منذ بداية الأحداث الأوكرانية عام 2014 وخبراء النفط يتنبؤون بحدوث خلل كبير في أسعار النفط والغاز، هذه الأحــــداث صـــارت لها تداعيات جيوسياسية عميقة على مخـــتلف اقتصاديات العالم، لاسيما في أوروبا وخارجــــها.
وإذا أردنا بحث هذه التداعيات على انهيار أسعار النفط العالمـــية، فعليـــنا العودة قليلاً الى الوراء، وتحديداً حينما بدأت الأزمة الأوكرانية، والتهديد الروسي بقطع الغاز عن أوروبا بأكملها، لاسيما مع اقتراب زيادة الطلب الأوروبي على الغاز الروسي استعداداً لفصل الشتاء.
هذه الحالة دفعت الولايات المتحدة بعد فشلها الواضح في إدارة الأزمة الأوكرانية، إلى اللجوء لسياسة المضاربة والإغراق وخفض أسعار النفط العالمية عبر السعودية لضرب الاقتصاد الروسي من ناحية وضرب إيران الذراع الروسية في الشرق الأوسط، في محاولة لإيجاد تسويات تتعلق بالبرنامج النووي من ناحية أخرى، بالإضافة الى فرض حلول أمريكية على روسيا وإيران تتعلق بالساحة العراقية والسورية. هذه القضية تمثل تعويضا أمريكيا لخسارتها على الساحة الأوكرانية، وردا على عدم قدرة صانع القرار الأمريكي حينها لإيجاد حلول سريعة تتعلق بأوكرانيا.
ويعزي البعض أسباب تدني أسعار النفط وانهيارها بهذه الصورة الى زيادة قدرة الولايات المتحدة على إنتاج النفط الصخري، وانخفاض الاستهلاك العالمي للنفط مقابل صعود دور المصادر الأخرى، بالإضافة الى ظهور جهات خارج أوبك تبيع النفط بصورة غير رسمية، وهي التنظيمات المسلحة.
ويعزي البعض الآخر الامر لأسباب أهمها ما يتعلق بتحجيم الدور الروسي والإيراني الإقليمي والدولي.
التداعيات الإقليمية الجيوأمنية: إيران واستراتيجية النفس الطويل إلى متى؟
في 2 أغسطس 1991 دخل العراق الى الكويت لأسباب عديدة مباشرة وغير مباشره (لسنا بصدد بحث تفاصيلها هنا) من بين أهم هذه الأسباب كان المضاربات النفطية في الأسواق العالمية التي قامت بها دول الخليج وتحديداً السعودية والكويت وغيرهما.
خلال الحرب العراقية – الإيرانية دعمت الكويت والسعودية العراق اقتصاديا، ووصلت حجم المساعدات الكويتية للعراق أثناء الحرب العراقية – الإيرانية إلى ما يقارب 14 مليار دولار، كان العراق يأمل بدفع هذه الديون عن طريق رفع أسعار النفط، بواسطة تقليل نسبة إنتاج منظمة أوبك للنفط. واتهم العراق كلا من السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة برفع نسبة إنتاجهم من النفط بدلا من خفضه، للتعويض عن الخسائر الناتجة من انخفاض أسعار النفط، ما أدى إلى انخفاضها إلى مستوى يتراوح بين 10 و12 دولارا بدلاً من 18 دولارا للبرميل. هذه الحالة تجبرنا على التفكير اليوم بالطريقة السابقة نفسها تقريباً، مع الأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الجيوسياسية الدولية والإقليمية الحادثة الآن، لاسيما دخول طرف جديد ومؤثر على ساحة المضاربة النفطية الدولية وهو تنظيم «الدولة الإسلامية». إن مقاربة الموضوع تاريخياً مع ما يحدث الآن من تداعيات مهمة تدفعنا الى طرح تساؤلات مشروعة ومتعددة الإبعاد أهمها: هل ستشهد المنطقة من جديد مواجهة مسلحة نتيجة لهذه المضاربات، على غرار التدخل العراقي في الكويت؟ هل إيران ستتحمل هذا الكم الهائل من الضغط وهي محاصرة والى متى، أم أنها لن تستطيع تحمل هذا الضغط كما حدث مع العراق ودخوله الى الكويت؟
السيناريو الأكثر رعباً هذا العام:
حسابات خارج الصندوق
بعد التطور الملحوظ على البيئة الإقليمية الشرق أوسطية التي أثرت بشكل واضح على حافات البيئة الدولية بسبب وجود فاعل جديد يبيع النفط خارج أوبك «تنظيم الدولة»، ومضاربات الرعب التي تقوم بها السعودية في الأسواق النفطية العالمية، يتوارد تساؤل مهم في هذه الأثناء: هل روسيا مستعدة لان تبقى متفرجة على هذا الانهيار الذي يؤثر استراتيجياً على مكانتها الإقليمية والدولية؟ بصفة عامة هذا السيناريو يختلف نوعاً ما عن سيناريو المضاربات النفطية التقليدية التي أدت الى دخول العراق في العمق الكويتي عام1991، بيد ان احتمالات حدوث تدخل عسكري إيراني مباشر (بنسبة شرطية) وارد نوعاً ما داخل العمق الخليجي، لكي توقف هذا النزف النفطي الحاد. التدخل المحتمل في الخليج لن يكون سهلاً بطبيعة الحال، ولن يكون شاملاً على الإطلاق. ربما سيقتصر على ضربة جوية خفيفة وسريعة تستهدف مصافي وأبار ومنصات نفطية خليجية، هدف هذه الضربة الإيرانية هو شل جزء كبير من عمليات إنتاج النفط في الخليج. الأمر الذي سيؤدي الى عودة النفط الى أسعاره الطبيعية بصورة تلقائية. جل هذا الأمر لن يتحقق إلا إذا استمرت هذه المضاربات النفطية وانخفاض الأسعار لفترة أطول. من ثم حينها نستطيع ان نتحدث بثقة أعمق عن احتمالات دخول المنطقة في مواجهة عسكرية، بشرط استمرار هذا النزول الصارخ في أسعار النفط وبشرط استمرار السعودية بهذه السياسة الصارخة في زيادة الإنتاج النفطي. فعندما يتم ضرب الأمن القومي الإيراني عبر بوابة الأمن الاقتصادي المحاصر دولياً، والمكبل بعقوبات اقتصادية تثقل كاهله على المدى المتوسط، فإن صانع القرار الإيراني ستكون أمامه حلول محدودة وخيارات صعبة للغاية، فلن تكتفي إيران بتعويض هذه الخسارة عبر العراق والتمدد به كفناء خلفي، أو عبر الضغط على الغرب من خلال ساحات سوريا واليمن، هذه الحلول الأخيرة تحتاج لفترة زمنية طويلة وربما أعوام، بيد أننا من جانب آخر يجب الا نفرط في التعميمات والذهاب نحو هذا الخيار بحرية تامة. بالنهاية نحن نتحدث عن احتمالات مستقبلية مشروطة وليست حتمية. جل الموضوع مرهون بمتغيرات وفرضية ان توفرت ظروفها فان الأمر سيقع ولا نجزم أبداً بان المواجهة ستحدث فعلاً.
«تنظيم الدولة»: فاعل جديد
في مضاربات النفط والدم
لأول مرة في التاريخ النفطي وتاريخ تداولات النفط العالمية يحدث ان يقوم فاعل من الفواعل الجدد غير التقليديين بهذه النوعية من المضاربات، أصبحنا الآن نتحدث عن طرف يبيع نفطا بدون ضوابط تتعلق بحجم التصدير وسعر البرميل، هذه المجاميع تبيع النفط بالطن وليس البرميل (الطن بـ20 الى 25 دولارا)، بينما البرميل السعودي والفنزويلي والإيراني يباع الآن بـ 56 دولارا، مع الأخذ بنظر الاعتبار كمية العرض المقدمة من هذه المجاميع التي لا تقارن بحجم عرض النفط الإيراني والسعودي والفنزويلي. بالنهاية الدول المستهلكة للنفط هي المستفيد الأكبر لأنها تبحث عن السعر الأقل والكمية الأكبر للمنتج نفسه. فالسوق النفطية العالمية تعتمد على معادلات وأرقام تتصاعد وتتنازل على مدار العام بحسب حجم الاحتياجات العالمية والعرض والطلب. على سبيل المثال من المفترض اقتصادياً ان يرتفع سعر النفط في الشتاء، بسبب زيادة الطلب والاستهلاك العالمي له في هذا الفصل، بينما نشهد الآن وفي هذا الشتاء انهيارا كبيرا في الأسعار، كان احد أسبابها زيادة العرض النفطي المقدم من «تنظيم الدولة».
القوى الكبرى: بين مسارات
التصادم وفرص التسوية
مع مطلع عام 2015 قامت الولايات المتحدة برفع الحظر الداخلي لديها المفروض على تصدير النفط للخارج، فقد تم السماح وبعد 40 عاما من الحظر بتصدير النفط الخام الأمريكي خارج الولايات المتحدة، بعد ان كان هناك حظر تصدير من عام 1973عندما استخدم العرب النفط كسلاح، يذكر ان هذا الأمر يعد من الأدلة التــي يمكن التعكز عليها في ما يخص المضاربات النفطية العالمية التي تدل على ان الأسعار ستبقى منخفضة لفترة طويلة والقضية ليست قضية مضاربات اعتيادية فقط .
روسيا وإيران من اكــــبر المتضررين بشــــكل مباشر في هذه المضاربة بيد ان الرد الروسي على المضاربات النفطية الأمريكية عبر السعودية ربما سيكون قريبا جدا، عبر تكتل بريكس. إذ بتاريخ 1/1/2015 تسلمت روسيا رئاسة التكتل وتم الاتفاق في عام 2014على تأسيس بنك دولي خاص بأعضاء هذا التجمع، مهمته إقراض الدول التي تحتاج لدعم مالي، هدف هذا البنك هو تحقيق توازن نقدي دولي مؤسساتي على غرار البنك الدولي، بالإضافة الى تأسيس بنك آسيوي بالتعاون بين بريكس والصين للإغراض نفسها. الصينيون يملكون اكبر احتياطي نقدي يصل الى 4 تريليونات دولار، بإمكان الصين ان تضخ جزءا من هذه الأموال- إذا ما اضطرت نتيجة الضغط الروسي عليها من بوابة اتفاقيات تكتل بريكس- في الأسواق العالمية، لكي ترد على الاستهتار الأمريكي في ما يتعلق بالمضاربات النفطية التي تحدثها عبر السعودية، ليصبح لدينا إغراق نفطي وإغراق مالي يتعلق بالدولار. هذا الموضوع عبارة عن سيف ذي حدين، فالصين على سبيل المثال مستفيدة جدا من هذا الانخفاض بسبب أنها تستورد كميات كبيرة من النفط من الخليج وبحر قزوين والانخفاض يناسبها، بينما الصين من ناحية ثانية في موقف محرج بسبب أنها جزء من تكتل بريكس، الذي عليه ان يتخذ تدابير لصد هذا الاستهتار الأمريكي وبسبب ان الروس لن ينتظروا لوقت طويل على هذه الشاكلة .نخلص هنا لسؤال نهائي هو ان بإمكان روسيا الرد على هذه المضاربات عبر بريكس، لكن السؤال الأصعب: كيف سيكون الرد الإيراني وعبر أي آليات؟
٭ كاتب عراقي
علي بشار بكر اغوان