لندن ـ «القدس العربي»: كتب شانشك جوشي الباحث في المعهد الملكي للدراسات المتحدة في لندن يدعو تركيا للإنضمام الى الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش».
وتحدث جوشي في بداية مقالته التي نشرتها صحيفة «دايلي تلغراف» عن طريقة داعش في عرض الرهائن الأجانب وإعدامهم أمام الكاميرا ودفعهم للظهور في أفلام دعائية للدفاع عن التنظيم. وفي هذا السياق تساءل ماذا سيكون رد دولة اختطف من أبنائها 50 شخصا، فهل ستقوم بإرسال طائرات تورنادو وقوات أس إي أس ضد التنظيم. مجيبا أن هذا يعتبر بالنسبة لتركيا سؤالا نظريا.
فبعد اختطاف الدبلوماسيين وعائلاتهم في مدينة الموصل شعرت أنقرة بالشلل لاعتقادها أنهم سيتعرضون لعملية قتل جماعي. ورغم كونها الدولة المسلمة الوحيدة العضو في الناتو والقوة العسكرية الثانية في المنطقة بعد إسرائيل فقد التزمت بالصمت حيال التحضيرات الأمريكية للحرب الثالثة على العراق منذ 25 عاما، خشية أن يصيب الرهائن أذى، ورفضت والحالة هذه السماح للطائرات الأمريكية بالتحليق من القاعدة الجوية في «إنشريلك» مما أجبر واشنطن على استخدام حاملات الطائرات وقواعدها البعيدة في منطقة الخليج. وأكثر من هذا رفضت تركيا السماح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لقوات العمليات الخاصة كي تقوم بعملية داخل سوريا لإنقاذ الرهائن الأمريكيين والغربيين المحتجزين لدى داعش في شرق سوريا، حيث فشلت القوات الأمريكية بالعثور عليهم وأعدم صحافيّان منهم الشهر الماضي.
لكن الرهائن الأتراك عادوا هذا الإسبوع في ظروف غير واضحة، غير أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكدت أن العملية قامت بترتيبها أجهزة الأمن التركية وأكد المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء أن أنقرة لم تدفع فدية للإفراج عنهم.
فرصة
وبناء عليه يرى جوشي أن عودة الرهائن الأتراك تعتبر فرصة مهمة لإنهاء الموقف التركي الحكومي الرافض للمشاركة وإعلان حكومة رجب طيب أردوغان عن دعمها للتحالف الأمريكي المترنح والمشاركة في مواجهة داعش.
ومن خلال هذا ستقوم تركيا بتبديد الكثير من الشكوك حول عدم نضج سياستها الخارجية. ويعتقد الكاتب أن اللحظة الحالية مهمة حيث تقوم الولايات المتحدة بجمع «كورال» من الأصدقاء والشركاء ودفعهم للقتال. مشيرا إلى أن الجمهورية الإسلامية إيران قدمت الدعم الجوي والجنود للقتال ضد داعش، فيما ابتعدت الدول الحليفة للولايات المتحدة عن الأضواء. ويتساءل الكاتب عن السبب الذي يدعو تركيا للإنضمام للتحالف وبقوة.
ويجيب أن تردد تركيا حول السياسة الأمريكية لا تتعلق في الحقيقة بالرهائن، فأولوية أنقرة ظلت وستظل الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومن أجل هذا سمحت باستخدام حدودها كمعبر ونقطة انطلاق للجماعات المعارضة للأسد أيا كانوا معتدلين أم متطرفين. والآن تعترف تركيا بكون داعش تهديدا خطيرا عليها، ولكنها تعتقد مثل بقية الدول العربية أن إضعاف الجماعات الإرهابية وتقديم دعم قليل للجماعات المعتدلة لن يؤدي في النهاية إلا لتعزيز قوة الأسد ويزيد من نفوذ إيران في المنطقة. ويعمل المسؤولون الأمريكيون والأتراك في البلدة الحدودية «الريحانية» حيث التزمت الولايات المتحدة بتدريب 5.000 مقاتل سوري لكن عملية التدريب تحتاج لأشهر في الوقت الذي يملك فيه داعش قوات أضعاف ما لدى المعارضة السورية.
وترفض تركيا الإتهامات التي تقول إنها خلقت داعش مشيرة إلى أن وحشية الأسد وعدم استهدافه معاقل داعش أدى لصعوده السريع. وتشير تركيا لجهودها في مكافحته مثل منعها 6.000 شخص حاولوا الإنضمام للجهاديين وترحيلها أكثر من 1.000.
ويرى الكاتب أن تركيا يمكنها القيام بعمل أكثر من تشديد الرقابة على الحدود، ومنع تدفق الأموال لداعش ووضع ضغوط على التنظيم.
ويحصل داعش يوميا على مليوني دولار كعائدات من بيع النفط المهرب معظمه يذهب إلى جنوب تركيا. ويرى الكاتب أن التركيز ظل على الجهات الخاصة التي تدعم داعش في دول الخليج ولكن قطاع النفط هو أهم المصادر التي يحصل فيها التنظيم على أموال ويجب والحالة هذه إغلاق هذا المصدر.
الموقف من الأكراد
ينتقد جوشي سياسة أنقرة اتجاه الأكراد والتي يراها غير منسجمة. فهي تدعم منطقة الحكم الذاتي في شمال العراق (كردستان).
وسهلت عملية نقل وبيع صفقات نفط بمئات الملايين عبر أراضيها من مناطق الأكراد. وفي الوقت الذي تعلن أنقرة عن دعمها لعراق موحد إلا أنها شجعت النزعات الانفصالية لدى أكراد شمال العراق. وبدلا من ذلك يرى أن دور أنقرة في تشجيع المصالحة العراقية ضروريا رغم ما يشعر به الأكراد من مظالم ضد حكومة بغداد التي رفضت دفع حصتهم من النفط والميزانية السنوية. ويقول إن الولايات المتحدة عبرت عن نيتها توجيه ضربة للتنظيم الجهادي وأنها لن تفعل هذا حتى يعلن حلفاؤها عن عزمهم المشاركة بشكل علني وليس بالسر. وستظل تركيا مترددة في المشاركة حتى تتأكد من شمل النظام السوري في الحرب وليس داعش فقط. ولكن حذر الولايات المتحدة يجعل من هذا المطلب غير واقعي. وفي ضوء التهديد الحقيقي القادم من داعش على تركيا، فأي محاولة لإضعافه ستصب في مصلحة الأتراك بدلا من السماح لما يطلق على نفسه اسم الخلافة تأكيد جذوره في كل من العراق وسوريا.
وبناء عليه يجب على تركيا فتح قواعدها للولايات المتحدة وحلفائها وإرسال إشارات تعبر عن استعدادها للعب دور إيجابي في حرب ستكون مهمة وستغير شكل المنطقة.
فصل غامض
وأشأر باتريك كوكبيرن إلى الموقف التركي في تقرير له بصحيفة «إندبندنت» وفيه تحدث عن الإتهامات التي وجهها الأكراد للحكومة التركية التي قالوا إنها تواطأت مع داعش لإنهاء مناطق الحكم الذاتي التي أعلنوا عنها في شمال- شرق سوريا.
وجاءت الإتهامات في وقت سيطرت فيه قوات داعش على معظم القرى الكردية مما أدى لتشريد أكثر من 100.000 كردي من مناطقهم باتجاه تركيا. ونقل الكاتب ما ذكره تقرير لوكالة الأنباء الكردية «أميد» وتساءل فيما «إذا كان داعش الجناح المسلح للمشروع االعثماني الجديد في المنطقة» وهو ما ترفضه الحكومة التركية.
ولكن الكاتب يرى أن الرهائن الأتراك تم الإفراج عنهم بناء على أمر من «الخليفة» نفسه، وتم نقلهم حسب مواقع تركية مؤيدة لداعش من الموصل لعاصمة «الدولة» الرقة، ويلاحظ الطريقة المختلفة التي عومل فيها الرهائن بتلك التي عومل فيها الرهائن الغربيين مثل البريطاني آلن هينينغ.
وفي نقده لموقف الحكومة التركية يشير كوكبيرن إلى ما ورد في صحف تركية عن رفض القنصل التركي العام في الموصل أوزتيرك يلماز مغادرة المدينة ولم يغادر حيث يرى دبلوماسيون سابقون أن عصيانه لأوامر أنقرة غير مفهوم.
ويرى نقاد أردوغان ورئيس وزرائه أوغلو أنهما ومنذ بدء الثورة السورية عام 2011 قاما باتخاذ عدد من المواقف غير الصحيحة التي أساءت تقدير الوضع في داخل سورية. فبعد الفشل في إقناع الاسد بإحداث إصلاحات اقتنعا أنه يمكن الإطاحة به بالقوة، ولهذا لم يبذلا أي جهد للتفريق بين المعارض المعتدل أو المتشدد ممن كانوا يجتازون الحدود. وهناك أكثر من 12.000 مقاتل أجنبي في سوريا. لكن تركيا وبنهاية عام 2013 بدأت بالتشديد على حدودها حيث تعرضت لضغوط من الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن تركيا قد لا تقوم بالتعاون مع داعش في الوقت الحالي، لكن التنظيم استفاد من الموقف المتسامح الذي أبدته أنقرة تجاه الجماعات الجهادية. ويرى موقع «دايلي بيست» في تقرير له إن «المحادثات» التي أدت إلى إطلاق سراح الرهائن، وذكر الموقع بما قاله الرئيس باراك أوباما أن «الدولة الإسلامية ليست دولة» ولم تحظ باعتراف من أحد ولا من الناس الذين تسترقهم».
وأشار الموقع في تقريره إلى ما قدمته تركيا أو ما يمكن أن تكون قدمته من تنازلات لداعش. فبحسب الصحافي المعارض امير اوصلو من صحيفة «طرف»، فقد تكون تركيا قدمت ضمانات لداعش بعدم الإنضمام للتحالف الدولي أو تكون قد وعدته بالمساعدة في القتال ضد أكراد سوريا حيث تخشى الحكومة التركية تحول منطقة الحكم الذاتي في سوريا إلى مطالب كردية مشابهة من أكراد تركيا، فيما ناقش نواب أكراد في البرلمان أهمية وجود منطقة حكم ذاتي وأنها مصلحة قومية تركية ولكن مساعدة داعش لا يخدم المصالح الامنية التركية حسب أيسيل توغولوك النائبة الكردية مضيفة أن «من يقدم الدعم لداعش اليوم قد يصبح هدفا لهجمات داعش غدا».
ويرى معلقون أتراك أن تركيا في موقفها من داعش ومن الحملة الأمريكية تأمل بأن تقدم واشنطن خطة لمستقبل سوريا والعراق بعد هزيمة الجهاديين. وبحسب زيال ميرال، المحلل في مركز السياسة الخارجية في لندن «من السذاجة توقع تركيا المشاركة في الحملة ضد داعش بدون خطة واضحة وقوية لما سيحدث بعد».
وفي موضوع مختلف عن الكيفية التي قلب فيها تنظيم الدولة الإسلامية أسس العلاقات في المنطقة حيث دفع الأعداء للتعاون معا. ومن هذه ما تراه صحيفة «نيويورك تايمز» عن تلاقي مصالح الولايات المتحدة وحزب الله.
حزب الله وأمريكا
ففي تقريرأعدته آن بيرنارد قالت فيه إن كلا من الولايات المتحدة وحزب الله يعملان- بطريقة منفردة- لهدف مشترك وهو وقف التطرف الإسلامي ومنعه من الوصول الى لبنان حيث يلعب حزب الله دورا عسكريا وسياسيا فيه ويشارك مصلحة الولايات المتحدة في الحفاظ على استقرار البلد. فبعد أسابيع من صد حزب الله هجوما على بلدة عرسال اللبنانية قام به مقاتلو داعش، تدفقت الأسلحة الأمريكية الجديدة لمساعدة الجيش اللبناني الذي ينسق مع حزب الله لحماية الحدود.
وتضيف الصحيفة إلى أن المعلومات الأمنية الأمريكية التي تم التشارك فيها مع الجيش اللبناني منعت وقوع هجمات على الضاحية الجنوبية معقل الحزب في العاصمة بيروت. وتنقل عن محمد عفيف، رئيس وحدة العلاقات العامة في الحزب قوله إن المجتمع الدولي لديه مصلحة في احتواء الأزمة في سورية.
وأضاف أن كل طرف لديه مصلحة في الحفاظ على السلام في لبنان ولكن كل واحد لديه طريقته.
وتضيف أن هناك أدلة تظهر الكيفية التي يحاول فيها حزب الله أن يتعامل مع القتال ضد الدولة الإسلامية كوسيلة للحصول على «شرعية» من خلال الوقوف ضد الإرهاب.
وقال عفيف الذي عين قبل فترة مسؤولا للعلاقات العامة «نحن بحاجة لفتح صفحة جديدة مع الإعلام العالمي، العربي منه والدولي». وكان عفيف يعمل في السابق مديرا لقناة المنار. وفي الوقت الحالي يراقب حزب الله بقلق ماذا ستقوم الولايات المتحدة بعمله لوقف تقدم داعش. ومع أن الحزب متشكك في النوايا الأمريكية إلا أنه يفكر بالطريقة التي يمكنه من خلالها الإستفادة من الغارات الجوية. وينقل التقرير عن علي زرق وهو محلل في قناة الميادين والذي عمل مترجما لزعيم حزب الله حسن نصر الله «ما يريد حزب الله رؤيته هو عملية حقيقية وصادقة ضد داعش».
ويأتي الموقف في وقت تعتبر فيه أمريكا الحزب منظمة إرهابية، ويلعب دورا مهما في الحفاظ على النظام السوري الذي تقول واشنطن إنه ليس جزءا من التحالف الدولي ضد داعش وتعمل على تقوية ساعد الجماعات المعارضة له.
ويؤكد عفيف أن النظام السوري سينظر لغارات جوية ضد الجهاديين على أراضيه كعدوان، كما ولا يوافق حزب الله على مشاركة دولة لبنان في التحالف لكنه يقول إن سوريا «ستستفيد من ضرب الجماعات الإرهابية».
مشيرا إلى أن الولايات المتحدة اعترفت ولو متأخرا بالمشكلة الإرهابية في سورية التي رافقت كما يقول الإنتفاضة السورية منذ بدايتها «صرخنا، إرهاب، إرهاب، إرهاب ولا أحد صدقنا» والآن «اكتشفوا الحقيقة».
إبراهيم درويش