تجري غدا (اليوم) الانتخابات العامة في هولندا، بشكل عام لا أحبس أنفاسي حين تجرى انتخابات في دولة أوروبية. ولكن هذه المرة الامور تختلف، لان المتنافس المتصدر في الاستطلاعات في هولندا هو رئيس حزب الحرية الهولندي، خيرت فيلدرز. فاذا ما فاز في الانتخابات ونجح في تشكيل حكومة، فستحظى إسرائيل بصديق واضح لها كرئيس وزراء هولندا. أنا اعرف خيرت فيلدرز منذ اكثر من عشر سنوات. التقيته لاول مرة في ندوة أوروبية في محاولة لبلورة كتلة مناهضة للجهاديين في البرلمان الأوروبي وتنسيق اعمال الاحزاب الأوروبية التي حاولت الكفاح ضد انتشار الإسلام الاصولي في أوروبا. وصل مندوبون من بلدان عديدة في أوروبا. جلسنا معا في قاعة المداولات. وفي كل مرة القى فيها أحد المندوبين الأوروبيين كلمة، كان فيلدرز يوجهه: هذا على ما يرام. اياه، ليس كثيرا، وهذا ـ لا تقترب منه. لا تلتقط الصور معه. معياره لم يكن مدى معارضتهم لانتشار الإسلام في أوروبا، بل كم كانوا مصابين بكراهية الاجانب للجميع، ولليهود من ضمنهم. موقفهم من الشعب اليهودي ودولة إسرائيل كان بالنسبة لفيلدرز المعيار للتمييز بين من يعارض الانتشار السياسي والثقافي للإسلام في أوروبا وبين مجرد العنصريين.
فيلدرز هو محب واضح لإسرائيل. بلا شروط. علاقته بالبلاد ليست فقط عقلانية، سياسية وايديولوجية بل وجدانية ونفسيه. فهو محب للبلاد عن حق. أكثر من 40 مرة زار هنا. عاش في البلاد نحو سنتين، في نهاية سنوات العقد الاول له، وتطوع في القرية الزراعية تومر (موشاف) في غور الاردن. عندما استضفته في 2008 في القدس في مؤتمر «في ضوء الجهاد»، قال فيلدرز عن القدس: «كلنا نحمل القدس في دمنا… نحن نعيش ونتنفس القدس. نحن نتحدث القدس. ببساطة لان القيم القديمة لشعب إسرائيل اصبحت قيم الغرب ـ نحن كلنا إسرائيل، وإسرائيل توجد فينا كلنا». فهل تعرفون كثيرين يتحدثون هكذا؟ حتى من بين زعماء إسرائيل؟
فيلدرز هو سياسي شجاع. سياسته ضد الهجرة الإسلامية إلى أوروبا خلقت له أعداء. وأصدر الكثير من الزعماء المسلمين فتاوى ضده تدعو إلى قتله. صديقه، المخرج السينمائي وكاتب الرأي تاو فإن غوخ، قتل في وضح النهار في أمستردام على يد مهاجر مسلم. وعلى جثته كتب اسم خيرت فيلدرز، بمعنى: هو التالي في الدور. وازدادت التهديدات على حياته حين صدر فيلم «فتنة»، الفيلم الوثائقي الذي يعرض فيه فيلدرز موقف الإسلام بالنسبة لليهود والنصارى، نوايا الانتشار والسيطرة للإسلام في أوروبا وطرق عمله. من اعتقد بأن الفيلم ليس سوى دعاية فظة للتخويف من الإسلام ـ رأى بعد سنوات من ذلك أفلام داعش وفهم كم كان فيلدرز ضابطا للنفس في وصف الإسلام المتطرف. منذئذ تغيرت حياة فيلدرز من الاقصى إلى الاقصى. وهو يرافقه الحراس طوال الوقت، لا ينام ليلتين متواصلتين في ذات العنوان. حياته الاسرية تضررت بشدة. حين جلس على شرفته في ليل قمري فوق وادي القلط في صحراء يهودا، قال ان هذا هو احد الاماكن الاكثر سكينة في العالم بالنسبة له. في إسرائيل، المصابة بالإرهاب، يشعر بأمان أكبر مما في أوروبا.
وجدت في فيلدرز ايضا شريكا مخلصا لخطتي السياسية. في 2010 شارك هنا في ندوة نظمتها وعنيت في مسألة: هل يمكن للاردن أن يكون الدولة القومية للفلسطينيين؟ وكان فيلدرز واضحا جدا: «الاردن هو فلسطين»، قال. «اذا غيرنا فقط اسم الاردن إلى فلسطين، سنحل المشكلة في الشرق الاوسط». اطلاعه على المادة فاق بلا قياس المعرفة التي لمعظم زعماء إسرائيل في الموضوع. فقد أيد ضم يهودا والسامرة لإسرائيل قبل وقت طويل من غدو ذلك موضة في اروقة الليكود وفي ساحات البيت اليهودي. وهو لم يغير مواقفه هذه حتى عندما لم يسهم كونه مؤيدا كبيرا لإسرائيل في مكانته السياسية في هولندا. «إسرائيل هي المعقل المتقدم للحضارة الغربية في وجه الإسلام. إذا سقطت إسرائيل، سقطت أوروبا»، قال فيلدرز حين شرح تأييده لإسرائيل. بالتوفيق يا خيرت. ليس لإسرائيل صديق افضل منك.
معاريف 14/3/2017