إسطنبول – «القدس العربي»: يتواصل حراك سياسي وعسكري على أعلى المستويات في العاصمة التركية أنقرة تشارك فيه الولايات المتحدة وروسيا وإيران مع تركيا لرسم مصير ومستقبل محافظة إدلب السورية التي باتت مركز الصراع في شمالي سوريا وتشكل عبئاً كبيراً على تركيا. الحراك الذي بدأ بزيارة رئيس أركان الجيش الإيراني إلى أنقرة قبل أيام سوف يشهد زخماً أكبر مع زيارة مرتقبة الأربعاء لوزير الدفاع الأمريكي وأخرى لوزير الدفاع الروسي، بالتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للأردن في لقاءات سوف تتركز بشكل أساسي حول إدلب.
وتصاعد التركيز الدولي والحرج التركي من الأوضاع في إدلب عقب توسيع هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) سيطرتها على المحافظة لا سيما المعابر الحدودية مع تركيا ومساعي روسيا لفرض المنطقة الرابعة من اتفاقية «مناطق عدم الاشتباك» بالمحافظة.
وبينما سرت أنباء عن محاولات تركية حثيثة جرت خلال الأسابيع الأخيرة للتوصل إلى توافقات سياسية تتيح انسحاب العناصر المتشددة من المحافظة لتجنيبها عملية عسكرية تضر بالمدنيين المتكدسين فيها، لا يستبعد مراقبون أن تكون المباحثات الحالية تضع اللمسات الأخيرة على مخطط عملية عسكرية دولية في المحافظة وسط مؤشرات متزايدة على هذا الأمر.
وقبيل توسيع «تحرير الشام» سيطرتها على إدلب كانت المباحثات بين روسيا وتركيا وإيران في إطار «مباحثات الأستانة» تتركز على بحث آليات فرض منطقة عدم اشتباك في إدلب وذلك من خلال نشر قوات تركية أو تركية وروسية في مناطق بالمحافظة لوقف الاشتباكات لكن ومع تعزيز «الهيئة» سيطرتها يرى مراقبون أنه بات من الصعب تطبيق هذا المقترح لا سيما وأن جميع الأطراف وخاصة تركيا باتت تؤكد باستمرار على أن «الهيئة» ما هي إلا فرع لتنظيم القاعدة الإرهابي وتتجنب الدخول معها في توافقات سياسية. وفي زيارة وصفت بـ»غير المسبوقة» حل رئيس أركان الجيش الإيراني محمد باقري وعدد من كبار قادة الجيش بينهم قائد الحرس الثوري ضيوفاً ولمدة ثلاثة أيام على العاصمة التركية أنقرة، تخللها مباحثات ولقاءات مع رئيس الأركان التركي خلوصي أكار ووزير الدفاع نور الدين جانيكلي والرئيس رجب طيب أردوغان.
المباحثات التي تركزت حول الملف السوري قال الجانبين إنها «معمقة» ومهمة وجرى الاتفاق خلالها على رفع مستوى التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين وفي الإقليم إلى مستويات غير مسبوقة، وجرى التأكيد على «العمل المشترك في مواجهة التهديدات الإرهابية المشتركة».
وذهب محللون إلى أبعد من ذلك بالقول إن المباحثات التركية الإيرانية تعبر عن قرار استراتيجي تركي جديد بزيادة التحالف مع إيران على حساب العلاقات مع واشنطن التي قدمت أسلحة ثقيلة للمسلحين الأكراد في شمالي سوريا، وذلك في مسعى لكسب دعم إيران التي تتقاسم نفس المخاوف مع أنقرة وترفض قيام دولة كردية في شمالي سوريا أو انفصال إقليم شمالي العراق لعدم تشجيع أكراد تركيا وإيران للمطالبة لدولة مستقلة، وهو ما يمكن أن يقود طهران لدعم مساعي تركيا لتنفيذ عملية عسكرية ضد الوحدات الكردية في عفرين.
وعلى صعيد متصل، وحسب ما أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو فإن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو سيزور تركيا «قريباً» للتباحث حول الوضع في محافظة إدلب السورية، وقال في حوار تلفزيوني: «الوضع في إدلب مهم جداً لتركيا»، وأشار إلى أن «محادثات تقنية بين تركيا وروسيا وإيران تسعى للوصول إلى حل سياسي سيكون الخطوة التالية بعد ضمان تطبيق وقف إطلاق النار»، كما لفت إلى أن «روسيا تتفهم الحساسيات التركية تجاه الامتداد السوري لتنظيم بي كا كا الإرهابي أكثر مما تفعل الولايات المتحدة التي لم تتوان عن تقديم الدعم العسكري له».
وبينما تحدثت مصادر إيرانية عن زيارة قريبة للرئيس التركي إلى إيران، يزور أردوغان الاثنين العاصمة الأردنية عمان ويبحث مع الملك عبد الله الثاني العديد من الملفات أبرزها الأوضاع في سوريا.
ويصل وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، تركيا، يوم الأربعاء المقبل حسب بيان لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، حيث من المقرر أن يلتقي أردوغان ووزير الدفاع، نور الدين جانكلي، ووزير الخارجية، مولود جاوش أوغلو، وقال البنتاغون: «الوزير سيؤكد للجانب التركي التزام واشنطن، الذي لا يتزعزع، بالتحالف مع أنقرة، على مستوى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وباعتبارها شريكًا إستراتيجيًا».
وأمس الأحد، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن بلاده، هي من يدفع ثمن عدم الاستقرار الحاصل في عفرين بمحافظة حلب شمال غربي سوريا، وإدلب (شمال)، فضلاً عن الأبرياء المقيمين هناك، وعن إمكانية قيام تركيا بعملية عسكرية في عفرين وإدلب، قال يلدريم: «الأمور هناك غير واضحة المعالم، التنظيمات الإرهابية كافة تأخذ تتنازع على السلطة، ونحن والأبرياء السوريون هناك من ندفع ثمن ذلك».
وفي توصيف منه للأوضاع هناك أضاف: «الأوضاع تشبه القدر الذي يغلي، ولأننا دولة جوار فهذا الأمر يمثل تهديداً دائماً بالنسبة لنا»، مشدداً على أن بلاده «مستعدة لإعطاء الرد المناسب في الداخل والخارج لأي تهديد يستهدف أمن حدودنا، وأمن المواطنين، ويعرض ممتلكاتهم للخطر.. قادرون على توجيه الرد المناسب دون تردد».
وطوال الأسابيع الأخيرة، اتخذ الجيش التركي تدابير عسكرية وأمنية كبيرة على الحدود التركية مع سوريا لا سيما المناطق المقابلة لمحافظة إدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، ومقابل عفرين التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية وسط تهديدات متزايدة من المسؤولين الأتراك بنية بلادهم تنفيذ عملية عسكرية ضد هذه الوحدات في عفرين.
والجمعة، دعت وزارة الخارجية الروسية، لضرورة تعزيز الجهود في إطار عملية أستانا من أجل إنشاء منطقة خفض تصعيد رابعة في سوريا تكون بمحافظة إدلب.
وكان يلدريم اعتبر أن «جماعات متطرفة باتت تتولى زمام الأمور في إدلب»، فيما أعلن أردوغان أن «محادثات بشأن الوضع في إدلب جارية بين جهاز الاستخبارات التركي وإيران وروسيا».
إسماعيل جمال