كدت اخلع ثامن الابواب التي كنت اطرقها وانا أصرخ رضوان رضوان، واجري بينها حافية مجرحة القدمين مرتعشة الجسد، قلبي يكاد يكسر اضلعي، وريقي قطع من الزجاج المكسر أعجز عن ابتلاعها ، فيما تملأ أذني أصوات القذائف، وعلا غبار القصف ثيابي المحترقة، ران الضباب على عيني وفقدت الوعي، لأفيق بعد برهة على وجه ملائكي : هل انت بخير ما اسمك ايتها الانسة ؟ أنا أمل من مضارب بني تعس ،أريد أن أدخل .. أريد كوبا من الشاي بالميرامية وأنام، نظر رضوان … إلى اسماء علقت على البوابة التي فتحها ..لكن ليس لك اسم هنا !.وقال في لهجة ملؤها الشك : لا اسم لك وتفوح رائحة الحريق من ثيابك هل هربت من جحيم مالك ؟وقال كاظما غيظه : تريدين شايا بالميرامية ؟!، هل تظنينني نادلا في مقهى من مقاهي بلادكم التعيسة ! مجرد دخولك بهذه الهيئة الرثة سيطلق صفارات الإنذار لأن اهل هذا المكان لا يرتدون الا الحرير الاخضر ،وهناك احتمال كبير انها محاولة تسلل للهرب من الجحيم ،أخرجت ما بقي من مصروفي قلت له رضوان خذ ما تريد اريد أن أدخل ،كتم رضوان غضبه: سيدة أمل تريدين ان تدفعي رشوة وعلى أبواب الجنة ! هذا ليس مقر شرطة ولا مؤسسة حكومية في مضاربكم، أجهشت بالبكاء :رضوان أرجوك ، أين أذهب يعني !، رق قلب رضوان : لا بأس سادخلك للحفل في الداخل ..لكن انتبهي ممنوع أن يلاحظ منظرك هذا أحد ،ستتغير ملابسك لأن التعاسة ممنوعة هنا وستخرجين بعد دقائق ،ممنوع أن نستقبل أحدا هنا لم يحضره (عزرائيل) !
*ناولته ثمن التذكرة ،رضوان تفضل !قال مقهقها: صحيح أنك بنت مخيم هنا بالمجان! هيا ادخلي ، ما ان دخلت حتى نزل علي فستان أخضر حريري رائع، وانساب شعري ناعما كما كان من قبل ، الهواء شلال مسك!،أطفئت الانوار وظهر نور ساطع لرجل اسمه القاشوش حنجرته من ذهب، غناؤه كان يرسل على شكل ذبذبات الى أماكن كثيرة في الارض ويخبأ فيها !، وبمجرد أن فكرت في كوب من الشاي بالميرامية رأيته امامي يمشي على رجلين ويتصاعد منه الدخان !استعدت معنوياتي .. ورفعت قبضتي في الهواءهاتفة: الشعب يريد إسقاط النظام ،سمعت شهقة في الظلام فاذا بها سيدة كتب على جبينها شهيدات سجن تدمر قالت : يا إلهي الم يسقط النظام بعد !!، دق جرس الانذار فورا أتى رضوان مهرولا : انت لست في مضاربكم أيتها الفوضوية!، التعاسة والذكريات الأليمة ممنوعة هنا، لقد تسببت في إطلاق الانذار، أخرجتني عن طوري ممنوع علي الغضب، أنا خازن الجنة !، جرني من ذراعي بقوة شادا على أسنانه غيظا: هيا انتهى الوقت! ورمى بي خارج الباب وأغلقه بعنف، عادت لي هيئتي الرثة كما لو كنت سندريلا بعد الثانيةعشرة، دققت الباب بقوة، رضوان افتح ،هذا ليس عدلا !!الله لم ينسني!، ألم يقل (لقد احصاهم وعدهم عدا !!، فتح الباب غاضبا ، حسنا الله احصاك وهو يعلم ! ،منظرك يدل على هاربة من الجحيم ،أنصحك ان تتوقفي عن إثارة الشغب لأن مالك لو رآك لجرك من شعرك الى الجحيم ،…مكان لا يخـتــلف كثيرا عن مضاربكم ،وأغلق الباب خلفه بعنف.
تكومت على الأرض وجسدي يرتجف من البرد والجراح، ودفنت رأسي على ركبتي المحطمتين وأجهشت بالبكاء يا رب مخيمات في الدنيا ومخيمات في الآخرة ! ،أفقت فجاة على ضربة كالجبل على كتفي وصوت رهيب : أنت ماذا تفعلين هنا؟ كان ملاكا ضخما يخرج الشرر من عينيه والدخان الأسود اللاهب من فتحتي أنفه وأذنيه ،أغمي علي لفظاعة خلقته ،واستيقظت على صفعة كاد فكي منها ان ينكسر، اشتبهت لبرهة أنني في أحد المقرات الأمنية في مضارب بني تعس، فتحت عيني واستجمعت شجاعتي وصرخت فيه: بل انت من ؟ رد بصوت كالرعد : من أنا !! أنا مالك خازن النار، ما اسمك وأين هويتك؟، لأعرف في أي دركات الجحيم ادخلك، …قلت : لو كنت ملاكا كان عرفت اسمي لحالك! حتى تصحيني !! أنت طلع هويتك الأمنية! مخابرات بني تعس حتى في الآخرة !
