مصير الاتفاق النووي

من أهم الاسئلة التي ظلت مطروحة قبيل وبعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة كان السؤال عن مستقبل الاتفاق النووي مع إيران.
الأهمية لم تنبع فقط من انعكاس مصير ذلك الاتفاق على العلاقات الإيرانية الأمريكية، ولكن وبشكل أهم، من كون هذا الملف قد أصبح كالمغناطيس الذي يجذب إليه الكثير من الملفات السياسية والإقليمية، لارتباطه بالتحركات الإيرانية والتمدد الشيعي في العراق وسوريا، وغيرها من القضايا التي يمكن أن تكون من بينها العلاقة مع أطراف إقليمية متنافسة، كروسيا وتركيا ودول الخليج.
مال أغلب المحللين العرب في طرحهم لهذا الموضوع إلى التركيز على حقيقة أن ترامب أعلن موقفه من الاتفاق إبان الحملة الانتخابية، حيث وصف ذلك الاتفاق بـ»الغبي» ووعد أن ينقضه، أو «يمزقه» حسب تعبيره، بمجرد تسلمه مقاليد الرئاسة. هذا يعني أن الاتفاق في طريقه للانحسار، وأن التحالف الأمريكي الإيراني المفترض، الذي بني على نجاح هذه الصفقة قد انتهى.
بعد الصدمة التي حققها فوز ترامب بالرئاسة في البلد الأهم على مستوى العالم، وفي ظل المحاولات المستميتة لاستقراء ما ستحمله سياسته الإقليمية من مفاجآت في ظل تصريحاته المفعمة بالكراهية ضد العرب والمسلمين، وهي التصريحات التي لم يتراجع عنها بشكل واضح حتى الآن، في هذا الجو المفعم بحبس الأنفاس وانتظار الأسوأ، خرج علينا من يقول إن إيجابية ترامب الوحيدة قد تكون عداءه للنظام الإيراني ورفضه للاتفاق النووي، بل إن البعض تمادى في تحليل هذا العداء ولم يستبعد أن يرعى ترامب المعارضات الإيرانية المسلحة التي تهدف لانتزاع الحكم بالقوة من أيدي السلطة الحالية وهي الرؤية التي تقدم بها المرشح الأبرز لحقيبة الخارجية جون بولتن.
أحاول هنا أن أقدم قراءة هادئة حول الموضوع. قراءة تستند في المقام الأول على حقيقة أنه لا يمكننا أن نأخذ جميع تصريحات ترامب الانتخابية على محمل الجد. هذا ينطبق على ترامب ومن قبله على سلفه أوباما، الذي لو حاكمناه بمقاييس خطاباته الثورية، إبان حملات الترشح لوجدناه لم يحقق مما وعد به إلا القليل جداً، بل إن هذا التمايز بين ما هو معد للاستهلاك التعبوي وما هو واقعي فعلاً وممكن التطبيق موجود بالفعل على مر الزمان والجغرافيا.
المشكلة مع ترامب أكثر تعقيداً من ذلك، فعلى عكس هيلاري كلينتون مثلاً، يبدو من المبالغة الحديث عن مشروع ترامبي أو رؤية متماسكة وجدية حول قضايا المنطقة، وهذا معروف باعتبار أن ترامب ليس سوى رجل قادم من عالم مختلف تماماً. يبدو ذلك لأول وهلة جيداً فهو يوحي بأن الرجل سيبدأ التعامل مع قضايا ما يعرف بـ»الشرق الأوسط» على نحو جديد ومتحرر من القراءات التقليدية. كل هذا يبدو واقعياً ومنطق،ياً لكن ما فات على من استبشر بكون ترامب رجلاً «من خارج المؤسسة» هو كونه سوف يحتاج بالضرورة إلى معونة من مستشارين وخبراء من داخل المؤسسة، وهو الأمر الذي سبق أن حدث مع جورج بوش الابن الذي كان أكثر بساطة ربما من ترامب، خاصة فيما يتعلق بتعقيدات السياسة والعلاقات الدولية.
هكذا نكون قد عدنا للمؤسسة من جديد عبر باب خلفي، هذا الباب سيكون هو الأهم في توجيه سياسات الرئيس الأمريكي الجديد. أولى المهام الموكلة إلى هؤلاء المساعدين الجدد هي محاولة خلق مشروع مميز للإدارة الجديدة متصالح بشكل ما مع القيم الأمريكية وقريب في الوقت ذاته من منهج الرئيس ترامب ووعوده الشعبوية، خاصة عداء الأجانب وما تعلق بتغيير خريطة الحلفاء. هذا هو سر الاهتمام الأمريكي بمعرفة الأشخاص الذين وثق بهم ترامب وقربهم إليه، فهم الذين سيملكون بعد قليل مقاليد الأمور الفعلية. حينما اهتم بعضنا بذلك بعد الفراغ من تكرار الحديث عن شخصية ترامب وتحليل الكيفية التي وصل بها إلى سدة الحكم، تم الانتباه إلى أن الرجل اختار معاوناً عربياً مسلماً ضمن طاقم مستشاريه، وهو الأمر الذي ينفي عنه تهمة العنصرية.
لحظة الاستبشار تلك لم تستمر لوقت طويل ولم تكن الصدمة نابعة من مجرد كون وليد فارس، وهو المستشار المقصود هنا، ليس مسلماً، ولكن من المعلومات التي تناقلها الإعلام الأمريكي نفسه، وخاصة المقرب من اليمين الترامبي، والتي ركزت على ألا مبرر للقلق من وجود الرجل ضمن الطاقم الاستشاري للرئاسة الامريكية. صحيح أن الرجل لبناني الأصل لكنه مشارك قديم في الحرب الأهلية ضد المكونات اللبنانية الأخرى، وخاصة الإسلام السني. كل تلك أسباب تجعله ذا خبرة يمكن الاستعانة بها في توجيه السياسة الأمريكية للمنطقة، خاصة محاربة التطرف والإرهاب، لاسيما وأن له مساهمات مميزة في هذا المجال ضمن برامج وقنوات تلفزيونية معادية للمسلمين جملة كشبكة فوكس نيوز.
هذه هي وجهة نظر الإعلام الأمريكي نفسه، بل إن «واشنطن بوست» رأت في مقال نشر قبل أيام أن فارس، وبوحي من القيادي اللبناني سمير جعجع، كان يسعى لتطوير القوات اللبنانية إلى «جيش مسيحي» مستقل. أما موقع «ميدل إيست آي» الشهير فقد تحدث باسهاب عن الروابط التي تجمع الرجل بالمراكز الصهيونية. لنتجاوز صدمة فارس هذه ولنعود إلى ما يتعلق بمصير الاتفاق النووي. إن ما أريد قوله هو أننا حينما نكتفي بالقول إن ترامب ضد الاتفاق فإننا نكون قد ذكرنا نصف الحقيقة. أما نصفها الآخر فهو أن ترامب مهووس بمكافحة التنظيمات الإسلامية المقاتلة، وذلك هو ما يدفعه للاعتقاد بأن روسيا تحت قيادة بوتين تبدو دولة فاعلة وشريكاً مهماً.
الارتياح متبادل، وكان فرح الروس ظاهراً لدرجة أن البعض اتهمهم بالوقوف خلف ترامب عبر التلاعب بأصوات الناخبين. قد يكون في هذه النقطة الأخيرة مبالغة لكن الواضح أن الرئيس الروسي نفسه لم يخف مشاعره وانحيازه للرئيس الجمهوري. قد يقول قائل إن حكم أوباما نفسه لم يكن سيئاً بالنسبة للروس، فهو لم يتسبب لهم بأي مضايقة فعلية، بل على العكس كان دائم التنسيق معهم عسكرياً ودبلوماسياً. هذا ليس صحيحاً مئة بالمئة، فقد كانت إدارة أوباما تلوم كثيراً روسيا على دعمها الأسد وتتهمها باستهداف المدنيين، في الوقت الذي تصور فيه نفسها كطرف مهتم بحماية السكان وبتنحي الرئيس الذي يقتل شعبه. في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ العلاقة بين البلدين يرى بوتين أنه سيرتاح من النغمة الوعظية الأمريكية، ما سيتيح له فرصة أكبر للتمادي في خططه وتصوراته الخاصة بما يعتبره حلاً للأزمة. إذا مضى الأمر على هذا النحو ودخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة استراتيجية جديدة فهل يمكن أن تعادي الولايات المتحدة إيران التي هي صديقة صديقتها؟ ليست فقط صديقة صديقتها، ولكنها أيضاً ركن مهم في محاربة «الإرهاب السني» عبر طريقتها المميزة في الزج بآلاف المؤمنين بعقيدة الولي الفقيه في أتون المعارك. لا شك أن إيران الطائفية سوف تكون حليفاً لا يمكن الاستغناء عنه أبدا،ً خاصة مع وجود قناعة بأن الخطر إنما يأتي من التنظيمات السنية، حيث لا يشغل الإرهاب الشيعي نفسه إلا بتوجيه الضربات لمعاقل أهل السنة.
الواضح أننا ندخل اليوم مرحلة «تأصيل الهوس». هذا ما يتمثل في اختيار رجل مثل فرانك جفني المهووس بنظرية تآمر المسلمين على أمريكا، الذي عبر بشكل جاد أكثر من مرة عن اعتقاده بأن الإدارة الأمريكية مخترقة من قبل جماعة «الأخوان المسلمين» كمستشار في مجال الأمن القومي. كل ذلك سيجعل انهيار الاتفاق النووي مستبعداً، ولكن قبل أن أختتم أريد أيضاً توضيح نقطة أخيرة: ماذا نعني بانهيار الاتفاق حتى لو حدث؟ إن هذا لن يعني بأي حال الدخول في حرب مع إيران أو استعادة أجواء العداء بين الغرب وجمهورية الولي الفقيه، كما أن ذلك لن يعني العودة لمربع الحصار الاقتصادي ومحاولة تطويق النظام الإيراني، حيث أن المستفيد من الانفتاح التجاري الحالي ليس فقط السلطة في طهران، ولكن معظم الدول الأوروبية التي بدأت مشروعات بمليارات الدولارات بالتعاون مع شريكتها الجديدة. لذلك فإن تلك الدول غير مستعدة أبداً لهدم كل شيء مهما كانت الأسباب وهو ما أدركه الإيرانيون منذ البداية وساهم في تماديهم في اختراق الاتفاق الموقع نفسه أكثر من مرة.
الخلاصة أننا في الغالب حينما نتحدث عن انهيار الاتفاق فإننا إنما نعني الدخول في جولة جديدة من المفاوضات الهادفة لإنجاز اتفاق بشروط معدّلة وهو ما لمّح له مقربون من ترامب أخيراً باعتبار أن المسودة القديمة لم تكن تلبي طموحهم بشكل كامل. مثل هذا السيناريو سيخدم الطرفين، الأمريكي الذي سيظهر متصالحاً مع الموقف الترامبي من الاتفاق، والإيراني الذي سيرتاح من ذلك التناقض الذي ولده الاتفاق مع الغرب والذي أظهر البلاد كحليف لما كان يسمى حتى سنوات قليلة مضت بـ»الشيطان الأكبر». بهذه الطريقة سيكون ترامب قد قدم خدمة مهمة للجناح المتشدد من الملالي، حيث سيمكنهم من استعادة أدبياتهم القديمة حول «الاستهداف الامبريالي» للثورة وهو ما سيحتاجون له بشدة خلال الأيام المقبلة بالنظر لأن البلاد مقبلة على انتخابات رئاسية. من جهة أخرى ستكون طهران، في حالة الغاء الاتفاق، في حل من كل تعهد مما سيمنحها مساحة وحرية أكبر في العمل وصولاً لهدفها الاستراتيجي: امتلاك السلاح النووي.
كاتب سوداني

مصير الاتفاق النووي

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية