مصيرالعرب مع «شعب الأسياد»

حجم الخط
0

أمل، والدة محمود بدران، بالتأكيد اهتمت مثل أي أم أن لا يتأخر ابنها (15 سنة) أكثر من اللازم في رحلة الاستجمام في المسبح في بيت سيرا مع أبناء عمه، في ذلك المساء الصيفي الحار في حزيران 2016. لقد قلقت من أن لا يستطيع عهد (21 سنة) الذي هو الوحيد البالغ من بين الشباب السبعة، التعامل مع التواءات الشارع الضيق عند قدومك إلى الجحيم الذي قدمه بسخاء السادة الذين حفروه لهم كي يستطيعوا الزحف تحت الشارع السريع الذي قمنا بشقه لانفسنا على أراضيهم التي سلبناها. شارع متعرج، جحيم، بعد بضع دقائق سيعود الشباب إلى البيت، إلى الأم القلقة في قرية بيت عور التحتا.
ولكن محمود بدران لم يعد إلى البيت. في ذلك الصيف الحار وأثناء عودتهم من المسبح قام جندي إسرائيلي بإطلاق النار على سيارتهم التي كان يقودها عهد والتي كان فيها أبناء العم الستة ومن بينهم محمود. من جانب الشارع السريع، بنظرة من فوق إلى السيارة التي تسير في الشارع الضيق في طريقها إلى الجحيم ـ كانت تلك هدف سهل. محمود قتل على الفور، السائق عهد وأحد أبناء العم أصيبوا إصابات بالغة، واثنان اصيبا بجراح متوسطة. الجرحى وجدوا حماية في جحيم «نسيج الحياة» الذي حفرناه لمصلحة شعب الرعايا الذين ندير حياتهم وموتهم.
لقد شاء القدر قبل بضعة أسابيع من قيام الجيش الذي قمنا بإرساله إلى المناطق للسيطرة على السكان بقتل محمود، أعلنت «بتسيلم» عن توقفها عن تقديم الشكاوى للشرطة العسكرية باسم الفلسطينيين على أن قوات الأمن سببت لهم الضرر، بما في ذلك في حالات القتل والإصابة أو التنكيل. وذلك بعد أكثر من عشرين سنة على محاولة العمل مع الجهاز العسكري لتطبيق القانون، ومئات الحالات التي عالجتها «بتسيلم» بما في ذلك القيام بتحقيقات أساسية، أخذ شهادات، جمع تقارير طبية ـ وتقريبا كان هناك صفر من الحالات التي تم فيها تقديم أحد للمحاكمة. على قاعدة هذه التجربة الشاملة لم نستطع سوى التوصل إلى استنتاج كان يصرخ من كل ملف آخر يتم إغلاقه من دون نتيجة: الأمر يتعلق بجهاز لإخفاء الحقائق، هدفه ليس إحقاق الحق أو المساءلة، بل التمويه والتغطية ـ في نهاية الأمر فإن التبريرات التي تتم صياغتها بجمل طويلة وملتوية وبلغة قانونية التي عندما تترجم إلى اللغة العبرية، فإنهم جميعا يقولون الشيء نفسه: لا توجد قيمة للدم الفلسطيني.
التحقيق الذي نشرناه عن قتل محمود ختمناه بالكلمات التالية: «الجيش أعلن حقًا عن فتح تحقيق للشرطة العسكرية لفحص ظروف الحادثة، لكن كما ادعت «بتسيلم» في التقرير الذي نشرته قبل نحو شهر، فإن الجهاز العسكري لتطبيق القانون يستخدم في الأساس جهازا لطمس الحقائق، لذلك يجب عدم تعليق آمال كبيرة على أن تحقيقا كهذا سيؤدي إلى تغيير نظامي في سياسة الجيش، وفي إحقاق الحق. حادثة قتل محمود وإصابة الشباب الذين كانوا معه في السيارة، كانت حادثة من الأحداث الأولى التي رفضنا فيها مواصلة المشاركة في مسرح طمس الحقائق. بدلا من ذلك قمنا بالتحقيق في الحادثة ونشرنا الشهادات على الجمهور وعرضنا بصورة واضحة تقديرنا بشأن الوظيفة الحقيقية لـ «تحقيق الشرطة العسكرية» في حالات كهذه.
لقد مر 19 شهرا على ذلك منذ ذلك الحين، وبالنسبة للقتلى الآخرين لهم فتحت ملفات وأغلقت ملفات، وواصل جهاز طمس الحقائق القيام بما قام به طوال الوقت. أنا أعرف الحقائق وأعرف المعطيات، لذلك لم يكن لدي أمل بالعدل ـ لا من الشرطة العسكرية ولا من النيابة العسكرية ولا من المحاكم. مع ذلك، عندما نشر قبل بضعة ايام في «هآرتس» أن هذا الملف أيضا يتوقع إغلاقه، لم يكن بالإمكان أن لا نصرخ في وجه الطريقة التي يتم فيها هنا طمس حقائق قتل فلسطيني آخر ـ الطمس يتم حتى عندما يتعلق الأمر بشباب كانوا عائدين من رحلة استجمام صيفية، وحتى عندما كان من الواضح جدا عدم وجود طريقة لتفسير وابل الرصاص هذا بنتائجه القاسية.
بعد الصدمة لا مناص سوى أن نعيد قول الحقيقة كما هي: العنف الذي لا ثمن له هو من أسس الاحتلال. من دونه سينهار النظام. كل من يفترض أن هناك احتمالا معقولا للاستمرار المؤقت للوضع الراهن، يستطيع قبول استمرار الفظاعة والطمس أيضا.
آلاف الإسرائيليين الذين يستخدمون يوميًا شارع 443، يمرون فوق الجحيم. ربما أن نظرهم يتوجه للحظة نحو المكان الذي وقف فيه الضابط والذي منه أطلقت النار، وربما يرون للحظة من طرف أعينهم وللحظة واحدة النقطة التي مات فيها محمود. ليس هناك في ذلك المكان نصب تذكاري أو أي شاهد.
لتعرف كل أم عربية أن مصير أبنائها وضع في أيدي شعب الأسياد الذي يستحق حسب رأيه كل استبداد. حيث لنا الشوارع ولنا البيروقراطية التي تعرف كيف تغسل دماء محكوميهم، وهم لهم الجحيم والرصاص الذي نغدقه عليهم.
محمود بدران كان ابن 15 سنة عند موته، ليتبارك ذكره.
هآرتس 17/1/2018

مصيرالعرب مع «شعب الأسياد»
يعتقد اليهود أن الشوارع البيروقراطية لهم وللفلسطينيين الجحيم والرصاص
حجاي العاد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية