مطامع إسرائيلية في منطقة الأغوار الشمالية

اعتبارا من 3 إلى 7 أيار/مايو من هذا العام، أجرت القوات الإسرائيلية مناورات بالذخيرة الحية، شاركت فيها أغلب قطعات الجيش في منطقة الأغوار الشمالية الفلسطينية المحتلة، بعد أن أجبر هذا الجيش نفسه سكان هذه المنطقة على إخلاء منازلهم وأملاكهم، وبأن يبعدوا مواشيهم لمدة أسبوع؛ فهل الأغوار الشمالية منطقة إسرائيلية؟ أم أنها جزء من المنطقة (ج) والتي تعتبر جزءا من محافظة طوباس الفلسطينية؟ ما يجدر ذكره هنا أن إخطارات بالإخلاء، وصلت إلى أغلب بلدات وقرى ومضارب البدو الفلسطينيين في المنطقة، من بينها خربة إبزيق وحمامات المالح والبرج وخربة الفارسية وعين حلوة وخربة سمرا وخربة الحمة وغيرها؛ تضمنت مساحة إجراء المناورات أراض مزروعة بمحاصيل على وشك الحصاد والإثمار، بحيث أن الكثير منها تم إحراقه وتدميره. أفاد بعض الخبراء أن أهداف المناورات المتكررة في هذه المنطقة، تصب في تأكيد هدفين إستراتيجيين، الأول: تخريب كل منشآت السكان ومشاريعهم الزراعية وغير الزراعية وحظائر قطعانهم وموارد المياه فيها، تمهيدا لإجبارهم على الخروج منها، ومن ثم الاستيلاء عليها، لأنها تعتبر من أخصب أراضي المنطقة. أما الهدف الثاني فهو منع التواصل بين منطقة الأغوار الشمالية الفلسطينية بالأغوار الأردنية، أي منع الكيان الفلسطيني، إذا قدر له أن يقوم بأي حدود عربية مجاورة، بما في ذلك الأردن. ويمكن الإشارة إلى ان الجيش الإسرائيلي سلم بتاريخ 29 نيسان/إبريل 2010 أهالي التجمع البدوي في عين حلوة وفي الوادي المالح إخطارا عسكريا تضمن تحويل المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة، يحظر على الفلسطينيين وحتى سكان المنطقة من البدو الفلسطينيين، التجول فيها، أو حتى الاستفادة من أراضيها، بالرغم من أن السكان يمتلكون وثائق رسمية، تثبت ملكيتهم للأراضي قبل احتلالها. كذلك يمكن الإشارة إلى ان استمرار التدريبات العسكرية في تلك المنطقة، خرب وحرق منشآت عدة للسكان، من بينها أراضي خربة الفارسية في منطقة وادي المالح من أخصبها، وذلك في إمعان لتخريب أراضي ومزروعات المواطنين الفلسطينيين. علما أن المستعمرين من الصهاينة سيطروا على الينابيع والمياه هناك. مع أن تك الآبار كانت من ملكيات السكان العرب الخاصة ، قبل مجيء الاحتلال. كما ويمكن الإشارة إلى أن أغلب سكان المستعمرات الصهيونية في المنطقة، هم من سكان مستعمرات غزة السابقة وغلافها. ويبلغ عدد سكان المنطقة من العرب الفلسطينيين نحو خمسة آلاف نسمة، ويوجد مثلهم أو أكثر منهم من المستعمرين الصهاينة.
وكان عدد سكان المنطقة في العام 1967، أي قبل الاحتلال نحو 38000 نسمة، إلا أن المضايقات الإسرائيلية والمصادرات والاعتقالات وتخريب الأراضي والسيطرة على الينابيع، أجبرت بعض السكان للانتقال إلى مناطق أخرى. تتابع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وبإصرار، ومهما ثارت في وجهها الاعتراضات والاحتجاجات والتظاهرات، محلية وعالمية، توالي وباستمرار تنفيذ مخططاتها بالاستيلاء على أراضي وينابيع الفلسطينيين، وتخريب واقتلاع أشجارهم ومزروعاتهم.
على سبيل المثال وفي العام 2014 عندما تقرر عدم المضي قدما في تنفيذ مخطط برافر – بيغن في منطقة النقب، نظرا لاعتبارات إسرائيلية داخلية، ولكن ها هي الحكومة الجديدة تبشر بإعادة إحياء الاستحواذ على أراض وبلدات وقرى النقب، وربما تتبعها بمصادرات أخرى في الجليل، وهكذا دواليك بالنسبة لبقية الأراضي والأملاك والمناطق والبيوت في جميع أنحاء فلسطين. ويتردد في الإعلام أنه لم يبق بين أيدي الفلسطينيين إلا نحو 15% من كامل مساحة فلسطين فقط.
أما بالنسبة لمنطقة الأغوار، فإنها تمتد من بحيرة طبريا وصولا إلى البحر الميت، وهي ما رسمه وخطه نهر الأردن في سيره الطبيعي منذ آلاف السنين، ليكون ارضا غارت وانخفضت، نظرا لحت المياه بالجوانب المحيطة بها. تمتد الأغوار مسافة نحو 105 كيلومترات بين بحيرة طبريا والبحر الميت في الجنوب. أصبحت هذه المنطقة بعد حرب العام 1967 موزعة بين مناطق تتبع الأردن والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، وهي تعتبر من أخصب المناطق في المنطقة وأخفضها أيضا. استمر هذا الأمر لمئات السنين قبل الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة، إلا أنه وبعد تحويل مياه أنهار بلاد الشام المتجمعة في نهر الأردن ووصولها إلى بحيرة طبريا من سيرها الطبيعي نحو الجنوب لتلتقي بنهر اليرموك ولتصب في البحر الميت، فإن الإسرائيليين حولوها نحو مستعمراتهم غربا في الساحل الفلسطيني، ومن ثم إلى مستعمراتهم الأخرى في النقب – نحو نصف مساحة فلسطين – ليصبح مجرى نهر الأردن مجرد ساقية كثيفة الملوحة يعافها السمك وينتحر. بعد أن زرنا البحر الميت في الجانب الأردني، والذي لم تحتو شواطئه إلا على منشآت سياحية قليلة في تلك الفترة – منتصف ثمانينات القرن الماضي – توجهنا شمالا لزيارة بعض القرى الاردنية في الأغوار، ومررنا بالنصب التذكاري الذي خلد معركة الكرامة في بلدة الكرامة، ثم تابعنا طريقنا قاصدين الوصول إلى المثلث الخطر، والذي تلتقي فيه الحدود الأردنية والسورية والفلسطينية المحتلة، والتي تشرف على مشروع روتنبرغ لتوليد الكهرباء، وحين التفت إلى الناحية اليسرى من الطريق التي كانت خضرتها يانعة وتتمايل أغصان أشجارها ومزروعاتها يمنة ويسرة تحت أشعة الشمس بارتعاشات خفيفة، لاحت لناظري حقول ومزارع تروى بالماء بواسطة أنابيب للرش دوارة، في حين أن الجانب الأيمن – الأردني – من الطريق كانت مزارعه تشكو من ظمأ عتيق، ويظهر عليها الجفاف والنشاف. سألت المهندس المرافق تفسيرا لما رأيت، أجاب ضاحكا بمرارة: تلك هي أراضينا ومياهنا المحتلة، وهي تقع على مقربة من المدينة المنكوبة بيسان والتي تم تدميرها في العام 1948، وبنيت على أراضيها مستعمرة «بيت شان» ليليها مستعمرات أخرى استحوذت على مياه وينابيع وأراضي المنطقة، وبقيت الأراضي المحاذية إن كانت أردنية أو فلسطينية محتلة تشكو الظمأ وندرة في المياه.
كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية