في أعقاب اتفاق الاطار بين القوى العظمى وإيران بانتظار إسرائيل فترة صعبة. واضح أن هجمة الإعلام اللفظي التي ادارها بنيامين نتنياهو باءت بفشل مزدوج. فهي لم تمنع اتفاقا تراه حكومة إسرائيل اتفاقا سيئا بل ودهورت إلى الدرك الاسفل بالعلاقات مع اوروبا ولا سيما مع الولايات المتحدة.
وفي الأشهر التالية سيتعين على إسرائيل النظر في خطواتها بالنسبة للمستقبل ايضا في الواقع الذي تكون فيه إيران قوة عظمى حافة نووية، وبالنسبة للسبل للخروج من العزلة الدولية الدبلوماسية والسياسية والتي تعاظمت بسبب بعض من تصريحات نتنياهو في حملة الانتخابات.
ان حكومة يمينية ستعمق فقط الأزمة مع الغرب وتواصل ضعضعة مكانة إسرائيل الدولية. وعليه، فهناك الان بالذات حاجة عاجلة لحكومة مسؤولة وغير متحمسة. مطلوب حكومة لا تنجر إلى شعارات متزلفة للجمهور ربما تجلب لها تأييد أجزاء من الجمهور في البلاد، ولكنها تعمق الشرخ بيننا وبين العالم الديمقراطي، بالذات في الوقت الذي تحظى فيه إيران بشرعية دولية وملاطفات من دول الغرب.
وعليه فمن المهم جدا الا يجلس في الحكومة القادمة متطرفون مثل نفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان، مساهمتهم في الحصانة الامنية والسياسية لإسرائيل في الحكومة السابقة كانت مساهمة سلبية. كما ينبغي ان نتذكر بان الحزبين تكبدا هزيمة ساحقة في الانتخابات. يتبين انه رغم كل ما قيل في وسائل الإعلام، فان الناخب اليميني الإسرائيلي ليس غبيا وعشرات الاف الناخبين ممن اعطوا في الماضي اصواتهم للبيت اليهودي ولإسرائيل بيتنا فهموا بان الخطاب الحماسي وعديم المسؤولية لرئيسي الحزبين الحق بإسرائيل ضررا سياسيا واخلاقية.
لعله ليس سليما من الناحية السياسية قول هذا في أجواء الكآبة التي يعيشها اليسار منذ الانتخابات، ولكن في معسكر اليمين تلقى نتنياهو دعما على حساب المتطرفين، ضمن امور اخرى لان نفس جموع الناخبين ملت اثارة النعرات والكراهية من جانب ليبرمان وبينيت. وفي نظرة إلى الوراء، فان الجمهور ملزم بان يتذكر بانه رغم النتائج القاسية للحرب في غزة في الصيف الماضي، قاد نتنياهو خطا معتدلا بالنسبة للتصريحات الهجومية وغير المسؤولة لبينيت وليبرمان. فقد أثار هذان الزعيمان في زمن الحرب مخاوف المواطنين بشكل كان سيؤدي في كل دولة مرتبة إلى ابعادهما عن الحكومة على نحو فوري.
ولا بد ان نتنياهو هو الاخر يعرف هذا في داخل قلبه، ومعقول الافتراض بانه عندما يفكر كيف يوجه سياسته حيال التحدي الإيراني ـ وأولا وقبل كل شيء كيف يتصرف حيال الولايات المتحدة والغرب ـ يفهم بان شركاء مثل ليبرمان وبينيت سيجلبون مصيبة ليس فقط على حكومته بل وعلى الدولة بأسرها.
وعليه، فان حكومة وحدة مع المعسكر الصهيوني وبدون بينيت وليبرمان هي الخيار المسؤول الوحيد الذي يوجد الان لإسرائيل (ربما ايضا بدون موشيه كحلون الذي يحاول ان يجعل نفسه دكتاتورا اقتصاديا، ولكن هذا في هذه اللحظة هو مشكلة أقل حرجا). كوزير خارجية يمكن لاسحق هرتسوغ أن يرمم مكانة إسرائيل كدولة محبة للسلام والديمقراطية. ووجود المعسكر الصهيوني في الحكومة ـ وربما في ظل اعطاء مكانة قرب طاولة الحكومة لعاموس يدلين ايضا، الغني بالتجربة والتفكر، وان كان هذا ليس بسيطا ـ سيسمح باتخاذ قرارات متوازنة ومسؤولة سيكون ممكنا ان يتبلور حولها اجماع وطني واسع.
ويمكن لمثل هذه الحكومة ان تحاول استئناف الحوار مع الفلسطينيين والضمان الا تكون إسرائيل معزولة تماما في هذه المسألة بينما ستجعل حكومة يمينية إسرائيل تتخذ صورة الاحتلال العنيف والعنصري اكثر فأكثر. وأنا على وعي في أن تسيبي لفني سيتعين عليها أن تبتلع بضعة ضفادع. ولكن في ضوء فشلها، الذي وجد تعبيره في تدهور «كديما» الذي كان الحزب الاكبر في الكنيست ليصبح كتلة ضيقة، مليئة بالاوهام وعديمة الصلة، يمكن الامل في أن تنجح في التغلب على رواسب الماضي وابداء المسؤولية. لحكومة كهذه، التي تقوم على اساس الكتلتين الكبيرتين في الكنيست، يوجد ايضا احتمال في أن تدوم والا تكون عرضة، مثلما في الولاية السابقة لابتزاز الكتل الصغيرة التي وصفها نتنياهو بـ (الخطأ) شركاءه الطبيعيين. كما أن قدرة الحكم ستخرج هي الاخرى معززة من مثل هذه الحكومة.
بعد حملة انتخابات فظة بما لا مثيل له، ليس سهلا للكتلتين الكبيرتين ولقادتهما ان يصحوا، ولكن المسؤولية تستوجب ذلك. كما أن هذا ما ينبغي للجمهور، الذي انتخب الحزبين الكبيرين، ان يطلبه منهما الان.
في الوضع الصعب الذي توجد فيه دولة إسرائيل محظور عليها ان تقاد من حكومة تتماثل في العالم مع شخصيات لا مجال لمواقفهم في الخطاب الديمقراطي. ينبغي لإسرائيل أن تبذل كل جهد مستطاع لتعميق علاقاتها مع الغرب الديمقراطي. واضح أن بعض من تصريحات نتنياهو في حملة الانتخابات لم تساهم في ذلك وقد فهم هو نفسه هذا ايضا، ولكن الارتباط المتجدد لليبرمان وبينيت سيعمق فقط الشكوك في دوافعه، سيمس بمصداقيته وسيعمق الاغتراب بين إسرائيل والعالم. وتعنى وسائل الإعلام في البلاد في مسألة أي حقائق يحصل عليها ليبرمان وبينيت، ولكن هذه ليست المسألة الهامة. فبعد فشلهما، حيث ان قسما كبيرا من مؤيديهم شهدوا بانهم ملوا اثارة الكراهية ـ لا مكان لهما في الحكومة.
لا شك أنه توجد فجوة عميقة بين مواقف الليكود والمعسكر الصهيوني، ولا معنى لطمسها. ولكن توجد لهما الان اجندة مشتركة ـ محاولة ترميم مكانة إسرائيل الدولية، ضمان ان تكون اذن صاغية قدر الامكان لمواقف إسرائيل في المسألة الإيرانية المعقدة والاثبات بان في الواقع الصعب الذي نعيش فيه فان إسرائيل مع ذلك هي اثينا وليست سبارطه.
هذه مفاهيم تمكن مناحيم بيغن في حينه من استيعابها حين ادار مفاوضات مع الرئيس المصري انور السادات. وقد ضمن له هذا ولإسرائيل دعم العالم حتى عندما لم يتفق معه دوما. من هذه الناحية، فان الليكود والمعسكر الصهيوني ينتميان إلى التيار المسؤول في الصهيونية، والذي في نهاية المطاف يعرف في أزمنة الاختبار متى ينغبي التنازل ـ من أجل مستقبل المشروع الصهيوني ـ سواء عن المواقف الايديولوجية ام عن الطموحات الشخصية. في هذه الايام يعد هذا التحدي المشترك لنتنياهو وهرتسوغ وحزبيهما.
هآرتس 7/4/2015
شلومو افنيري