مصير فدرالية «روج آفا» من الحسكة إلى جرابلس

حجم الخط
0

ما زال الانسحاب المفاجئ لقوات تنظيم «الدولة» من جرابلس، مع دخول الجيش التركي إلى البلدة، يشكل لغزاً في حاجة إلى حل. يميل الكرد، المتضررين من التدخل التركي، إلى اعتبار ما حدث «مسرحية» تسليم واستلام بين تنظيم «الدولة» وتركيا، وخاصة منهم البيئة الموالية للتيار الأوجلاني (PYD)، في حين يميل آخرون إلى تفسير سلاسة العملية التركية بتجنب تنظيم «الدولة» لمزيد من الخسائر في معركة تدرك أنها خاسرة.
لا نملك من المعطيات ما قد يرجح تفسيراً على آخر، لكننا نعرف أموراً أخرى قد تساعد في إلقاء الضوء على الموضوع. والأمر الأساسي الذي يتفق عليه جميع المراقبين، تقريباً، هو أن هدف تركيا من دخول جرابلس هو قطع الطريق على محاولة القوات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي السيطرة على المنطقة الواصلة بين كوباني وعفرين، في إطار تكريس الكيان الفيدرالي الذي أعلن عنه في آذار/مارس الماضي. بمعنى أن تركيا لا تحارب تنظيم «الدولة»، بقدر ما تواصل حربها الداخلية على حزب العمال الكردستاني، في سوريا، من خلال ضرب فرعه السوري المتمثل بحزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب.
لفت الكاتب التركي روشن تشكر إلى أن تنظيم «الدولة» لم يتبنَّ، إلى اليوم، أي من عملياته الإرهابية على الأراضي التركية، بخلاف تبنيه المباشر لعملياته في دول أخرى، على رغم كل الإشارات التي تؤكد مسؤوليته عنها، أهمها عملية مطار أتاتورك في إسطنبول والعمليات التي استهدفت تجمعات كردية في ديار بكر وسروج وأنقرة وغازي عنتاب. بالمقابل، يضيف تشكر، حرص كبار المسؤولين الأتراك على عدم الهجوم على تنظيم «الدولة»، في تصريحاتهم العلنية، إلا مرفقاً بحزب العمال الكردستاني و – منذ الانقلاب العسكري الفاشل – بجماعة فتح الله غولن، بوصفها جميعاً بالمنظمات الإرهابية.
هذا يعني أن الطرفين لا يريدان، إلى الآن، قطع شعرة معاوية فيما بينهما. وبصرف النظر عن صحة أو بطلان الاتهامات الكثيرة، من الأمريكيين والأوروبيين والروس وغيرهم، بتعاون مفترض بين تركيا وتنظيم «الدولة»، فالأمر الثابت أن هناك تقاطع مصالح وحاجة متبادلة بين الطرفين، على الأقل إلى ما قبل فتح قاعدة إنجرليك لاستخدام طيران التحالف الدولي، تموز/يوليو العام الماضي. فمنذ تلك اللحظة بدأت عمليات تنظيم «الدولة» الإرهابية تضرب داخل الأراضي التركية، كأنما لتحذير تركيا من مغبة المشاركة في الحرب الدولية عليه. أضف إلى ذلك أن تلك العمليات استهدفت، في معظمها، تجمعات مدنية كردية محسوبة على حزب الشعوب الديمقراطي – الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني المحارَب من الحكومة التركية. علماً بأن تنظيم «الدولة» يملك شبكة كبيرة من الجهاديين الأتراك، داخل تركيا، قابلة للتفعيل عند الحاجة.
الأهداف الأمريكية والتركية، من معركة جرابلس وما بعدها، متباينة. ففي حين يريد الأمريكي مشاركة تركية فاعلة في الحرب على «الدولة الإسلامية»، يريد الأتراك إقامة منطقة آمنة، طالما طالبوا بها، لمنع تشكيل كيان كردي على حدودها الجنوبية. منطقة تمتد على مسافة 98 كيلو متراً بين جرابلس وإعزاز، تشكل إسفيناً بين كوباني وعفرين.

