مظلومية السنة بدون لسان

حجم الخط
2

فاقت عذابات أهل الموصل، قتلاً وتهجيراً وتدميراً، أي احتفاء باستعادة المدينة من سيطرة تنظيم دموي استثمر في مظلومية السكان وخلل علاقتهم مع حكومة الغلبة الشيعية ليستحكم ويتملك زمام السلطة وصولاً إلى إخضاع البيئة الأهلية لقوانينه وشرائعه.
والعذابات، التي أظهرت أخيراً صوراً وفيديوهات كاشفة عن بشر عادوا إلى عصور بدائية لانعدام شروط الحياة من أكل وشرب وملبس، لم تحرّك رأياً عاماً أو مجموعات ضغط، ذاك أن صوت الحرب ضد تنظيم «الدولة» و»الانتصارات» المزعومة عليه تبدّت غطاء حيال ما نتج من مآس. والحرب تلك، وإن امتلكت مشروعية دولية استناداً لهوس «مكافحة الإرهاب» دون مشاريع سياسية، افتقدت إلى بناء صلات مع الأهالي المتروكين راهناً لتنظيم متطرف، وسابقاً لحكومة انتقام طائفي. فبات هؤلاء مشرّعين لاحتمالات الاضطهاد والظلم، بمستويات مختلفة.
فهم ضحايا قسوة تنظيم «الدولة» لأنهم سبق أن كانوا ضحايا الحكومة السابقة، والأخيرة ستتولى، بنسختها الجديدة حشداً ومليشيات وجيوشاً ثأرية الهوى، استكمال دورة العنف ضدهم. وتموضع الجماعة السنية الموصلية بين مضطهديها، بدافع التخلص من ظلم للوقوع في آخر، هو استعراض كاشف لعلاقتها بالقهر الذي يصيبها. فإذا تجبّر واستكبر «خصم» طائفي، استُحضر «التطرف» منقذاً ومخلصاً، في تكرار ممل لمأزق يتواصل استنساخه في سوريا ولبنان ومطارح أخرى في المشرق. ما يعيق تأسيس حساسية لعلاقة الجماعة مع مظلوميتها تؤلف بين الأبعاد الحقوقية والسياسية، سردية لمخاطبة العالم واقناعه بالالتفات نحوها.
والإعاقة لها جذر متصل بالتجارب التاريخية للسنة الذين اعتادوا تلبس أحوال القوة وتمثيلها سياسياً، فيما الضعف فكان اختباراً دائماً لأقليات تبلور حولها، بفعل الأدبيات الغربية، خطاب مظلوماتي يحسن أصحابه استثماره ليس فقط لاستحصال الحقوق وإنما لقضم أخرى ليست لهم.
والسنة الموصليون، وإن سلبت منهم قوة الحكم بسقوط النظام السابق، لا يستسيغون ضعفهم هذا ويترجمونه سياسة وقولا ولغة، بل يستعيدون قوتهم عبر تنظيم متطرف سرعان ما يتبين عدمية الاتكاء عليه.
وحال القوة التاريخية الملتصقة بصورة السنة، تساعد خصومهم على نكران محرقتهم الراهنة. ذاك أن «الأمة» في عرف هؤلاء لا يمكن أن تتعرض للاضطهاد من قبل أقليات متفرقة. وتثبيت الجماعة الأكثرية على صورتها كحاكمة ومتسلطة رغم تهتكها وانهيار شروط صمودها، يرمي إلى كبح إمكانية بروز أي خطاب مظلوماتي يسلط الضوء على التهجير والتغيير الديمغرافي والقتل والقصف والنزوح والاعتقال، في العراق وسوريا ولبنان.
لسان المظلومية السنية، مقطوع من الجماعة نفسها التي توزع مصائرها بين الأقوياء مهما كانت ايديولوجيتهم لاستعادة وهم القوة التاريخية المتمثل بالدولة المركزية. هي تمارس علاجاً نفسياً جماعيا ضد ضعفها بدل اعتماده حالاً وجبت ترجمته في السياسة.
واللسان مقطوع كذلك، من خصوم الأكثرية الذين يغذون صورتها حول نفسها بوصفها «أمة» لا تضعف، مستثمرين بوهمها لتحقيق مزيد من المكاسب على حسابها، دون التحسس لدورات العنف التي لا يذهب ضحيتها السنة فقط، وإنما من يقنعهم بأنهم أقوياء ليزيدهم ضعفاً.

مظلومية السنة بدون لسان

إيلي عبدو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية