لقد خلق الله الانسان من نوعين من المواد. قسم خُلق من التفلون الذي لا تعلق به البقع السوداء، وقسم خُلق من المواد التي تعلق بها البقع السوداء. ولحسن حظ دونالد ترامب، المرشح الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة فقد صنع من المادة الاولى.
لقد فرض على رئيس المكسيك انريكه فانيا نيوتو لقاء في مكسيكو سيتي، كان هناك مؤدبا وعقلانيا، لكنه عاد إلى البيت وألقى على الفور خطابا صداميا وهجوميا أعلن فيه انه سيطلب من المكسيك دفع ثمن اقامة جدار على الحدود بين الدولتين، لمنع الهجرة غير القانونية.
لو كانت هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية للرئاسة، قد قامت بعمل كهذا لكان الديمقراطيون قد طلبوا رأسها قبل الجمهوريين. لكن رجل التفلون يتصرف وكانه لم يحدث أي شيء. فلا أحد لديه الوقت للامور الهامشية.
انا لست مختصا بأمريكا، لكن من خلال تواجدي هناك مدة اسبوعين يمكن ملاحظة أن الشخص هو ببساطة عبارة عن ماكينة مجنونة لـ «برنامج العمل اليوم»، التي تفرض النقاش الجماهيري: مرة يزعم ترامب أن كلينتون لا تهتم بالسود، وبشكل فوري، تشتعل النقاشات في قنوات التلفاز المختلفة حول كلمة تعيسة لكلينتون قالتها قبل عشرين سنة ضد جماعات الشوارع الخاصة بالسود. صحيح انها قالت عنهم «متوحشين»، لكنها اعتذرت بعد ذلك. وعند سماع ترامب «متزعزع» من تعاطي كلينتون مع السود، يمكن الاعتقاد بان هذا الشخص كان عضوا في حركة مارتن لوثر كينغ.
في يوم آخر يطرح موضوع صندوق كلينتون، الذي يدعم المناطق الضعيفة في العالم. وفي الوقت الحالي، رغم كل التشهير لم توجه ولو كلمة واحدة ضد الصندوق، لكن هوس ترامب في حملته لإهانة كلينتون لا يهدأ. لو لم يكن الصندوق قائما لكان يمكن انه سيتهم غسالة الملابس البيتية لعائلة كلينتون بتبييض الاموال.
لماذا اذا، رغم كل شيء، يتسامحون مع ترامب؟ ببساطة لا يتم التعاطي مع هذا الشخص على انه جدي بما يكفي من اجل تصفية الحساب معه حول كل جملة. «أعرف انه ليس مصنوعا من المادة الصحيحة، لكنني مرهق ولا يمكنني تحمل كذب كلينتون»، قال أحد مؤيدي ترامب لصحيفة «يو.اس.إي توداي».
كلينتون في المقابل مصنوعة من المادة الثانية، التي تعلق بها كل بقعة سوداء. العملية التي حدثت ضد السفارة الأمريكية في بنغازي، التي حدثت عندما كانت وزيرة للخارجية في 2012، لم يتوقف التحقيق بشانها. وقد تم التحقيق فيها حتى الملل. لا توجد أحداث كثيرة تم التحقيق فيها إلى هذه الدرجة.
صديق أمريكي قال لي إن الموضوع ليس هيلاري فقط. ففي حينه أقض الجمهوريون مضاجع بيل كلينتون أثناء حملته الانتخابية. وبراك اوباما تعرض ايضا إلى وابل من الاهانات الشديدة عشية انتخابه لولايته الثانية.
صحيح أن اليمين في الولايات المتحدة يسيطر على ماكينة إعلامية كبيرة، لكن اضافة إلى ذلك، تعاني كلينتون مما يسمى في الفيزياء «تعب المادة». وحتى لو اختفى التشهير من برنامج العمل مع مرور الوقت ـ فان الحاجة إلى استبدال ذلك بشيء آخر هي أمر ضروري. توجد لها سيرة جماهيرية طويلة ـ بصفتها سناتور، وزيرة خارجية وسيدة اولى مدة ثماني سنوات. لكل شيء توجد حدود، لا سيما انها لا تحمل البشرى.
المشكلة هي أن البديل في هذه المرة يبشر بمستقبل متكدر. ترامب يقفز من تحريض إلى تحريض، مرة ضد المسلمين والآن ضد المهاجرين. ومؤيدوه المتحمسون يعبرون عن اللاسامية المقرفة. إن سمو أمريكا قد تحقق بسبب موجات الهجرة على مر الاجيال. فهي التي منحت الولايات المتحدة تفوقها في العالم. في حينه، في خطاب تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، قال جون كنيدي: «لا تسأل عما يمكن للدولة أن تفعله من اجلك، بل اسأل عما يمكنك فعله من اجل دولتك». المهاجرون بعملهم وعرقهم ومواظبتهم رفعوا الولايات المتحدة إلى القمة. ترامب يدعي انه سيعيد لأمريكا سموها، لكنه في الوقت الحالي يعمل على تدهورها.
هآرتس 5/9/2016