أكبر إنجاز حققه العراقيون في المظاهرات التي خرجت ضد الفساد، أنهم نظموا «مظاهرات» ضد حكم الأحزاب الإسلامية رغم أنهم كانوا يتوقعون أن يتكرر معهم ما حصل مؤخراً في البصرة عندما قتلت «فرق الموت» الإسلامية الفتى منتظر الحلفي الذي تظاهر مطالبا بالكهرباء… قتلوه بدم بارد وهم يصلون، وقالوا: قتله الذي أخرجه!.
ولعل المجلس الأعلى الذي قتل منتظر الحلفي، وهدد الذين يريدون تكرار تجربته، كان يريد أن يوصل رسالة للخصوم السياسيين، أن البصرة الغنية بالنفط، والفقر و»الشهداء»، عصية عليهم، ولن يسلمها رئيس المجلس عمار الحكيم، إلا على أشلاء البصريين!..
لكن ْ..
العراقيون تظاهروا من جديد، وكأن يداً خفية تحركهم وهم يهزمون الخوف والتردد، وخرجوا إلى الشوارع غير عابئين بالمهددين «الإسلاميين» وبعضهم مثل السيد صدر الدين القبانجي في صلاة الجمعة في النجف الأشرف، اتهمهم بالعمل على الترويح للعلمانية وإضعاف «إسلامية « المجلس الأعلى الذي ينتمي له القبانجي، وكان من أهم المتعاونين مع الاحتلال الأنكلو الأمريكي لاسقاط نظام صدام حسين عبر الغزو العسكري.
رسالة كروكر
عندما انخرط «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» بزعامة رئيسه الراحل آية الله محمد باقر الحكيم، في المشروع الأمريكي، وانضم إلى قافلة الاحتلال الانكلو أمريكي لاسقاط صدام، كان يخطط في الخفاء مع داعميه الإيرانيين، لأن لا يكون «حصان طروادة»، وأن يستحوذ على الكعكعة العراقية كلها، ولهذا قبل الحكيم رسالة سرية وجهها له المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية السفير رايان كروكر، ومررها له جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني. وبدا واضحاً في تلك الأيام من شباط/فبراير 2002 أن «المجلس الإسلامي الأعلى في العراق « -هكذا غير اسمه حسب مقتضيات المرحلة بعد سقوط النظام السابق- كان مصمماً على كسر شوكة المنافسين له وتصفية المعارضين لانضمامه للمشروع الامريكي، عندما هدد المعترضين، وأصــدر «علــماء العراق» المقيمون في قم في ايران، فتاوى تمنح الضوء الأخضر لتصفية وتسقيط من كشف «الرسالة السرية» من واشنطن إلى الحكيم.
ولتهيئة المناخ العام لصالح الانضمام للمشروع الأمريكي، عمل المجلس على خطين:
– فهو أنكر وجود رسالة رغم أن من نشرها، حصل على محضر اجتماع كامل بين الحكيم ووزير دفاع البيشمركة آنذاك جبار فرمان، بحث آلية وتفاصيل انضمام المعارضة العراقية الشيعية آنذاك، للمشروع الأمريكي. – وبموازاة ذلك، شن المجلس وأنصاره، حملة تسقيط واسعة للمعترضين على التعاون مع أمريكا لاسقاط نظام صدام بالغزو العسكري، وكانت تلك علامة عن الأسلوب الذي اتبعه المجلس «إظهار العين الحمراء» واستخدام العنف والقوة مع المعترضين، ولو كان ذلك بنـــســخ أســاليب نظام صدام، مع فارق واحد، هو أن القـــمع هـــذه المــرة يأتي للدفاع عن الله وباسمه وبتــفــويض منه «لأن الراد عليهم كالراد على الله»!..
في المقابل كان حزب الدعوة الإسلامية، يرفض في العلن الانضمام للمشروع الأمريكي حتى بعد أن دعي له بواسطة الحكيم، ليس لأنه غير راضٍ كما يزعم في نشراته وتصريحات مسؤوليه ومنهم بالطبع «أبو اسراء جواد المالكي» وهو لم يكن سوى نوري المالكي مسؤول الحزب في سوريا والمشرف على جريدته الرسمية لسان حال «الدعوة الإسلامية»، بل لإنه كان يرفض «وصاية» الحكيم رحمه الله، وهو صراع قديم له جذور اختلاف الحزب في المنهج السياسي مع المرجعية الدينية.
حزب الدعوة الإسلامية، كان يبكي حَسرة في نشراته الداخلية على «سنوات سقوط» الخلافة العثمانية في حقبة ما كان يُعرف بـ «المرحلة الفكرية» (أو «مرحلة البناء»)، قُبيل تولي صدّام حسين مقاليد السلطة رسمياً في 17 تموز/يوليو 1979، وكان يعتبرها بقية الإسلام السياسي الذي يعني قدرته على الحكم و»قيادة البشرية المعذبة إلى شاطئ الأمان»، برغم كل الفساد الذي كان يعشعش في دولة الخلافة العثمانية وطريقة الحُكم التي تتعارض مع منهج الدعوة، والذي كان يؤمن إلى حد كبير بالإمامة السياسية ونهج ولاية الفقيه وما كان يسمى أيضاً لدى منتقدي الدعوة» الاثنينية»، وهي المزاوجة بين سلطة الولي الفقيه وعموم المرجعية الدينية وسلطة الحزب نفسه!
ومن خلال متابعة نهج حزب الدعوة العام ونظريته في الحكم وقبوله المشاركة في تأسيس نظام المُحاصصة الطائفية والعرقية في العراق، وإسقاط نظام صدّام عبر التعاون مع الاحتلال الأنكلو ـ أمريكي (وهو يتعارض مع فكر الدعوة ونظرية المرحلية والتدرّج نحو استلام الحُكم وبناء الدولة الإسلامية)، يمكن أن يستخلص المرء أن هذه» الإثنينية» تحولت إلى نوع من أنواع التقية السياسية وما يمكن أن يُسمّى بالنفاق السياسي.
ويُمكن القول أن هذا التفسير الخاطئ للدين والدعوة إليه بهدف استلام الحكم، قد يبرر أو يفسر ما يشهده العراق (وباقي أقاليم المنطقة)، من نزاع دموي تُستخدم فيه كل الأسلحة القذرة، ولو بلغ ما بلغ.
وإذ لم يشارك حزب الدعوة الإسلامية في مؤتمر لندن منتصف كانون الاول/ديسمبر 2002 برعاية السفير الأمريكي زلماي خليل زادة، إلا أن أمينه السابق ابراهيم الجعفري التقى السفير الامريكي في لندن، ثم زار واشنطن وانضم للقافلة التي تقودها أمريكا، مطالباً بحصة أكبر وأن لا يكون ضمن حصة الحكيم في المغانم!.
وبالفعل، تحول الهدف عند المجلس والدعوة من إقامة حكومة عدل إسلامية، إلى حكم عضوض يغلّفه شعار (مانطِّيهه)، ولو تحوّل العراق كله إلى جماجم ومقابر جماعية، وهم يتنازعون حول السلطة والوزارات السيادية ومكاسب خيالية لأعضاء البرلمان، ويقدّمون النموذج السيِّء للحكم على حساب المواطن الذي يأن جوعاً وبطالة وأمناً مفقوداً.
المالكي
حتى وإن ظهر من المظاهرات ونتائجها الأولية في حزمة الاصلاحات الأولى، إلغاء نواب الرئيس الثلاثة ومنهم نوري المالكي، فان التحليل الرصين، يجب أن لا يلغي دور المالكي وحزب الدعوة عموماً من كل ما يجري في العلن. فرئيس الوزراء حيدر العبادي لا يزال في حزب الدعوة ولم يقدم استقالته من الحزب رغم كل المطالب الشعبية، لينزه نفسه على الأقل، وبدلاً من ذلك، فانه عقد اجتماعاً مع قادة الحزب بحضور أمينه العام نوري المالكي، وتمت دراسة «الاصلاحات» المزعومة مع الحزب نفسه الذي يعتبره المتظاهرون الغاضبون جزءاً من الفساد، ومن أسباب تدهور العراق الجديد وانهياره.
صحيح أن الحال ليس كما ينبغي بينهما بعد «تنازل» نوري المالكي عمّا سماه حقه القانوني في تجديد رئاسة الوزراء لصالحه، واتفاق الكتلة الشيعية في البرلمان على العبادي رفيقه في الحزب، الا أن حيدر العبادي لا يزال يعمل باسم الدعوة الإسلامية، ملتزماً بنهجها وبرامجها، وخططها في الاستحواذ على أكبر قدر من كعكة الحكم ومكاسبه.
وحتى بعد استبعاد قائد فيلق القدس قاسم سليماني من العمل السياسي على الملف العراقي، بعد إخفاقات المالكي السياسية والأمنية على مدى ثمانِ سنوات من حُكمه، وتعيين اللواء حسين همداني الذي استدعي من سوريا، مساعداً لأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الأميرال (الأهوازي علي شمخاني)، كمسؤول عن الملف العراقي، لإيجاد توازن ميداني على الأرض لصالح حلفاء إيران من خلال خبرته في القتال ضد المجاميع المسلحة في سوريا، يبقى المالكي رجل بعض القوى النافذة في ايران، وهذه القوى لا تريده يختفي نهائيا من المشـــهد، للدور الذي يمكن أن يلعبه حزب الدعوة عــمــوماً في مرحلة ما بعد المرجع السيستاتي، خصوصاً لصالح مرجعية آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي أبرز المرشحين لخلافة السيستاني، وخلافة المرشد الايراني في آن، آية الله السيد علي خامنئي.
وأدّى التدخل الإيراني المُرتبك خلال الفترة التي سبقت إشراف شمخاني على الملف العراقي في حكم العراق خلال السنوات الأخيرة، إلى احتجاجات من السياسيين الشيعة أنفسهم على طريقة إدارة العملية السياسية والتفرّد بالسلطة، الذي كان من أبرز ملامح ولايتيْ المالكي (2006-2014) وانفجرت الاحتجاجات – وإن كانت لأغراض سياسية غير مبررة – على ما سمي حينها سياسات «التهميش» سياسيا وتنمويا، التي تبنتها الحكومة العراقية ضد السُنة.
تدوير الفاسدين..
لقد انفجر العراقيون لكنَّ حزمة الاصلاحات الأولى للعبادي التي صادق عليها مجلس النواب مرغماً بسبب تأييد المرجعية الدينية لمطالب المتظاهرين، غير كافية، بل وتثير مخاوف جدية أن يظل تدوير الفساد والفاسدين، المنهج العام الذي يحكم العراق في ظل هيمنة نظام المحاصصة و«شيلني وأشيلك» وتساؤلات لم تجد إجابات عن المسؤولين في سقوط مدن عراقية كبيرة كالموصل وتكريت وغيرها بيد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، ولماذا لم يكشف النقاب عنهم، ولماذا لا يُصار إلى تغيير الدستور لالغاء الطائفية والمحاصصة العرقية إيضا وما هو موقف الكورد من كل ما يجري، وهل سترضى الدول الاقليمية وأمريكا بإلغاء العملية السياسية؟!.
هنـــاك الكــثير مما يتعين على العبادي فعله قبل أن يتخذ أي خطوة باتجاه إلغاء العملية السياسية بصيغتها الراهنة، فيما خصومه ومنافسوه يتربصون به، ويملكون قوة عسكرية على الأرض.
فعل يستطيع العبادي مثلاً أن يتجاوز سلطة مقتدى الصدر وعمار الحكيم حتى مع عزل أو إقالة الفاسدين التابعين لهما، فيقوم مثلاً بتعيين وزراء أكفاء لا يتبعون التيار الصدري والمجلس الأعلى؟
هــذه سـيــاسة تدوير الفساد والفاسدين التي ســتــســتــمر ما لم يتم إسقاط العملية السياسية برمتها … طبعاً بحل البرلمان الحالي الذي تزكم رائحته الأنوف.
أخيراً… وأين إيران من كل ذلك؟
نجاح محمد علي