زمجر غاضبا وأنفاسه تلسعني وتشحبر وجهي: إذا لم تتهذبي وانت تتحدثين معي سأقنعك من أكون فعلا!، صرخت! عامل حضرتك دورة في سجن المزة ! شكلك واحد من ضباط مخابرات مضارب بني تعس ولا ملاك ولا ما يحزنون !! ..، صرخ غاضبا قلت لك من انت ؟ حسنا انا امل من مضارب بني تعس!! واذا كنت مالك فعلا فانا اريد ان ادخل ،!قهقه مالك من الصدمة دون قصد ههههه انت تخرجينني عن طبيعتي لا يجب أن أضحك ابدا !، أمل !! ومن مضارب بني تعس؟!! إن هذالشيء عجيب ..وهل ثمة امل هناك !! ..اسمك أمل وتريدين النوم في الجحيم !! تريدين ان تزيدي تعاسة مضاربكم يعني !؟تأمل مالك في ورقة مقاومة للنيران : لا اسم لك هنا ستذوبين فورا أن دخلت ! ارجوك يا مالك بحق حقدك على أهل الجحيم ان تدخلني، ..لن يسري علي قانون جهنم لأنه لا اسم لي ، حدق مالك في الورقة وردد:أغلب من يدخلون هنا تلامذة في مدرسة إبليس!..، حسنا خذني الى مدرسة ابليس! ،أريد أن اتعلم في مدرسته، هذه هي الطريقة الوحيدة للانتصار على زعماء قبائل مضاربنا !، تابع مالك اهماله لي وهو يحدق في ورقته متمتما : أغلبهم ضباط مخابرات ومدراء أفرع أمنية وأصحاب عمائم سوداء قتلوا مئات الآلاف ،صحافيون كتبوا بالدماء وأصحاب كروش جوعوا الناس وأحرقوا كل قروش القطران فأُلبسوه!، وعناصر ميليشيات! ،أرجوك مالك! هل تعني أنهم ابناء ذوات ولانني بنت مخيم لا تريد إدخالي انا ايضا كنت عنصر ميليشيا ! ، قهقه وهو يضرب كفا بكف أنا أعمل هنا منذ عصور ما قبل الخليقة، لم أر في حياتي أحدا يطلب الدخول !،..لكن سأدخلك، لن تنطلق صفارات الإنذار لأنك تبدين تماما كأنك هاربة من هنا ، وعلى نفسها جنت براقش ! ،تمتم حائرا ونسيني وهويحدق في ورقته : من زمرة الفراعنة يعمل فرعونا وخادما في وقت واحد!، أنا محتار هل أدخله في زمرة الضعفاء ام في زمرة الذين استكبروا؟ !! المفروض أن يدخل في مكان فرعون !، لكنه عكسه !ففرعون لم يعمل عبدا في حياته للعبرانيين !، كما أن هذا الاخير يقتل المصريين ويستضيف بني اسرائيل على عكس الفرعون الاول !، غمغم وهو يفتح بوابات الجحيم : كل شيء في مضاربكم عجيب !دخلت خلفه وانا اقفز على البلاط ،أملا ان لا تحترق قدماي وقال لي: حسنا هذه مدرسة إبليس التي كان مديرها ،هيا ادخلي ولا تثيري الفوضى، دخلت وجلست في قاعة محاضرات يملؤها الدخان الأسود وهناك على خشبة التدريس في الجحيم، وقف صنم معمم بعمامة سوداء، وضع فوقها تاج كسرى! واشتعلت النار في عباءته، والآخر كان يلاكم ذاك ..لكنه ثقيل !، كرشه مليء بالقروش الذهبية و بدلته من القطران!، الثالث كان كلبا روسيا ربط بسلسلة! وعليها وعلى مخالبه بقايا لحوم بشرية محترقة وأنيابه تقطر دما !، ارتجفت رعبا من المشهد ،وشعرت أنني في حاجة الى احتضان احد ما ليخلصني من الكابوس وبلا وعي احتضنت الكرسي المجاور! ما إن احتضنته حتى شعرت بمس اللهب على جسمي المرتعش وأاطلقت صرخة عالية وصرخ متألما هو الآخر: لقد لسعتني برودتك لا تمسيني ! وطي صوتك، أريد أن أسمع !،انا اشعر بالتجمد، وإذا لم أتلق الدروس بجدية لن ينزلوني إلى دركاتهم في الجحيم !، يا إلهي من أنت ؟! لقد أحرقتني !، قال: أنا إبليس !! نسيت المي وغرقت بالضحك وقلت بشماتة : ابليس !الست مدير مدرسة الزقوم هذه ؟!،لماذا تجلس على كرسي التلاميذ ؟! يا له من صغار !!، قال: كله من مضاربكم!، هؤلاء تسببوا في إقالتي من مدير الزقوم الى دركة تلميذ!،إنها باردة جدا!، اكاد اموت هنا اما هم فدركاتهم أشد جحيما،هذا يعذبني، قهقهت من الشماتة رغم أنفي وتسببت قهقهتي هذه في انطلاق صفارات الإنذار !،أتى مالك مهرولاألم اقل لك أن الضحك ممنوع هنا؟!، شدني من شعري الذي تساقط كليفة الخريص المحترق بين يديه، وقال غاضبا انزلوها فورا الى اسفل من هذا الدرك ،الى سقر !، عودوا بها إلى مضارب بني تعس، رماني ملكان جهنميان في «أسانسير» الجحيم ،وسقطت على الأرض، وافقت على صوت صريخ الناس: امرأة تحت الأنقاض لعلها لا زالت حية!، فتحت عيني على لافتة محترقة كتب عليها مضارب بني تعس ترحب بكم ! ما إن قرأت ذلك حتى توقف قلبي قهرا!ودفنت في قبر ومعي كل تلامذتي السوريين ..نمنا في أدفأ وطن !
٭ كاتبة فلسطينية
غادة الشاويش