد التكاثر عن طريق الجنس، بل «كنتُ أظنُّ أننا نحنُ البشر، وخصوصا الرفاق البعثيين.. نتكاثر بالانشطار». ويضيف: «لم أكنْ أعرف ماذا تعني كلمة جنس، كأيّ ولد يعيش في دولة عقائدية، تحشدُ طاقاتها لزجّها في معركتها المصيرية ضد الإمبريالية».
ويحدّثنا في قصة «أنا والذبابات والحزب» عن هواياته أيام الطفولة، وهي جمعُ ذبابات حيّة ووضعُها في علبة كبريت. وحينما وبّختْه والدتُه على هذه الهواية، نظرا لأنّ الذباب كائناتٍ قذرة، وقفَ الرفيقُ –والدهُ- إلى جانبه، وشجّعه عليها، قائلا: «هذه الهواية هواية بروليتارية بامتياز». وبعدما كبُر وكتبَ أوّل قصّة في حياته، وكانت عن ذبابة أيضا، قال لهُ الرفيق الوالد: «هل أنتَ ابني؟ أم ابن كافكا؟».
وأنهي بهذا المقطع الحواري من مشاهد الكوميديا السوداء:
« – من أين أنتِ؟
– من الطابق الخامس، وأنتَ؟
– من الطابق الثاني.
تعرّفتُ عليها أمام باب المصعد، كنّا ننتمي إلى مدنٍ سوريةٍ مدمّرة، صرنا ننتمي إلى طوابق في بناءٍ تركيّ شاحب».
٭ كاتب سوري
عبد الكريم بدرخان