الجديد هو التقارب التركي ـ الروسي

منذ شهر حزيران/يونيو الماضي، بدأت تركيا تغييراً كبيراً في سياستها الخارجية، وخاصةً بالنسبة لدورها في الصراع السوري. هذا التاريخ يتطابق مع استقالة (إقالة) أحمد داوود أوغلو وتشكيل حكومة جديدة برئاسة بن علي يلدريم. من المحتمل أن داوود أوغلو لم يستطع أن يتكيف مع التغيير الكبير المقبل، ففضل الانسحاب. وجدت تركيا نفسها في عزلة خانقة بعد إسقاط مقاتلاتها لطائرة السوخوي الروسية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وباتت مهددة بتصفية دورها في الصراع السوري بصورة تامة على يد الروس، من غير أن تلقى سنداً في حليفها الأمريكي. ما يعني خسارة استثمار سياسي كبير طوال السنوات الخمس الماضية. فكان مفتاح التغيير يبدأ من موسكو. الاعتذار العلني عن إسقاط طائرة السوخوي، ثم قبول بوتين للاعتذار، فزيارة أردوغان إلى سان بطرسبورغ. ما تبين، إلى الآن، من هذا التقارب الروسي – التركي، في الموضوع السوري، هو قبول أنقرة ببقاء بشار الأسد في مرحلة انتقالية، مقابل مراجعة موسكو لتحالفها مع قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، بما في ذلك ما رأيناه من قبول موسكو الضمني باجتياح القوات التركية لبلدة جرابلس.
وبدت واشنطن، في المقابل، متحمسة لعملية جرابلس، وأمنت للقوات التركية غطاءً جوياً، على أمل توريط الجيش التركي، أخيراً، في الحرب على تنظيم «الدولة». وإن كانت تدرك أن أولويات أنقرة مختلفة عن أولوياتها: منع إقامة الكيان الكردي على حدودها الجنوبية، لا محاربة التنظيم. واشنطن التي «تتفهم» الهواجس التركية هذه، ترسم لحليفيها التركي والكردي دورين متكاملين، من وجهة نظرها، في مواجهة تنظيم «الدولة»: منطقة آمنة، أو عازلة، لتركيا تحت سيطرة فصائل سورية متحالفة معها غربي نهر الفرات، ومواصلة «وحدات الحماية» (في إطار قوات سوريا الديمقراطية) الحرب على التنظيم في اتجاه الرقة. كان من نتائج التقارب التركي – الروسي، والتركي – الإيراني، ومتطلباتهما، أن أنقرة بدأت ترسل إشارات إيجابية، على لسان رئيس الوزراء يلدريم، إلى نظام دمشق نفسه، في حملة ممنهجة لتهيئة الرأي العام لهذه الانعطافة الكبيرة، بعد أكثر من خمس سنوات من العداء الشديد بين الطرفين. ومن ذلك تسريب أخبار الوساطة التي يقوم بها قادة حزب الوطن («العمال التركي» سابقاً ذي الاتجاه القومي – الماوي) بين أنقرة ودمشق، منذ أوائل العام الحالي. يمكن قراءة معركة الحسكة التي اندلعت، قبل أسابيع، بين قوات النظام وقوات وحدات حماية الشعب، وانتهت إلى هدنة فرضها الوسيط الروسي، بوصفها «بادرة حسن نية» من قبل نظام دمشق تجاه تغيير تركيا لسياستها السورية. طبعاً يريد النظام من تركيا ما هو أكثر من مجرد القبول ببقاء بشار في المرحلة الانتقالية، فهو يريد منها قطع أي خطوط إمداد لفصائل المعارضة المسلحة في حلب وإدلب، ومن المرجح أنه يتحرق شوقاً لزيارة أي مسؤول تركي إلى دمشق. في حين تعلم أنقرة أن خطوات من هذا النوع من شأنها إنهاء أي دور لتركيا في رسم مصير سوريا ما بعد الأسد، وترك هذا المصير ليستفرد به الأمريكيون والروس والإيرانيون. لذلك كانت دعوة بن علي يلدريم لاجتماع يضم تركيا وإيران والسعودية والولايات المتحدة وروسيا للتباحث حول إنهاء الحرب في سوريا، مع معرفته بأن هذه الدعوة لن تجد آذاناً صاغية.

ماذا عن حزب الاتحاد الديمقراطي؟

واضح أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو أكثر المتضررين من معركة جرابلس، وما سيليها من ترتيبات في الشمال السوري. لقد ذهب هذا الحزب بعيداً في أوهامه المتعلقة بالاستفادة من حربها ضد تنظيم «الدولة»، لفرض أمر واقع جديد يتمثل في بسط سيطرته على كامل الشريط الحدودي مع تركيا، بدءا من الحدود العراقية وصولاً إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط. اعتبرت قيادة هذا الحزب أن حاجة واشنطن إليها لمحاربة التنظيم، بالتوازي مع فتور العلاقات الأمريكية التركية، من شأنها أن تمنحه الفرصة الذهبية لإقامة سلطته على تلك المساحات من الأراضي. وجاء اسقاط المقاتلات التركية لطائرة السوخوي كهدية من السماء، فكسب الحزب حليفاً جديداً في روسيا. هذه الأوهام الناتجة عن تحالفه مع الأقوياء، دفعت الحزب إلى ارتكابات كان من شأنها استعداء الجيران العرب، كحملات التهجير في ريفي الحسكة وتل أبيض، أو احتلال قرى عربية في شمال حلب. الآن انقلبت الموازين واختلطت الأوراق من جديد: تصالحت موسكو مع تركيا، واستعادت هذه رضى واشنطن. حتى نظام دمشق الذي كان بمثابة الحليف انقلب ضد الحزب الكردي، ومن ورائه طبعاً طهران التي عادت العلاقات الدافئة بينها وبين أنقرة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.
حين حاولت قوات حماية الشعب مواجهة التدخل التركي في جرابلس، تلقت رسالة قاسية من واشنطن تطالبها بالانسحاب إلى شرقي نهر الفرات. وهكذا ذهبت كل تضحيات هذا الحزب في قتال تنظيم «الدولة»، في منبج، أدراج الرياح. سنعرف في الأيام المقبلة هل سيسمح الأمريكي للحزب الكردي بالتوجه نحو مدينة الباب قرب حلب، في محاولة أخيرة لاستكمال «الكوريدور» بين كوباني وعفرين، من جنوب «المنطقة الآمنة» المفترض تسليمها لتركيا، أم أن الود الأمريكي – التركي المستجد سيحول دون ذلك؟
المرجح، وفقاً لما تشي به الاصطفافات الجديدة للقوى، أن حلم الوصل بين كوباني وعفرين انتهى، في المرحلة الحالية على الأقل. ولا يمكن للحزب الكردي أن يستعيده إلا إذا تعثرت التفاهمات الأمريكية الروسية بشأن «الحل السياسي» وفق خريطة طريق فيينا، قبل نهاية ولاية أوباما. كذلك يمكننا أن نتوقع، في المرحلة المقبلة، فتوراً في همة الحزب الكردي في الحرب على تنظيم «الدولة»، وخاصة في إطلاق معركة الرقة كما يرغب الأمريكيون، بعد خيبة أمله الكبيرة المتمثلة في إخراج قواته من منبج.

مصير فدرالية «روج آفا» من الحسكة إلى جرابلس

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية