مظاهرات في رام الله ـ العصا الوطنية

حجم الخط
2

حاييم نحمان بياليك حلم بالشرطي العبري الاول في الدولة العبرية. الفلسطينيون تفوقوا على أبناء عمهم: ها هم بدون دولة يوجد لديهم شرطي مسلح بهراوة. برتولد بريخت قال إنه في الوطن حتى الصوت بشكل مختلف. ونحن نضيف إنه حتى بتكسير العظام بالعصا الفلسطينية يوجد طعم الوطن.
ذات يوم فكر الشاعر الفلسطيني المشهور أبو سلمى بفلسطين كـ «حلم الثوريين». وها هو حلم الفلسطينيين يتحول إلى هراوة تحسن ضرب كل المتظاهرين من دون تمييز. المتظاهرون والصحافيون والمصورون حتى ذاقوا طعم الهراوة الوطنية.
لذلك فإنه في هذه الحملة المجنونة عندما تبرز العصا والوطن يسحق تحت بساطير الاحتلال، لا يكون ما هو مناسب أكثر من أقوال الشاعر أبو الطيب المتنبي، الصوت الاصيل للعرب منذ ألف سنة تقريبا، الذي قال «ظلم ذوي القربى أشد مضادة على النفس من وقع الحسام المهند».
المشكلة هنا هي أنه في فلسطين لا توجد دولة، بل ما زال يوجد أسرى، ويجب على الرئيس الحصول على تصريح من مصلحة السجون كلما أراد التحرك من مكان إلى آخر، والسجانون من كثرة الوقاحة يذكرونه في كل لحظة بأنه سجين. أنا أقول ذلك ليس بلهجة انتقادية، لا سمح الله. أنا أعرف جيداً وضعه وأسلوبه السياسي، وليس أسلوب حكمه، حيث اننا لا نختار الواقع، حتى المجنون، الذي ولدنا فيه.
أبو مازن هو مهندس العقلانية للنضال الفلسطيني، بالمعنى الذي لا يخدع فيه أبناء شعبه ولا يمتاز بازدواجية الحديث. هو العكس تماما لأولئك الذين علناً هم فرسان الكلمة في الحقيقة، لكنهم في محادثات خاصة يقولون أموراً مختلفة تماما. هذا الرجل يقول علنا ما يفكر فيه، سواء أحب الجمهور هذا أم لا. وإذا نبشتم في أوراق مهندسي الاحتلال ستعرفون أن محمود عباس هو الأكثر خطراً بالنسبة لهم. هم يريدون شخصاً يسهل عليهم مهمة سحق الحركة الوطنية الفلسطينية، وليس هناك حليف أفضل لتحقيق هذا الهدف من الغضب، الذي يقلب الامور رأسا على عقب: الضحية تتحول إلى الجلاد والجلاد يتحول إلى الضحية.
ولكن المسافة بين هذه المقاربة الثورية الواقعية وبين قمع حركة احتجاج طويلة. المظاهرات الاخيرة في رام الله ليست تكراراً للصراع المأسوي بين الفصائل الفلسطينية في السابق. الحديث يدور عن احتجاج مدني يجب التعامل معه باسلوب الحوار. لهذا من الغريب لي أن أعضاء فتح وقفوا، حسب وسائل الاعلام، إلى جانب رجال الشرطة لقمع المظاهرة. إذا كانت حركة فتح التي اشتاق اليها نزار قباني في الايام الصعبة التي أعقبت النكبة عندما كتب «مهما تأخروا سيأتون من حزننا الجميل بثمار القمح أو ثمار الليمون».
في المقابل، ماذا أراد في النهاية مئات المتظاهرين الفلسطينيين، إلغاء العقوبات على قطاع غزة، حيث أنه من غير المعقول الطلب من إسرائيل رفع الحصار عن القطاع والسلطة تعاقبه من أجل معاقبة حماس. صحيح أن حماس قسمت الوحدة الفلسطينية وفرضت هناك نظام إرهاب، لكن الطريق لانهاء هذا الفصل ليس معاقبة السكان في قطاع غزة.
يمكن التخمين أن من يسمّون أنفسهم «الاحتلال المتنور» سيخرجون الآن بصدر منفوخ ـ ها هم العرب يقمعون المظاهرات بالقوة. ونحن نقول لهم إن من يطلق النار على أناس غير مسلحين من مسافة مئات الامتار عليه أن لا يتحدث عن قامعي المظاهرات. بالمناسبة، في فلسطين المتظاهرون وكذلك السلطة يعرفون جيداً في الوقت المناسب ما هو مصدر كل المشاكل. الشاعر العربي القديم قال «بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام».

عودة بشارات
هآرتس 18/6/2018

مظاهرات في رام الله ـ العصا الوطنية
القمع هو أمر بعيد عن عقلانية مقاربة محمود عباس السياسية
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية